المسار : مع مرور ألف يوم على حرب الإبادة التي اندلعت شرارتها من الأراضي المحتلّة، عقب عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أصبح واضحاً أن إسرائيل اتّخذت من تلك العملية ذريعة لإطلاق مسار تحقيق أقصى أهدافها المتطرّفة. وإذا كان وزير المالية الإسرائيلية، بتسلئيل سموتريتش، يرى في تشكيل الائتلاف الحكومي اليميني «هدية الربّ التي منحها لشعبه المختار لتحقيق أهدافه العالقة منذ 2000 عام»، فإن السلوك الإبادي انتقل بإسرائيل من «الدولة الديمقراطية المتقدّمة تكنولوجياً وحضارياً»، إلى الشكل الأوسع من نموذج عصابات «شبيبة التلال» و«تدفيع الثمن»، لتعود بذلك الدولة التي قطعت 70 عاماً في تبييض صورتها، إلى النواة التي تشكّلت منها «عصابات الهاجاناه».
مضت إسرائيل وما زالت، إلى أقصى ما تستطيع من العقاب الجماعي، وألغت خلال سنوات الحرب بروتوكولات إطلاق النار التي يُفترض أن تخلق حالة انضباط وتهذّب عمليات القتل لدى الجيوش الطبيعة، وتَحول دون تحوّلها إلى عصابات من مصّاصي الدماء. وليس مقتل أكثر من 72 ألف فلسطيني خلال عامَين، من بينهم 20 ألف طفل و22 ألف سيدة و16 ألف فتاة، سوى انعكاس لطريقة القتل العشوائي غير المضبوط، التي تكاثرت في شأنها التقارير حتى في الصحف العبرية، متطرّقةً إلى حالة انعدام التعليمات، والتي تقضي أنه يحق للجنود، سواء كانوا يحملون سلاحاً فردياً رشاشاً، أو يقودون دبابة أو طائرة حربية، أن يفتحوا النار على من يشاؤون، من دون أوامر من أيّ رتبة عسكرية. ببساطة، قرّرت إسرائيل أنه لا أحد يستحق الحياة في غزة، لتُضحي المجازر التي تُباد فيها عائلات بأكملها، ثمّ أحياء ومخيمات عن بكرة أبيها، إلى ثيمة لهذه الحرب، التي وصلت من خلالها إسرائيل إلى أصدق النسخ من نفسها، وخرجت منها وقد تلطّخت صورتها في العالم بوصمة مرتكبي جرائم الإبادة.
في غزة، تجاوزت التحوّلات حدود الخسائر البشرية إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق
هكذا، داست إسرائيل على الخطّ الفاصل بين الجيوش والعصابات، ظاهرةً في صورة «الدولة» الوحيدة في العالم التي يعلن وزراؤها على الملء أنهم سيرتكبون جريمة التجويع في حقّ مليونَي إنسان يحاصرهم القصف من كلّ اتّجاه. «ركِّزوا في شفاهي: لن تدخل ولا حبة قمح واحدة إلى غزة»؛ قالها سموتريتش في تصريح مصوَّر، سرعان ما تحوّل إلى سياسة فعلية تُطبَّق بدأب وأمانة. على مدار شهور من منع دخول المساعدات والبضائع التجارية، استشهد أكثر من 900 إنسان نتيجة مضاعفات سوء التغذية، وقُتل الآلاف في ما عرف بـ«مجازر الطحين» التي نتجت من عمليات التوزيع العشوائي للمساعدات، أو تلك التي كانت ترعاها «مؤسسة غزة الإنسانية» الأميركية، في ما مثّل أسوأ نموذج تطبيقي لبهائمية التوحّش الإنساني في القرن الواحد والعشرين. نموذجٌ اختصرته صورة المعازل المُحاطة بالأسلاك الشائكة، التي يمرّ إليها المجوّعون عبر «الحلابات»، وتعطى لهم فيها بضع دقائق للتدافع على فتات الطعام، قبل أن تبدأ الرشاشات الثقيلة في إطلاق النار على أجسادهم الهزيلة لإخلائهم. وإذ باتت تلك الصورة جزءاً من الهوية الأيقونية لإسرائيل وحليفها الأميركي، فقد حجزت إسرائيل لنفسها أيضاً مكانة في صدارة الدول التي قتلت ولاحقت كلّ الشرائح المجتمعية المدنية التي تحميها الشرائع والقوانين الدولية في أوقات الحروب، وعلى رأسها الصحافيون الذي قضى منهم على نحو مقصود ومتعمّد نحو 260 صحافياً وأصيب المئات، ورجال الدفاع المدني ومقدّمو الخدمة، ومن بينهم أكثر من 1000 طبيب ومُمرّض تعرّضوا للقتل.
في غزة، تجاوزت التحوّلات حدود الخسائر البشرية إلى ما هو أبعد من ذلك وأعمق؛ إذ سعت إسرائيل ولا تزال إلى تدمير البناء الديموغرافي، مشتغلةً أيضاً على تهشيم السوية البشرية، وذلك بإرغام كلّ أهالي القطاع على عيش تجربة النزوح القسري لعشرات المرات. مثّلت عمليات الإخلاء والنزوح والترحيل الجماعي التي تسبق تدمير المخيمات والمدن، صورة أيقونية أخرى من صور جريمة الإبادة، في حين تكوّنت صورة ثالثة بانجلاء غبار العمليات الكبرى بنسقها المكثّف، عن مسح مدن بأكملها من مثل بيت حانون ورفح وخانيونس وجباليا، وأحياء كبرى كالشجاعية والتفاح، ومخيمات تاريخية على رأسها جباليا والشابورة ويبنا عن وجه الأرض. تلك المناطق التي كان يسكنها نحو مليون إنسان في تجمّعات بشرية متجانسة ومتفاعلة، أضحى أهلها مشتَّتين بلا مأوى، يفترشون أرصفة الشوارع وتجمّعات الخيام العشوائية، ويحاولون بشقّ الأنفس منع تبديد التماسك الأسري وتفكيك القيم المجتمعية وتهشيم العقد الاجتماعي.
فعلت إسرائيل أقصى ما يمكنها فعله من عدوان وإجرام وانتقام، واستطاعت في نهاية المطاف احتلال جزء كبير من قطاع غزة – الذي يمثّل نحو 1.5% من مساحة فلسطين التاريخية -، وتدمير الجزء الأكبر منه، وقتل وجرح وتعويق عدد قياسي من أهله، إلى جانب اعتقالها أعداداً كبيرة من الفلسطينيين، وفرضها مزيداً من القيود على المقدّسات وتحديداً المسجد الأقصى. لا بل تجاوزت إسرائيل كلّ ذلك إلى سلوكيات مُمعِنة في امتهان كرامة الإنسان، مقدِمةً على عمليات إذلال جماعية مقصودة للغزيين – من مثل التجريد من الملابس، ومنع دخول أدوات النظافة والحمامات الصحية، وحظر الوقود والمحروقات ووسائل النقل -، ومستهدفةً من وراء ما تَقدّم وغيره، تحقيق أقصى قدر من العنف الإدراكي الجماعي، وترسيخ قناعة بأن المقاومة كفعل بشري مشروع، هي المتسبّب في كلّ هذا العذاب الإنساني وليس المحتل.
لكن في خلفية كلّ ذلك، لا يزال يكمن إحساس هائل بالإهانة والعار الذي استيقظت عليه إسرائيل في صبيحة السابع من أكتوبر، واحتاج إلى حرب إبادة مستمرة على مدار ألف يومٍ لغسله. عارٌ دفَع أكبر قوة تكنولوجية وعسكرية في المنطقة إلى دخول حروب على سبع جبهات تقتل فيها كلّ خصومها، إلا أن المفارقة أن ما يلوح أمامها اليوم، ليس إلّا الهزيمة والشعور الحادّ بشبح الزوال.
المصدر … الاخبار

