الشرع ينأى بنفسه عن الملف اللبناني.. ودمشق أمام معادلة حساسة بين الضغوط الأميركية واستحقاقات الاستقرار الداخلي

المسار : فتحت مقابلة الرئيس السوري أحمد الشرع مع قناة /المشهد/ مساء الأحد، بابًا واسعًا أمام قراءة موقع سوريا الجديدة في معادلة لبنان، بعد التصريحات الأميركية التي لوّحت بإمكانية منح دمشق دورًا في ملف حزب الله.

وجاءت تصريحات الشرع لتضع حدودًا واضحة بين استعداد سوريا للمساهمة في الاستقرار السياسي، ورفضها التحول إلى طرف عسكري داخل الساحة اللبنانية.

وبينما قرأ محللون موقف الشرع باعتباره محاولة لتجنب حرب مفتوحة قد تمتد آثارها إلى سوريا، رأى آخرون أن دمشق باتت أمام اختبار معقد بين الانفتاح الأميركي، وضبط العلاقة مع لبنان، ومنع “إسرائيل” من توسيع هامشها الأمني في المنطقة.

وكان الرئيس الشرع قد تحدث في مقابلته عن رؤية دمشق للحل في لبنان، مؤكدًا أن سوريا لا تسعى إلى أخذ دور “إسرائيل” في المواجهة مع “حزب الله”، وأن مقاربة دمشق تقوم على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها، والبحث عن صيغة سياسية تحفظ الاستقرار وتمنع انفجارًا جديدًا في المنطقة.

وجاءت المقابلة بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب تحدث فيها عن إمكانية منح سوريا دورًا في التعامل مع ملف “حزب الله”، في ظل اعتراضات إسرائيلية على مسار التهدئة والمفاوضات الأميركية الإيرانية، وتصاعد الحديث عن مستقبل النفوذ الإيراني وحلفائه في لبنان.

وفي قراءة لهذه التصريحات، قال المحلل السياسي، فراس فحام، إن تصريحات ترامب تهدف، بدرجة رئيسية، إلى التلويح بخيارات تمتلكها الإدارة الأميركية بهدف الضغط على إسرائيل، أكثر من كونها مؤشرًا على تدخل عسكري سوري وشيك في لبنان.

وأشار فحام، في حديثه لـ”قدس برس” اليوم الاثنين، إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أبدى اعتراضات بعد بدء مسار التفاوض الأميركي الإيراني، بالتوازي مع حصول خروقات إسرائيلية في لبنان، معتبرًا أن ترامب يحاول أن يوحي لـ”إسرائيل” بأن الدعم الأميركي لا يجعلها الطرف الوحيد القادر على تحديد مسار الملفات الأمنية في المنطقة.

وأضاف أن حديث الرئيس الأميركي عن إمكانية أن تلعب سوريا دورًا في لبنان يمنح دمشق دعمًا سياسيًا وإعلاميًا إضافيًا، ويعزز حضورها في المشهد الإقليمي، خاصة حين يصدر هذا الطرح عن رئيس الولايات المتحدة.

ولفت فحام إلى أن سوريا تستطيع أن تساهم بطرق غير عسكرية في دعم الاستقرار داخل لبنان ووقف الحرب، بما يقطع الطريق على استمرار التمدد الإسرائيلي أو استخدام الساحة اللبنانية ذريعة لتوسيع المواجهة.

ورأى أن ما يجري لا يشير إلى تباعد استراتيجي كامل بين ترامب ونتنياهو، بقدر ما يعكس رغبة ترامب في فرض التهدئة والتسوية، انطلاقًا من حسابات داخلية أميركية، خصوصًا مع تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة التي تعتبر أن الحرب الأخيرة جاءت تحت ضغوط إسرائيلية، ولا تخدم المصالح الأميركية المباشرة.

وأوضح فحام أن ترامب يريد وقف الحرب بأي طريقة، حتى لو اضطر إلى ممارسة ضغط سياسي على نتنياهو، مشيرًا إلى أن إدخال اسم سوريا في هذا السياق قد يكون ورقة ضغط أكثر منه خطة تنفيذية فورية.

وفي سياق التفاعل السياسي مع مقابلة الشرع وتصريحات ترامب، رأى المحلل السياسي، باسل المحمد، أن الدولة السورية أمام اختبار بالغ الحساسية، في ظل ما وصفه بالإصرار الأميركي على الدخول في ملف “حزب الله”.

وقال المحمد، إن سوريا لا تملك هامشًا واسعًا للمناورة، وإن طريقة تعاملها مع هذا الملف قد تنعكس على مستوى الانفتاح الأميركي تجاهها في ملفات سياسية واقتصادية وأمنية.

وأضاف أن المرحلة قد تدفع دمشق إلى البحث عن تحالف إقليمي داعم قادر على موازنة الضغوط التي تتعرض لها، مع إمكانية أن يوازي ذلك مزيد من الانفتاح على موسكو، بهدف توسيع الخيارات السورية وتقليل الاعتماد على مسار واحد في التعامل مع الضغوط الخارجية.

من جهته، اعتبر الكاتب علي أبو رزق، أن تصريحات الرئيس الشرع مهمة وتأتي في توقيت حساس، لأنها تمثل أول رفض سوري رسمي لدعوة ترامب للتدخل في لبنان، رغم حجم الضغوط الأميركية.

ورأى أبو رزق أن موقف الشرع حمل إشارة سورية رسمية إلى إمكانية فتح مسار سياسي مستقبلي مع “حزب الله”، إذا كان ذلك يخدم مصالح سوريا ولبنان، مشيرًا إلى أن دمشق بدت حريصة على تجنب أي خطوة قد تشعل مواجهة داخلية أو إقليمية واسعة.

وأشار إلى أن الموقف السوري جاء، وفق تقديره، مستندًا إلى الموقف التركي الرافض لفكرة التدخل العسكري في لبنان، باعتبار أن مثل هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام حرب أهلية لا يمكن ضبط نهاياتها.

واعتبر أبو رزق أن هذا الموقف يأتي في سياق معاكس لرؤية نتنياهو ومخططاته المتعلقة بتغيير شكل المنطقة عبر القوة العسكرية، معتبرًا أن رفض دمشق التحول إلى أداة في مواجهة “حزب الله” يضع سقفًا سياسيًا أمام التصعيد الإسرائيلي.

وتكشف المقابلة والتفاعلات التي تلتها أن دمشق تحاول السير في مساحة دقيقة بين عدة اعتبارات: الحفاظ على علاقتها الصاعدة مع واشنطن، وعدم منح إسرائيل فرصة لتوسيع الحرب، وتجنب استدراج سوريا إلى الساحة اللبنانية، والبحث عن دور سياسي يعيد تثبيت حضورها الإقليمي دون الدخول في مغامرة عسكرية.

كما تعكس تصريحات الشرع رغبة واضحة في نقل العلاقة مع لبنان من منطق الوصاية أو التدخل إلى منطق الدولة والمؤسسات، مع الإقرار بحساسية ملف “حزب الله” داخل الذاكرة السورية واللبنانية، وبضرورة أن يُعالج هذا الملف ضمن تسوية سياسية داخلية، لا عبر الحرب.

وتخلص مقابلة الشرع إلى أن دمشق تريد تثبيت معادلة مختلفة في التعامل مع لبنان؛ معادلة تقوم على دعم الدولة اللبنانية، ورفض الحرب، وترك الباب مفتوحًا أمام حلول سياسية تحفظ مصالح البلدين. أما تصريحات ترامب، بحسب قراءات المحللين، فتبدو أقرب إلى ورقة ضغط على “إسرائيل” ونتنياهو منها إلى إعلان مسار عسكري سوري وشيك داخل لبنان.

المصدر … القدس برس

Share This Article