كتب عبد الرحمن حسن غانم : وحدوية الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين: من البرنامج المرحلي إلى مواجهة حرب الإبادة على غزة

المسار : شكلت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، منذ انطلاقتها عام 1969، أحد أبرز مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية، وارتبط حضورها السياسي بمحاولة الجمع بين التمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية والدعوة المستمرة إلى وحدة الصف الفلسطيني. وقد تجلت هذه الرؤية في مختلف المحطات التاريخية، بدءًا من طرحها البرنامج المرحلي، مرورًا بمواقفها من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ودورها خلال الانتفاضة الأولى، ومشاركتها في جهود إنهاء الانقسام، وصولًا إلى موقفها من حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة.

البرنامج المرحلي وبناء الوحدة الوطنية

كان البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 محطة مفصلية في تطور الفكر السياسي الفلسطيني. ورغم ما أثاره من نقاشات واختلافات داخل الفصائل الفلسطينية، فقد دعمت الجبهة الديمقراطية البرنامج باعتباره صيغة سياسية تتيح تحقيق إنجازات وطنية مرحلية دون التخلي عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. ورأت أن إقامة سلطة وطنية على أي جزء يتم تحريره من الأرض الفلسطينية يمكن أن تكون خطوة على طريق استكمال المشروع الوطني، وليس بديلاً عنه.

وفي هذا السياق، سعت الجبهة إلى ترسيخ مفهوم الشراكة الوطنية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، ودعت إلى إدارة الخلافات السياسية داخل المؤسسات الوطنية بعيدًا عن الانقسامات التي تضعف القضية الفلسطينية.

المجلس الوطني الفلسطيني في الأردن: المشاركة رغم الاعتراض

مثّل انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في الأردن إحدى المحطات التي أبرزت منهج الجبهة الديمقراطية في التعامل مع الخلافات الداخلية. فعلى الرغم من إعلانها اعتراضها على ظروف وآليات انعقاد المجلس، وما اعتبرته نقصًا في التوافق الوطني المطلوب، فإنها لم تتجه إلى المقاطعة، بل شاركت في أعمال المجلس انطلاقًا من قناعتها بأن الحفاظ على وحدة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية يتقدم على الخلافات السياسية.

وقد عكست هذه المشاركة رؤية ثابتة لدى الجبهة تقوم على أن الإصلاح يتم من داخل المؤسسات الوطنية، وأن تركها أو مقاطعتها قد يؤدي إلى تعميق الانقسام وإضعاف التمثيل الوطني الفلسطيني.

الانتفاضة الأولى وتجسيد القيادة الوطنية الموحدة

خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، لعبت الجبهة الديمقراطية دورًا فاعلًا ضمن إطار القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، وأسهمت في صياغة العديد من البيانات والبرامج الميدانية التي نظمت العمل الشعبي والجماهيري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ورأت الجبهة أن الانتفاضة تمثل نموذجًا للوحدة الوطنية في الميدان، حيث شاركت مختلف القوى والفصائل في قيادة النضال الشعبي، بعيدًا عن الانفراد أو الإقصاء. لذلك دعت باستمرار إلى الحفاظ على وحدة القيادة السياسية والميدانية باعتبارها أحد أهم عوامل نجاح الانتفاضة واستمرارها.

إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية

منذ الانقسام الفلسطيني عام 2007، اتخذت الجبهة الديمقراطية موقفًا ثابتًا يدعو إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس الشراكة السياسية والديمقراطية. وشاركت في مختلف الحوارات الوطنية التي عقدت في القاهرة، ودمشق، وبيروت، والجزائر وغيرها، مؤكدة أن استمرار الانقسام يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني.

ودعت الجبهة إلى إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني من خلال انتخابات شاملة للمجلس الوطني والمجلس التشريعي والرئاسة، وإعادة توحيد مؤسسات السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير على أسس ديمقراطية، بما يضمن مشاركة جميع القوى السياسية في صناعة القرار الوطني.

موقفها من حرب الإبادة على قطاع غزة

مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، اعتبرت الجبهة الديمقراطية أن ما يجري يمثل حرب إبادة تستهدف الشعب الفلسطيني ومقومات وجوده.

وأكدت في بياناتها ومواقفها السياسية أن مواجهة هذه الحرب تتطلب استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وتشكيل قيادة وطنية موحدة تقود المرحلة، وتوحد الجهود السياسية والميدانية والدبلوماسية، بما يعزز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان.

كما شددت على أهمية تفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والعمل على تنفيذ مخرجات الحوارات الوطنية السابقة، بما يضمن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية، باعتبار الوحدة الداخلية شرطًا أساسيًا لتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال والدفاع عن حقوقه الوطنية.

خاتمة

على امتداد أكثر من خمسة عقود، حافظت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين على خطاب سياسي يربط بين النضال الوطني والوحدة الداخلية. فمن تقديمها للبرنامج المرحلي، إلى مشاركتها في مؤسسات منظمة التحرير رغم اعتراضها على بعض آليات عملها، مرورًا بدورها في الانتفاضة الأولى، ومساهمتها في جهود إنهاء الانقسام، وصولًا إلى دعوتها للوحدة الوطنية في مواجهة الحرب المستمرة على قطاع غزة، بقيت تؤكد أن قوة المشروع الوطني الفلسطيني ترتبط بوحدة قواه السياسية، وبالاحتكام إلى الحوار والشراكة والديمقراطية في إدارة الاختلافات، بما يعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواصلة نضاله من أجل الحرية والاستقلال.

الكاتب والباحث

عبد الرحمن حسن غانم

6/8/2026

Share This Article