المسار : لا تتوقف الحفريات الإسرائيلية أسفل المسجد الأقصى المبارك وفي محيطه، بل تتسع رقعتها وتتعمق مساراتها، في محاولة لطمس الآثار العربية والإسلامية في مدينة القدس المحتلة واستبدالها بتاريخ مزيف، يخدم رواية الاحتلال وأهدافه السياسية والأيديولوجية.
الباحث المختص في شؤون القدس فخري أبو دياب يكشف لوكالة “صفا”، عن تسارع خطير في وتيرة الحفريات التي تجريها سلطات الاحتلال أسفل المسجد الأقصى وفي محيطه.
ويقول أبو دياب: إن الحفريات في محيط الأقصى اشتدت وتيرتها بشكل كبير في الآونة الأخيرة، لا سيما في منطقة القصور الأموية، ومدخل بلدة سلوان الشمالي وعند مدخل وادي حلوة.
ويوضح أن هذه الحفريات تُشرف عليها جمعيات استيطانية ذات أهداف وأيديولوجيا، تستهدف طمس التاريخ والآثار العربية الإسلامية واستبدالها بتاريخ وآثار مزيفة، إضافة إلى مؤسسات إسرائيلية تشكل أحد أذرع الاحتلال لتهويد القدس والأقصى.
اكتشافات أثرية
ووفقًا للباحث المقدسي، فإن هذه الحفريات تقوم بها مؤسسات غير مهنية وغير محايدة، تعمل على قنص أي تاريخ، ومحاولة إيجاد بعض الآثار وتدشينها لتحاكي روايات أو تتلاءم مع أساطير وأهداف الاحتلال.
ويؤكد أن هذه الحفريات لا تشارك فيها أي جهات حقوقية أو دولية، بما فيها منظمة “اليونسكو”، التي تُمنع من المشاركة فيها، فيما تنفرد مؤسسات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية بتنفيذها والإعلان عن اكتشافات أثرية، ثم نسبها إلى حقب أو أحداث تاريخية.
ويشير إلى أن الاحتلال أعلن مؤخرًا العثور على عوارض خشبية متفحمة في منطقة وادي حلوة ببلدة سلوان، وربطها بصورة مباشرة بما يسمى “تدمير الهيكل الأول”،
وبهذا الصدد، يوضح أبو دياب أنه لا توجد جهة مستقلة تتولى التحقق مما تعلنه “سلطة الآثار” الإسرائيلية والجمعيات الاستيطانية، كما لا توجد جهة تنفي هذه الروايات، في ظل تغييبها ومنعها من الوصول إلى مواقع الحفريات.
ولذلك، فإن “ما تعلنه هذه المؤسسات ليس بالضرورة حقيقيًا، وحتى إذا كان الاكتشاف بحد ذاته حقيقيًا، فإنه لا يعني بالضرورة أنه يعود إلى الفترة التاريخية التي تدعيها، أو أنه يحمل الدلالة التي تروّج لها المؤسسة الإسرائيلية”.
ويبين أن الاحتلال ادعى أن هذه العوارض الخشبية عمرها 2600 عام وأراد نسبها إلى فترة “الهيكل” المزعوم، للدلالة على وجود “الهيكل”، رغم عدم وجود ما يثبت ذلك، لأن القدس تعاقبت عليها كثير من الحضارات والأمم والحقب التاريخية.
لكن نسب هذه الآثار إلى “الهيكل”، وخاصة أنها، حسب زعمهم، اكتُشفت على بعد أمتار من جنوبي المسجد الأقصى، وتحديدًا في منطقة سلوان ووادي حلوة، يهدف إلى تعزيز الرواية التلمودية واليهودية حول وجود “الهيكل” وهدمه في المنطقة المستهدفة. وفق أبو دياب
ويتابع أن هذه الحفريات تترتب عليها آثار سلبية، تتمثل في طمس أجزاء من التاريخ، وربما إخفاء آثار تعود إلى حقب تاريخية مختلفة، مقابل إبراز حقبة معينة على حساب الروايات العربية والإسلامية المرتبطة بتاريخ القدس وهويتها وإرثها الحضاري.
ومن وجهة نظر أبو دياب فإن هذه الاكتشافات غالبًا ما يستخدمها الاحتلال للترويج لرواية معينة وتزييف التاريخ، من خلال تأويلها بما يتلاءم مع الرواية التلمودية والتوراتية.
وبالتالي، فإن غايات هذه الحفريات وأهدافها تتجاوز الجانب العلمي، لتأخذ طابعًا سياسيًا وأيديولوجيًا، عبر توظيف الآثار والاكتشافات في خدمة رواية محددة وإقصاء الروايات التاريخية الأخرى.
أهداف وتداعيات
وبحسب الباحث المقدسي، يوجد عند مدخل وادي حلوة مجمع من الأنفاق يبدأ من منطقة عين سلوان والمنطقة الجنوبية وصولًا إلى أسفل ساحة البراق والمسجد الأقصى، وتوجد فيه كثير من الحفريات.
ويؤكد أن الحفريات تتواصل بوتيرة متسارعة وغير مسبوقة في محيط الأقصى وأسفله، ويرافقها إقامة شبكة من المرافق والقاعات والمراكز التهويدية والأنفاق، بهدف سلخ المدينة المقدسة عن التاريخ العربي والإسلامي واستبداله بتاريخ مزيف ومزور، وإثبات أحقية وجودهم واحتلالهم لهذه المنطقة، وكأنها كانت منطقة ذات حضارة يهودية.
ويستغل الاحتلال ذلك في الترويج لهويته ولغسل أدمغة من يسمع عن هذه الاكتشافات، إضافة إلى الاستيلاء على الممتلكات والمنازل بالقدس من أجل تغيير هويتها والمشهد العام فيها.
ويحذر أبو دياب من تداعيات استمرار الحفريات على المسجد الأقصى والمناطق المحيطة به، لما يتخللها من انهيارات وتشققات والتصدعات في جدران وأبنية المسجد، والمنازل المحيطة، ما يشكل خطورة على البنية التحتية والمباني، وخاصة المباني التاريخية في المنطقة.
ونتيجة استمرار هذه الحفريات، وما يرافقها من سحب الأتربة والصخور من أسفل المباني، تتعرض الأبنية التاريخية لخطر كبير قد يصل إلى حد الانهيار. وبالتالي، فإن مخاطر هذه الحفريات لا تقتصر على المباني فحسب، بل تطال الإنسان والتاريخ والمعالم، وتهدد حضارة القدس وإرثها الممتد تحت الأرض وفوقها.
ويؤكد أبو دياب أن هذه الحفريات تأتي في ظل عدم وجود رقابة من المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية والمؤسسات المعنية بالحفاظ على الإرث التاريخي والحضاري لمدينة القدس.
ورغم أن القدس، بحسب تصنيف منظمة “اليونسكو”، مدينة ذات قيمة تاريخية وثقافية، ولا يجوز العبث بتراثها وتاريخها، فإن ما يجري فيها، وفقًا للباحث أبو دياب، يتمثل في طمس أجزاء من هذا التاريخ، والإبقاء على حقبة محددة وإبرازها باعتبارها حضارة وجزءًا من تاريخ المدينة، على حساب التاريخ العربي والإسلامي فيها.

