المسار : من يملك حق الحياة؟ تخيّل أن تقف أمام جسدين ينزفان تحت الضوء الخافت لمصباح يدوي، في يدك وحدة دم أخيرة، وجهاز فحص معطل، وبقايا شاش طبي لا تكفي لإغلاق جرح واحد؛ وعليك، في غضون ثوانٍ، أن تكون أنت صاحب القرار المرعب؛ من تعيد إليه نبض الحياة ليعيش، ومن تتركه يلفظ أنفاسه الأخيرة بصمت ليرتقي شهيدًا؟
هذه لم تكن فرضية في كتاب لأخلاقيات الطب، بل كانت الخيار اليومي للممرضة شروق الرنتيسي رفقة الطاقم الطبي داخل غرف الطوارئ وأقسام مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة أثناء عملها خلال حرب الإبادة الإسرائيلية.
تحت حصار خانق جرّد حتى الأطفال من الحليب، ووسط مجاعة نهشت أجساد الكادر الطبي قبل الجرحى، تفتح شروق خزانة الذاكرة لتروي في حوار شجي مع “وكالة سند للأنباء” ما لم تنقله عدسات الكاميرات؛ ولا يتخيله عقل بشر.. عن الدكتور حسام أبو صفية الذي قاد دفة المشفى وجراحه الشخصية تنزف، عن الدود الذي نهش رؤوس المصابين لغياب المعقمات، وعن الزملاء الذين استشهدوا وهم يهمسون: “أكملوا عملكم أولًا، ثم ابكوا علينا لاحقًا”.
حين أصبح المستشفى مدينة للنازحين
حين تتحدث شروق عن كمال عدوان، لا تبدأ الحرب أولًا، بل تعود إلى ما قبلها بتسع سنوات، حين دخلت المستشفى متطوعة تعمل دون مقابل، قبل أن تشارك لاحقًا في تأسيس بنك الدم الذي افتتح عام 2020، بعدما كان مجرد ملحق صغير.
تقول إن المستشفى لم يكن بالنسبة إليها مجرد مكان عمل، بل مكان كبرت فيه مهنيًا وإنسانيًا، ولذلك كان انهياره أمام عينيها أشبه بانهيار جزء من حياتها، ومع اندلاع الحرب، تبدلت كل الملامح.
“من أول لحظة للحرب كان القصف في كل مكان، والإصابات والشهداء والجرحى يتدفقوا بشكل مهول، ما كان فيه توقف نهائي، كنا نشتغل 24 ساعة على قدم وساق”.
ولم يعد مستشفى كمال عدوان يستقبل المرضى فقط؛ إذ تحول، بحسب شروق، إلى ملجأ لآلاف النازحين الذين افترشوا الممرات والغرف، حتى أصبح نقل المصابين إلى أقسام العناية المركزة مهمة شاقة وسط الزحام.
وتضيف: “ضغط النازحين والفوضى والعوائق الناتجة عن وجودهم ضاعف الضغط علينا، بدنا نسعف مرضى ونشتغل، وبنفس الوقت المستشفى مليان ناس”.
أما أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتها، فلم يكن مشهدًا بعينه، وإنما رائحة لم تفارق المكان، “كانت رائحة الموت.. دم وبارود وغبار في كل مكان”.
فرّقتنا الحرب..
ولم تقتصر المعركة على ما يدور داخل جدران المستشفى؛ فخارجها كانت عائلات أفراد الطواقم الطبية تواجه المصير ذاته.
تروي شروق أن والدها طلب منها بعد أيام من اندلاع الحرب أن تعود إلى المنزل، لكنها رفضت مغادرة المستشفى، وحين أدرك تمسكها بالبقاء، قال لها إنه احتسبها عند الله.
ومنذ تلك اللحظة، كما تقول، أصبحت تعيش بين جبهتين؛ تقدم العلاج للمصابين، بينما يبقى قلبها مع أسرتها التي فرقتها الحرب.
وكان الوصول إلى إشارة هاتف يحتاج إلى مغامرة، إذ كانت تصعد إلى الطابق الثالث علّها تتمكن من الاطمئنان عليهم، وفي إحدى المرات شاهدت المدرسة التي نزحت إليها عائلتها تتعرض للقصف من داخل المستشفى، لكنها لم تستطع الوصول إليهم.
“كنت شايفة القصف ومش قادرة أروح أعرف شو صار فيهم، اللي يطلع على الشارع ممكن ينقتل، وحتى المسعفين كانوا يُستهدفوا”.
ومع اشتداد حصار شمال غزة، انقطع التواصل مع عائلتها تمامًا، “كنت أقدم الخدمة، وعقلي في نفس الوقت مع أهلي”.
“بدنا نشغل المختبر يا شروق”.. قائد لم يغادر موقعه
وسط هذا المشهد الذي اختلط فيه الخوف بالجوع والإرهاق، برزت شخصية الدكتور حسام أبو صفية، ليس فقط بصفته مديرًا للمستشفى، وإنما باعتباره، السند الذي كانت تستند إليه الطواقم الطبية كلما ضاقت الخيارات.
قبل الحرب، كانت تعرفه مديرًا لمستشفى الأطفال، يتابع المرضى حتى من منزله، ويعمل باستمرار على تطوير أقسام الأطفال والعناية المركزة والحضانة والاستقبال.
لكن الحصار الأول للمستشفى غيّر كل شيء، بعد اقتحام المستشفى واعتقال مديره السابق الدكتور أحمد الكحلوت، كان أول اتصال تلقته من الدكتور حسام أبو صفية: “بدنا نشغل المختبر يا شروق”، لم تتردد لحظة، “أنا جاية”.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت مسؤولة عن إعادة تشغيل المختبر، بينما اعتاد أبو صفية أن يردد أمام العاملين: “عنوان المختبر شروق”.
تضيف أن تلك الكلمات لم تكن مجرد ثناء، بل كانت تكليفًا ومسؤولية مضاعفة في وقت كانت فيه كل دقيقة تعني حياة إنسان.
وتصفه بأنه كان يعرف أين يضع كل شخص، ويجوب الأقسام باستمرار ليسأل العاملين عما يحتاجونه، ويكرر عبارته التي رفعت معنويات الجميع: “هينا إيد واحدة.. وإن شاء الله بنكون عون لبعض”.
وتستطرد: “كانوا يسمونه أبو المرضى.. وأبونا كلنا في الكادر”، لم يكن يعرف ساعات عمل، وكان ينام في مكتبه، ويتابع المرضى حتى تستقر حالاتهم، ثم ينتقل إلى غيرهم.
ورغم تخصصه في طب الأطفال، شارك في التخدير داخل العمليات عند الحاجة، وحين أصيب، عاد إلى العمل بعد ساعة أو ساعتين فقط، حتى استشهاد نجله إبراهيم داخل المستشفى لم يدفعه إلى المغادرة.
وتردد: “كان كبيرنا.. والقدوة والأب لكل المرضى ولكل الكادر”.
حين أصبحت النجاة امتيازًا
غير أن نفث الروح في المختبر لم يمهل طاقم كمال عدوان ليفرحوا طويلًا؛ إذ سرعان ما وجدت شروق رفقة زملائها يلجون عتبة الخيارات الأكثر رعبًا في تاريخ المهنة الإنسانية؛ خيارات تفاضل بالقطرة والشاش بين روح وأخرى.ك
لم يعد السؤال: كيف ننقذ المصابين؟ بل: من يستحق فرصة النجاة الأخيرة؟ ومن نودعه عاجزين لأن الدم نفد، والأجهزة تعطلت، والوقت يسبق الجميع، تقول شروق وهي تحبس أنفاسها مستذكرة واحدة من أقسى محطات الحرب: “بدأنا نقرر قسرًا من نترك ومن ننقذ”.
فمع نفاد المواد اللازمة لتشغيل جهاز فحص الدم، اضطر الطاقم إلى المفاضلة بين العينات، ثم بين المرضى أنفسهم.
تمضي في الحديث: “صرنا نفاضل بين العينات.. المريض الذي يظهر عنده نزيف نجري له الفحص، وصلنا لمرحلة المريض دمه 5 أو 6، ولا نستطيع إعطاءه وحدة دم، بسبب العجز في وحدات الدم”.
وفي قسم الطوارئ، لم تعد المفاضلة تقتصر على الدم، بل شملت الأدوات الطبية أيضًا، وتخبرنا: “صار فيه مفاضلة بالحالات.. هذا خلاص على وشك يموت، نشتغل مع من لديه أمل يعيش”.
وجوه لم تغادر الذاكرة
في زحام الحرب، قد تضيع الأسماء وتختلط الملامح، لكن بعض القصص ترفض أن تموت. فهناك مريض بقي ينتظر من يؤنس وحدته بعدما اضطر أهله إلى الرحيل، وطفل احترق جسده وبقي بلا عائلة، وفتاة كانت الحياة تتسرب من رأسها بينما كانت المستلزمات الطبية قد نفدت تمامًا.
ورغم مئات الحالات التي مرت عليها، لا تزال وجوه بعينها تلاحق ذاكرة شروق، منها رجل أصيب بكسر في الحوض، اضطر أهله إلى مغادرة المستشفى، فقررت ألا تتركه.
“حملت نفسي أمانة إنه هذا المريض ما أسيبه ولا أتركه لحظة”، ولا يزال يلتقيها حتى اليوم ليشكرها.
كما تتذكر طفلًا مصابًا بحروق بقي داخل المستشفى بعد مغادرة أسرته، فتولت عاملة نظافة رعايته.
لكن أكثر ما يؤلمها صورة فتاة أصيبت في رأسها إصابة بالغة حتى ظهرت أنسجة دماغها، بينما لم تكن هناك مستلزمات لإجراء العملية، “المخ تبعها كان مبين برا، وما كان فيه مستلزمات للعملية”.
ومع غياب البيئة الصحية المناسبة بدأ الدود يظهر داخل الجرح، فتدخل طبيب لتنظيفه، وظل الطاقم يتابع حالتها حتى انتهاء الحصار، قبل أن تُجرى لها العملية في مستشفى الشفاء، وتردد: “الحمد لله أمورها تمام.. هذه البنت ما بنساها”.
لكن الوجوه التي بقيت في الذاكرة لم تكن وحدها ما أثقل كاهل الطواقم الطبية، فلم يكن لدى العاملين في مستشفى كمال عدوان رفاهية الحداد، كانت كل دقيقة يقضونها في البكاء قد تعني فقدان مريض آخر، لذلك صنعوا لأنفسهم قانونًا غير مكتوب؛ أن يؤجلوا الحزن، ويكملوا العمل أولًا، ثم يعودوا إلى وجعهم عندما يسمح الوقت.
الليلة التي احترق فيها المستشفى
وبينما كانت الطواقم الطبية تقاوم الجوع والإرهاق ونقص الإمكانات، كانت تدرك أن الأصعب لم يأتِ بعد، فالأيام الأخيرة داخل “كمال عدوان” لم تكن مجرد حصار، بل كانت نهاية فصل كامل من حياة المستشفى، انتهى باقتحام جديد، وحرائق، وإخلاء قسري، ومشاهد لا تزال تلاحق كل من عاشها.
تستذكر شروق أن الأيام الأخيرة كانت الأثقل على الإطلاق. فبعد استشهاد ثلاثة من أفراد الطاقم في استهداف يوم 25 ديسمبر/كانون الأول 2024، أبلغهم الدكتور حسام أبو صفية في اليوم التالي ببدء الاستعداد للإجلاء إلى المستشفى الإندونيسي، فشرع الجميع في تجهيز المرضى وهم يظنون أن ساعات قليلة فقط تفصلهم عن المغادرة.
لكن عند الثالثة فجر السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول دوى انفجار ضخم، واشتعلت النيران في الأرشيف ثم الصيانة والمغسلة، قبل أن تمتد نحو المختبر، لتبدد كل خطط الإجلاء.
تروي شروق: “قلت خلص.. هاي المرة مش هنطلع منها”، بعدها أُجبر الجميع على مغادرة المستشفى.
وفي إحدى عمليات الإخلاء، منحهم الجيش عشرين دقيقة فقط لإنزال عشرات المرضى من الطوابق العليا، بينما لم يتجاوز عدد أفراد الطاقم الموجودين عشرة أشخاص.
ولم يُسمح لهم بحمل أغراضهم، حتى الأموال، كانت تحمل معها أيضًا أمانات ورسائل تركها نازحون لديها، طالبين منها إيصالها إلى ذويهم إن استشهدوا.
وفي يوم الإخلاء الأخير، خرجت شروق مع المرضى والطواقم تحت توجيه الدبابات حتى وصلوا إلى صالة الفريد، حيث فُصل الرجال عن النساء.
توضح أن النساء أُجبرن على خلع الحجاب والتفتيش المهين، وتعرضت هي للضرب، بينما تعرض أطباء وممرضون للإهانة والاعتداء، وتقول: “ما احترموا حتى اللابكوت الأبيض”.
حين اعتقلوا والدنا جميعا..
أما الدكتور حسام أبو صفية، فقد بقي في المستشفى حتى لحظاته الأخيرة، قبل أن يُعتقل بعد اقتحامه.
بالنسبة لشروق، لم يكن المعتقل مجرد مدير مستشفى، “كان كبيرنا.. والقدوة والأب لكل المرضى ولكل الكادر”.
اليوم، وبعد شهور على خروجها القسري من مستشفى كمال عدوان، لا تزال شروق تؤمن أن ما تهدّم يمكن أن يُبنى من جديد، وأن الرسالة التي حملها الطاقم الطبي لم تنكسر رغم كل ما مرّ به.
وبينما تنتظر العودة إلى المستشفى الذي تركت فيه جزءًا من عمرها، تبقى آخر صورة تحفظها في ذاكرتها للدكتور حسام أبو صفية وهو يجوب الأقسام مطمئنًا الجميع بقوله.. “هينا مع بعض.. إيد واحدة وبنكمل بعض”، وكأن تلك العبارة لم تكن تخص العاملين في المستشفى وحدهم، بل اختزلت حكاية صمود كاملة في وجه الحرب.

