بقلم “وسام زغبر ” غزة تدفن أبناءها بعد أكثر من ألف يوم… والعالم يدفن ضميره

المسار :لم تعد المأساة في غزة تُقاس بعدد الشهداء، بل بعدد الأيام التي ظل فيها الشهداء ينتظرون أن يُنتشلوا من تحت الركام. أكثر من ألف يوم مرت، ولم تكن خلالها الجثامين مجرد أجساد غيّبها الدمار، بل كانت شاهدة على عجز الإنسانية، وصمت العالم، وانهيار المنظومة الأخلاقية التي طالما تغنى بها المجتمع الدولي.

 

في غزة، لم يكن الموت خاتمة الألم، بل بدايته. فهناك عائلات لم يُكتب لها أن تبكي أبناءها حين استشهدوا، ولم تتمكن من احتضانهم للمرة الأخيرة، ولم تجد قبورًا تزورها أو شواهد تحمل أسماءهم. انتظرت ثلاثة أعوام كاملة، حتى أعادت إليها الأنقاض ما بقي من رفات أحبّتها.

 

اليوم، تُشيّع غزة 112 شهيدًا من عائلتي «أبو شريعة» و«الحساينة»، بعد أن بقيت جثامينهم حبيسة الركام لأكثر من ألف يوم. لم يكن الزمن كافيًا لشفاء الجراح، بل كان شاهدًا على استمرارها. وكل يوم مرّ فوق تلك الأنقاض كان يضيف فصلًا جديدًا إلى مأساة لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلًا.

 

أي حضارة هذه التي تسمح بأن تبقى جثامين الأطفال والنساء والضحايا مدفونة تحت الإسمنت والحجارة لسنوات؟ وأي قانون دولي هذا الذي يعجز حتى عن حماية حرمة الموتى، بينما يواصل الحديث عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية؟

 

لقد تجاوزت غزة مرحلة البحث عن العدالة، وأصبحت تبحث عن الحد الأدنى من الكرامة: أن يُنتشل الشهيد من تحت الركام، وأن يُعرف اسمه، وأن يُدفن في قبر يحمل شاهدة، بدل أن يبقى رقمًا في قوائم المفقودين.

 

إن الجريمة لا تكمن فقط في استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتين، بينهم عشرات الأطفال والنساء وذوو الإعاقة، بل في أن يبقى الناجون أسرى الانتظار ثلاثة أعوام، يفتشون بين الأنقاض عن عظمة، أو قطعة قماش، أو أثر يدل على من أحبوا. إنها معاناة لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تبدأ بعده، وتستمر ما دام الركام يخفي أصحابه.

 

والأشد مرارة أن العالم اعتاد هذه المشاهد. أصبحت الجنائز الجماعية تمر أمام الشاشات بلا صدمة، وصارت صور الأمهات الثكالى والأطفال الشهداء تفقد قدرتها على تحريك الضمير العالمي. هكذا يُقتل الضحايا مرتين: مرة بالقصف، ومرة بالنسيان.

 

وأين العالم العربي؟ أين الملايين التي كانت تهتز لوجع فلسطين؟ كيف يمكن لأمةٍ كاملة أن تشاهد شعبًا ينتشل أبناءه بعد أكثر من ألف يوم، ثم تمضي حياتها وكأن شيئًا لم يكن؟ إن الصمت، حين يبلغ هذا الحد، لا يعود حيادًا، بل يتحول إلى شراكة أخلاقية في استمرار المأساة.

 

قد ينجح الركام في إخفاء الجثامين لسنوات، لكنه لن يدفن الحقيقة. وقد يطول انتظار العدالة، لكنه لن يمحو ذاكرة الضحايا. فكل رفات يُنتشل اليوم هو وثيقة إدانة، وكل جنازة هي شهادة جديدة على مأساة لن يستطيع الزمن طمسها، ولن تتمكن السياسة من تبريرها.

 

غزة لا تودّع رفات شهدائها فقط، بل تودّع آخر أوهامها بأن هذا العالم ما زال قادرًا على الانتصار للإنسان. أما التاريخ، فسيسجل أن شعبًا انتظر أكثر من ألف يوم ليمنح أبناءه حقًا بسيطًا لا يحتاج إلى قرارات دولية ولا مؤتمرات ولا بيانات إدانة: أن يُدفنوا بكرامة.

Share This Article