عائلات غزة تنتظر جثامين أبنائها على أبواب الموت

المسار : سلط تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، الضوء على معاناة متزايدة تعيشها عائلات في قطاع غزة، مع استمرار تعذر استعادة جثامين أقاربها الذين يقتلون قرب ما يعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي رسمه جيش الاحتلال الإسرائيلي ووسع من خلاله مناطق سيطرته العسكرية داخل القطاع، تاركاً عشرات الجثامين خارج متناول ذويها لأيام، وأحياناً لأسابيع أو شهور.

وروى التقرير قصة الفلسطيني محمد أبو خماش (29 عاماً)، وهو أب لثلاثة أطفال كان يعاني اضطراباً نفسياً حاداً تفاقم بصورة كبيرة منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن يغادر مكان نزوح عائلته ويختفي، لتنتهي رحلة البحث عنه بمقتله قرب المنطقة العسكرية التي يمنع الفلسطينيون من الاقتراب منها.

ونقل التقرير عن والده عودة أبو خماش قوله إنه بدأ البحث عن نجله فور اختفائه، ونشر صوره عبر وسائل التواصل الاجتماعي وناشد المواطنين مساعدته في العثور عليه، قبل أن يتلقى بعد ثلاثة أيام خبراً يفيد بأن ابنه توجه نحو “الخط الأصفر”، حيث تعرض لإطلاق نار من قبل الجيش الإسرائيلي.

وأصبح قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، مقسماً إلى مناطق تختلف فيها مستويات السيطرة والوصول، بينما يشكل “الخط الأصفر”، الذي رسم في 10 أكتوبر، الحدود الفاصلة للمناطق التي لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر عليها، وتشمل أكثر من 60 في المئة من مساحة القطاع.

وأقامت قوات الاحتلال لاحقاً علامات خرسانية صفراء على امتداد أجزاء من هذا الخط، بعضها تجاوز المسار الأصلي، في حين تطلق النار بصورة متكررة على الفلسطينيين الذين يقتربون من المنطقة أو يحاولون عبورها.

الخط الأصفر يحرم العائلات من دفن أبنائها

أشار التقرير إلى سقوط عشرات الفلسطينيين قرب الخط منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، فيما تعذر على كثير من العائلات استعادة جثامين أقاربها بسبب إعلان المنطقة منطقة عسكرية مغلقة، الأمر الذي أدى إلى بقاء الجثامين في العراء لفترات طويلة.

وأكد أن الحجم الحقيقي لهذه الحالات لا يزال غير معروف، رغم توثيق العائلات والصحفيين والمنظمات الإنسانية لعشرات الوقائع المشابهة.

وكان محمد أبو خماش أحد هؤلاء، إذ بقي جثمانه بعيداً عن متناول عائلته عدة أيام.

وأوضح والده أن نجله كان يعاني الذهان منذ سنوات، ويخضع للعلاج في مركز غزة للصحة النفسية المجتمعية قبل الحرب، حيث كان يمكث لفترات تتراوح بين أسبوعين وشهر حتى تستقر حالته.

وأضاف أن الحرب وما رافقها من قصف متواصل واستهداف للمستشفيات أدى إلى توقف العلاج، لتتولى العائلة رعايته داخل خيام النزوح، في وقت أصبحت فيه مراقبته أكثر صعوبة مع تدهور حالته النفسية.

وأشار إلى أن تسعة من أفراد العائلة تناوبوا على مراقبته لمنعه من التوجه نحو المناطق الخطرة، بعدما أصبح يحاول باستمرار العودة إلى منزل الأسرة المدمر شرق دير البلح.

وقال إن حالة نجله ازدادت سوءاً عقب استشهاد شقيقه الأصغر أسامة في غارة إسرائيلية خلال أغسطس/آب 2025 أثناء عمله على تأمين مساعدات إنسانية لدار أيتام، موضحاً أن محمد لم يستوعب وفاته، وكان يخرج مراراً بحثاً عنه وينادي باسمه معتقداً أنه لا يزال على قيد الحياة.

وأضاف أن العائلة فقدت بعد ذلك شقيقاً آخر هو مروان (20 عاماً)، الذي استشهد أثناء محاولته الحصول على الطحين خلال أزمة المجاعة التي شهدها قطاع غزة.

قيود إسرائيلية مشددة

أوضح التقرير أن العائلة بدأت، فور تلقيها نبأ استشهاد محمد، محاولات استعادة جثمانه، لكنها واجهت صعوبة كبيرة بسبب القيود المفروضة على المنطقة وقلة المعلومات المتوافرة.

وأفاد بأن جثمان محمد بقي في مكان مقتله تسعة أيام كاملة، قبل أن تقرر والدته التوجه بنفسها إلى المنطقة العسكرية بعد أن فقدت الأمل في نجاح محاولات استعادته.

وقال والده إنها كانت تحمل راية بيضاء وتتجه يومياً نحو “الخط الأصفر”، رغم تحذيرات الجيش الإسرائيلي، الذي أرسل إليها طائرة مسيرة رباعية المراوح، وأبلغها عبر مكبرات الصوت بضرورة العودة وإلا ستتعرض لإطلاق النار.

وأضاف أن زوجته رفضت العودة وأبلغت الجنود بأنها لن تغادر قبل إعادة جثمان ابنها، لكنها اضطرت في نهاية المطاف إلى الانسحاب بعدما أخفقت في العثور عليه.

وأشار التقرير إلى أنه بعد تسعة أيام من استشهاد محمد، سمح تنسيق مع جيش الاحتلال باستعادة الجثمان، حيث تمكنت العائلة أخيراً من دفنه.

وأضاف أن صوراً نشرها صحفيون محليون أظهرت والدة محمد وهي تحمل كيساً أسود يحتوي على رفات ابنها، التي تعرضت لتحلل شديد نتيجة بقائها عدة أيام في العراء.

واختتم التقرير بنقل شهادة والد محمد، الذي قال إن معاناة استعادة جثمان نجله كانت، بالنسبة إليه، أشد قسوة من لحظة تلقي خبر جريمة قتله، في قصة تعكس مأساة تتكرر مع عشرات العائلات الفلسطينية التي ما تزال عاجزة عن دفن أبنائها بسبب القيود العسكرية الإسرائيلية المفروضة على مناطق واسعة من قطاع غزة.

Share This Article