المسار : تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال مرحلة متجددة من التوتر، في ظل اتساع الخلافات بين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو والإدارة الأميركية، بالتزامن مع تحولات ملحوظة في مواقف الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل، خصوصًا بين الأجيال الشابة.
- فتور متزايد بين ترامب ونتنياهو
- تراجع صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي
- الرأي العام وتأثيره في السياسة الأميركية
- كلينتون ونتنياهو.. أوسلو والاستيطان
- خلافات بوش ونتنياهو حول «خريطة الطريق»
- أوباما ونتنياهو.. النووي الإيراني والاستيطان
- ترامب ونتنياهو.. تقارب لم يمنع الخلاف
- غارات بيروت تشعل الخلاف
- انتقادات أميركية علنية
- إيران في قلب التباينات
- تحالف مستمر وتحولات متسارعة
ولا تبدو الخلافات الراهنة معزولة عن مسار سياسي طويل رافق نتنياهو خلال تعامله مع الإدارات الأميركية المتعاقبة، بدءًا من الرئيس بيل كلينتون، مرورًا بجورج بوش الابن وباراك أوباما، وصولًا إلى دونالد ترامب.
فتور متزايد بين ترامب ونتنياهو
برزت خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على اتساع التباينات بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو، ولا سيما في ملفات الحرب على غزة، والسياسة تجاه إيران، ومستقبل وقف إطلاق النار، والتطورات العسكرية في لبنان.
وكان من أبرز مؤشرات الفتور إعلان نتنياهو إلغاء زيارة كان يخطط للقيام بها إلى الولايات المتحدة للقاء ترامب، بعدما أفادت تقارير بأنه حاول ترتيب الزيارة دون الحصول على رد إيجابي من البيت الأبيض.
وبرر نتنياهو إلغاء الزيارة بتغيير موعد مراسم تشييع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، إلا أن الخطوة فُسّرت سياسيًا باعتبارها مؤشرًا إضافيًا على اضطراب العلاقة بين الطرفين.
تراجع صورة إسرائيل داخل المجتمع الأميركي
بالتوازي مع الخلافات السياسية، أظهرت استطلاعات رأي أميركية تصاعد المواقف السلبية تجاه إسرائيل.
وبحسب استطلاع نُسب إلى مركز «بيو ريسيرتش»، فإن 60% من الأميركيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، من بينهم 28% وصفوا موقفهم بأنه سلبي للغاية.
كما أشارت النتائج إلى ارتفاع نسبة أصحاب النظرة السلبية من 43% في آذار/مارس 2022، إلى 53% في نيسان/أبريل 2025، قبل أن تسجل ارتفاعًا إضافيًا لاحقًا.
وتبدو هذه التحولات أكثر وضوحًا بين الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا، إذ أصبحت المواقف السلبية تجاه إسرائيل أكثر انتشارًا بين الشباب، سواء داخل القاعدة الديمقراطية أو الجمهورية.
وأظهر الاستطلاع كذلك أن 59% من الأميركيين لا يثقون، أو يثقون بدرجة محدودة، في قدرة نتنياهو على اتخاذ قرارات صحيحة بشأن القضايا الدولية.
الرأي العام وتأثيره في السياسة الأميركية
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، ريتشارد بيتس، أن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل لا تتحدد فقط بالعلاقات الشخصية بين الزعماء أو بالحسابات الاستراتيجية، بل تتأثر بصورة كبيرة باتجاهات الرأي العام داخل الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن دعم إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية ارتبط لدى قطاعات واسعة من الأميركيين باعتبارات أخلاقية وسياسية، وتعزز هذا التوجه بعد حرب حزيران/يونيو 1967، إلى جانب غياب قوى ضغط عربية مؤثرة داخل المشهد السياسي الأميركي.
لكن الأجيال الجديدة، وفق تقديره، لم تعد تحمل الإرث السياسي والنفسي ذاته، فيما أسهمت الحرب على غزة وما رافقها من معاناة فلسطينية واسعة في تعميق التحول الشعبي.
ورغم هذا التغير، لا تزال قطاعات كبيرة من النخب السياسية في الحزبين الجمهوري والديمقراطي متمسكة بدعم إسرائيل، كما لم يظهر حتى الآن مرشح رئاسي بارز يدعو إلى تغيير جذري في المساعدات العسكرية أو الغطاء الدبلوماسي الأميركي المقدم لها.
كلينتون ونتنياهو.. أوسلو والاستيطان
بدأت المواجهات السياسية بين نتنياهو والإدارات الأميركية منذ انتخابه رئيسًا للحكومة للمرة الأولى عام 1996، حين دخل في خلاف مبكر مع الرئيس بيل كلينتون بشأن تنفيذ اتفاقيات أوسلو ومستقبل التسوية مع الفلسطينيين.
ورغم عدم إلغاء نتنياهو الاتفاقيات بالكامل، فإنه اتبع سياسة أدت إلى إبطاء تنفيذ بنودها، خصوصًا ما يتعلق بانسحاب جيش الاحتلال من أجزاء من الضفة الغربية.
كما أثار قراره المضي في إقامة مستوطنة «هار حوما» على جبل أبو غنيم في القدس المحتلة غضب إدارة كلينتون، التي اعتبرت التوسع الاستيطاني تهديدًا مباشرًا للعملية السياسية.
وفي عام 1998، استضافت الولايات المتحدة قمة «واي ريفر»، التي انتهت بتوقيع اتفاق جديد بين الجانب الفلسطيني وحكومة الاحتلال، إلا أن الخلافات تجددت بعد اتهام واشنطن نتنياهو بالمماطلة في تنفيذ بنود الانسحاب.
وأظهرت مذكرات كلينتون وتصريحات منسوبة إليه حجم انعدام الثقة بين الجانبين، رغم استمرار الدعم العسكري والسياسي الأميركي لإسرائيل خلال تلك المرحلة.
خلافات بوش ونتنياهو حول «خريطة الطريق»
برزت خلافات جديدة خلال ولاية جورج بوش الابن، خاصة مع طرح مشروع «خريطة الطريق» عام 2003، الذي استهدف الوصول إلى تسوية على أساس إقامة دولة فلسطينية.
وكان نتنياهو حينها وزيرًا للمالية في حكومة أريئيل شارون، وعارض المشروع بحجة أنه يهدد أمن إسرائيل.
كما ازدادت الخلافات عندما قررت حكومة شارون عام 2005 تنفيذ خطة الانسحاب الأحادي من قطاع غزة وإخلاء المستوطنات المقامة فيه، وهي خطوة دعمتها إدارة بوش، بينما عارضها نتنياهو واستقال من الحكومة احتجاجًا عليها، محذرًا من أنها ستعزز قوة حركة حماس.
أوباما ونتنياهو.. النووي الإيراني والاستيطان
شهدت فترة الرئيس باراك أوباما واحدة من أعقد مراحل العلاقة بين نتنياهو والبيت الأبيض، وتصدر الملف النووي الإيراني أسباب الخلاف.
فبينما اعتبرت إدارة أوباما الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015 إنجازًا دبلوماسيًا، رفضه نتنياهو بشدة، واعتبر أنه لا يمنع طهران من امتلاك قدرات نووية.
ووصل الخلاف إلى ذروته عندما ألقى نتنياهو خطابًا أمام الكونغرس بدعوة من قيادات جمهورية، دون تنسيق مع البيت الأبيض، وهاجم خلاله الاتفاق النووي بصورة مباشرة.
كما اختلف الطرفان بشأن الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ورفض نتنياهو الضغوط الأميركية لتجميد التوسع الاستيطاني.
وفي الأيام الأخيرة من ولاية أوباما، امتنعت الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض ضد قرار في مجلس الأمن يدين الاستيطان، في خطوة عكست عمق الأزمة بين الإدارتين.
ترامب ونتنياهو.. تقارب لم يمنع الخلاف
رغم التقارب الكبير الذي طبع العلاقة بين ترامب ونتنياهو في مراحل سابقة، فإن الملفات الإقليمية أعادت الخلافات بينهما إلى الواجهة.
وتركزت التباينات على إدارة الحرب في غزة، والتعامل مع إيران، ومستقبل وقف إطلاق النار، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.
وبحسب تقارير إعلامية، حاولت إدارة ترامب الوصول إلى تفاهم مؤقت مع طهران يوقف التصعيد ويفتح الباب أمام مفاوضات نووية أوسع، في حين تمسك نتنياهو بشروط أكثر تشددًا، تشمل تفكيك منشآت تخصيب اليورانيوم وفرض قيود على برنامج الصواريخ الإيراني.
غارات بيروت تشعل الخلاف
تفاقمت التوترات عقب غارات شنها جيش الاحتلال على الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط خشية أميركية من أن تؤدي العمليات إلى إفشال المسار الدبلوماسي مع إيران وإعادة إشعال المواجهة الإقليمية.
ونقلت تقارير عن موقع «أكسيوس» أن ترامب وجّه انتقادات حادة إلى نتنياهو خلال اتصال هاتفي، واتهمه بالتهور والمخاطرة بالجهود الأميركية.
وأعلن ترامب لاحقًا أن إسرائيل لن تنفذ عملية برية في بيروت، مؤكدًا أنه أجرى اتصالات بهدف الحفاظ على وقف إطلاق النار، إلا أن استمرار هجمات الاحتلال على جنوبي لبنان أظهر أن الخلاف لم يُحسم بالكامل.
انتقادات أميركية علنية
امتدت الانتقادات إلى تصريحات علنية لترامب وصف فيها بعض التحركات العسكرية الإسرائيلية بأنها مبالغ فيها، ودعا نتنياهو إلى اعتماد مقاربة أكثر هدوءًا في الملف اللبناني.
كما عكست تصريحاته بشأن دور سورية في لبنان استمرار الاختلاف بين واشنطن وتل أبيب في تقدير طبيعة التحركات الإقليمية وطريقة التعامل معها.
إيران في قلب التباينات
لا يزال الملف الإيراني أحد أبرز محاور الخلاف؛ إذ تفضل واشنطن الجمع بين الضغوط العسكرية والمسار التفاوضي، بينما يطالب نتنياهو بتفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية وفرض قيود واسعة على القدرات الصاروخية لطهران.
ورغم نقل حكومة الاحتلال مطالبها إلى واشنطن، أفادت تقارير بأن الإدارة الأميركية واصلت تحركاتها الدبلوماسية بصورة لا تتطابق بالكامل مع رؤية نتنياهو.
تحالف مستمر وتحولات متسارعة
تكشف الخلافات المتكررة بين نتنياهو والإدارات الأميركية أن العلاقات بين واشنطن وتل أبيب لم تكن خالية من الصدامات، رغم استمرار التحالف الاستراتيجي والدعم العسكري والدبلوماسي.
لكن المتغير الأبرز يتمثل في انتقال التحولات من مستوى القيادات إلى الشارع الأميركي، حيث تتزايد الانتقادات لإسرائيل ونتنياهو، خصوصًا بين الشباب.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الاتجاه قد يفرض على صناع القرار الأميركيين مستقبلاً إعادة تقييم شكل الدعم المقدم لإسرائيل، وإن كانت التحولات الشعبية لم تتحول حتى الآن إلى تغيير جذري في السياسة الرسمية الأميركية.

