عرابة في مرمى الاستيطان.. أوامر اقتلاع ومصادرة تهدد الأرض ومصادر رزق الأهالي

المسار : تتسارع الأيادي في مزرعة الشاعر للعنب بسهل عرابة جنوب جنين، وتتحرك بين العناقيد قبل أن يحين موعد القطاف بأسبوعين؛ لا لتحصيل سعر أعلى للمنتج في السوق، بل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المزرعة قبل تنفيذ الأمر العسكري الإسرائيلي القاضي بالاقتلاع والإزالة.

العمال داخل المزرعة يقطفون الثمار على عجل، فيما يجري تفكيك معرشات العنب وشبكات الري، وإخراج ما يمكن إنقاذه من المزرعة، فلا أحد ينتظر اكتمال الموسم هذه المرة؛ فالأمر العسكري الإسرائيلي الذي يستهدف الأشجار والنباتات جعل الوقت في مواجهة الجرافة.

ويقول صاحب المزرعة حازم الشاعر إنه كان يفترض أن يبدأ موسم القطاف بعد نحو أسبوعين، لكن اضطررنا إلى قطف العنب قبل أوانه، حتى نتمكن من تعويض خسارة الموسم كاملة.

وفي المزرعة المقامة على سبعة دونمات، والتي أنفقت عليها العائلة قرابة 700 ألف شيقل، كان يفترض أن يكون هذا الوقت من العام موعدًا للحصاد، لا لتفكيك مشروع زراعي عمره 14 عامًا، وفق ما يؤكد الشاعر.

ويؤكد الشاعر أن المزرعة كانت تنتج في السنوات السابقة قرابة عشرة أطنان من العنب، لكن هذا العام لم يتمكن أصحابها، بعد القطاف المبكر، من الحصول إلا على نحو طنّين فقط.

ويقول الشاعر: “الثمار صغيرة وغير ناضجة جيدًا، والإنتاج تراجع بنسبة 80%”، ثم يختصر ما يحدث بكلمتين: خراب بيت ودمار.

وليست مزرعة الشاعر وحدها التي دخلت في سباق مع الوقت، ففي أراضي عرابة ويعبد وعنزا وعجة ومركة، تتقاطع أوامر إزالة الأشجار والنباتات مع قرارات الاستيلاء على الأراضي، وإغلاق مساحات زراعية أمام أصحابها، والتوسع في المستوطنات والمواقع العسكرية، في مشهد يراه أصحاب الأراضي جزءًا من ضغط متواصل على الأرض ومصادر رزقهم.

ويوم الجمعة الماضية، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة أوامر عسكرية جديدة استهدفت أراضي عدد من بلدات محافظة جنين، شملت أوامر باقتلاع أشجار ونباتات عن 310.868 دونمًا، إلى جانب الاستيلاء على أراضٍ في بلدة مركة بمساحة 3.536 دونمًا.

ولا يحاول العمال إنقاذ المحصول وحده داخل المزرعة، بل يفككون الحديد وشبكات الري، ويحاولون إخراج ما يمكن استخدامه في مكان آخر، أما الأشجار التي يزيد عمرها على 14 عامًا نفسها فلا يمكن نقلها، وفق ما يؤكد الشاعر.

ويضيف بحسرة: “كل شجرة لها حكاية وذكريات. المشروع لم يكن مجرد مزرعة، فإنتاجه كان مصدر دخل لخمس عائلات، بينها عائلتي وعائلة والدي وإخوتي. كنا ننتظر الموسم بفارغ الصبر، وعائد المزرعة كان يشكل مصدر دخل مهمًا للعائلة، خاصة في ظل انقطاع الرواتب والظروف الاقتصادية الصعبة”.

ويقول إن الأشجار تقع في منطقة منخفضة عن الشارع الرئيسي، ولا تشكل خطرًا أمنيًا وفق ادعاء الاحتلال.

وبينما كان عمال مزرعة الشاعر يسابقون الوقت لإنقاذ العنب، كان محمد أبو معلا يستعد في مركة لدورة إنتاج جديدة في البركس المقام منذ سبع سنوات، حيث فُرشت النشارة في البركس المغلق تمهيدًا لإدخال دورة جديدة من الدجاج اللاحم، قبل أن يتفاجأ بقرار الاحتلال الاستيلاء على مساحة 3.536 دونمًا من أراضي مركة، وبينها الأرض التي أقام عليها منشأته.

ويقول أبو معلا إن عاملًا كان في البركس تفاجأ باقتحام طواقم الإدارة المدنية الإسرائيلية للموقع، ومطالبته بالخروج، قبل أن يُعلّق إخطار الاستيلاء على المنشأة.

ويشير إلى أن البركس المغلق تبلغ مساحته نحو 700 متر مربع، ومقام على أرض تبلغ مساحتها دونمين، وتجاوزت كلفة إنشائه وتجهيزه مليون شيقل، وهو مصدر إعالة له ولإخوته، وتقع المنشأة في المنطقة المصنفة “أ” وفق اتفاقية أوسلو، وحاصلة على تراخيص بناء من مجلس قروي مركة.

ولكن المقلق، وفق أبو معلا، أن المساحة التي يريد الاحتلال الاستيلاء عليها تتجاوز ما أعلنه في الأمر العسكري، بعدما أبلغ الاحتلال أصحاب أراضٍ مجاورة بإجراءات الاستيلاء، بينهم من يملك دونمين، وآخر دونمًا، وثالث ثلاثة دونمات.

ولا يوجد في المنطقة المصادرة تواجد للمستوطنات أو نقطة مراقبة عسكرية كما قد يوحي الإجراء، لكن أبو معلا يقول إن قوات الاحتلال أبلغتهم بأنه سيتم إقامة نقطة مراقبة في المنطقة ومنع أصحاب الأراضي من الدخول إليها.

ويقول أبو معلا إن محاميًا من الداخل أبلغه بأن الاحتلال قد يبدأ العمل في المنطقة بعد نحو 60 يومًا، فيما يتوجب على أصحاب الأرض، وفق الإخطار، إخلاؤها خلال سبعة أيام.

ومنذ تسلمه الإخطار، يقول أبو معلا، لم يجد أمامه إلا طريق الاعتراض القانوني، وتواصل مع محامٍ طلب 80 ألف شيقل للاعتراض على القرار، فيما طلب آخر 120 ألف شيقل.

ويقول إن العائلة لم تتلقَّ، منذ تسلم الإخطار، أي مساعدة فعلية في التعامل مع القرار.

المفارقة بالنسبة إليه أن المشروع الذي كلف أكثر من مليون شيقل، وكان على وشك استقبال دورة جديدة من الدجاج، أصبح بحاجة إلى عشرات آلاف الشواقل فقط لمحاولة الاعتراض على قرار الاستيلاء.

وفي سهل عرابة، لا تقاس الخسارة بالنسبة إلى أحمد زكي العريدي بمساحة الأرض وحدها، فهناك، في الأرض التي ورثتها العائلة عن أجدادها، يرى تاريخًا اقتصاديًا واجتماعيًا يمتد عبر أجيال.

ويشير إلى أن أصحاب الأراضي علموا بقرار الاحتلال قبل نحو ثلاثة أيام من خلال ما نشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى إبلاغ بلدية عرابة والجهات المختصة.

وباشرت البلدية ليلة الجمعة بجمع الأوراق الثبوتية وسندات التسجيل والوثائق المتعلقة بالأراضي، تمهيدًا لمتابعة الإجراءات القانونية المتاحة للاعتراض.

ويقول العريدي إن الأراضي المستهدفة تقع في سهل عرابة، وتبعد نحو 50 مترًا عن مستوطنة عيمك دوتان، وأن الأمر العسكري يتضمن إمكانية تقديم اعتراض وإجراء جولة ميدانية، والتوجه إلى المستشار القانوني، أو ما يسمى بالارتباط الإسرائيلي.

لكن المفارقة التي يراها واضحة: الجهة العسكرية هي التي تصدر القرار، بينما يُطلب من صاحب الأرض أن يعترض أمام منظومة الاحتلال القانونية.

ويقول: “جيش الاحتلال يصادر، وتوضع للاحتجاج عند المستشار القضائي، يعني كالعبارة المشهورة والمثل الشعبي الذي يقول: إن الكلب لا يعض ذيله”.

ويرى أن الهدف يتجاوز إزالة الأشجار إلى السيطرة على الأرض نفسها.

ويقول إن الأرض زُرعت منذ مئات السنين، وعمل فيها أجداده، محذرًا من أن إزالة الأشجار تعني عمليًا فقدان القدرة على الاستفادة منها، منوهًا إلى أن قطعة الأرض التي تعود له تبلغ نحو 15 دونمًا، وتنتج قرابة 150 تنكة زيت سنويًا.

وهناك أراضٍ موروثة لأبناء عمومته، الشافي حسين سليمان العريدي، وطاهر حسين سليمان العريدي، ومصطفى حسين سليمان العريدي، بواقع نحو 15 دونمًا لكل منهم، ليصل مجموع الأراضي الموروثة في هذه المنطقة إلى قرابة 60 دونمًا، جميعها مزروعة بأشجار الزيتون.

ويقدر العريدي الخسارة الاقتصادية السنوية للعائلة نتيجة فقدان الاستثمار والإنتاج بنحو 7500 دينار أردني، وقد تصل إلى 9000 دينار.

لكن الخسارة، بالنسبة إليه، لا تتوقف عند هذا الرقم، فالأشجار التي زرعها الأجداد لم تكن محصولًا موسميًا، وإنما استثمارًا تراكم عبر أجيال.

ويضيف أن الأرض التي اعتمد عليها أجداده شكلت أساسًا لشراء أراضٍ أخرى في سهل عرابة، إذ كانوا يستثمرون إنتاجها ثم يعيدون استثمار العائدات في الأرض والمشاريع.

كما يربط بين العمل الزراعي وبين إقامة مشاريع أخرى للعائلة، بينها معصرة الزيتون وبابور الطحين وشراء أحد قصور عبد الهادي في عرابة.

ويقول إن الأراضي المستهدفة موروثة لما يقارب 50 شخصًا من أفراد العائلة، وبالتالي، فإن القرار لا يطال فردًا واحدًا أو عائلة واحدة، بل يهدد مصدر دخل عشرات الورثة.

ويضيف: “نحن من منتجي الزيت، سنصبح نشتري الزيت ونشتري الزيتون”.

وما يرويه الشاعر وأبو معلا والعريدي، بالنسبة إلى رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة، يأتي ضمن صورة أكبر تعيشها البلدة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويقول العارضة إن مستوطنة “دوتان”، المقامة منذ عام 1984 على أراضي البلدة الغربية، تتوسع “بطريقة غير معقولة”، وإن نحو 1500 دونم مزروعة بالزيتون تحيط بها أصبحت محرمة على الأهالي منذ حرب غزة، كما يمنع مربو الأغنام من الوصول إلى الأراضي الرعوية.

وفي شمال عرابة، يقول إن الاحتلال افتتح مستوطنة “عيمك دوتان” التي استوطنت فيها 22 عائلة، ويجري العمل على إقامة مدرسة دينية فيها، بعد الاستيلاء على قرابة 230 دونمًا لهذا الغرض.

ويقول إن المنطقة المحيطة بالمستوطنة الجديدة منطقة حيوية مزروعة بأشجار الزيتون، وإن الاحتلال أغلق بالسواتر الترابية ما مجموعه قرابة 1400 دونم، ومنع المزارعين من الوصول إليها.

ويشير كذلك إلى اعتداءات يومية من المستوطنين على سهل عرابة، كون المستوطنة الجديدة، بحسبه، تطل على السهل، أما مستوطنة دوتان، فيقول العارضة إن الأراضي التي تم الاستيلاء عليها لصالحها تبلغ نحو 749 دونمًا.

وبذلك، لا يرى رئيس البلدية ما يحدث على أنه مجرد توسع في مستوطنة أو إقامة موقع منفرد، وإنما سلسلة إجراءات تضيق المجال الزراعي والعمراني حول البلدة.

ويقول إن عرابة محاصرة بالاستيطان من جهاتها الثلاث، محذرًا من أن استمرار الأطماع الاستيطانية في المنطقة الجنوبية، باتجاه فحمة، قد يجعلها محاصرة من جميع الاتجاهات.

وفي يوم الجمعة الماضي، تلقت البلدة، وفق العارضة، إخطارات بإزالة الأشجار والغطاء النباتي عن مساحة تبلغ 223 دونمًا، تمتد المناطق المستهدفة من كفيرت إلى محطة عرابة، وصولًا إلى الزاوية وعنزة، ونشر الاحتلال الخرائط التي تحدد المناطق المستهدفة.

ويقول العارضة إن الإخطارات تستهدف الأشجار الممتدة على طول الشارع الرئيسي بعمق يتراوح بين 50 و100 متر.

ويقول العارضة إن المستوطنين، بحماية الجيش، يريدون تحويل البلدات والقرى الفلسطينية إلى مخيمات، بعد أن تفقد سهلها وجبلها ومناطقها الزراعية والحيوية ومساحة امتدادها العمراني والزراعي، إضافة إلى التضييق على أرزاق الناس، والحصار المالي، ومنع العمال من العمل داخل أراضي عام 1948، وكلها عوامل تصب في اتجاه واحد: التهجير، طوعيًا أو عنوة.

وإلى جانب مصادرة الأراضي وإزالة الأشجار، تواجه عرابة ملف الهدم، فقد نفذ الاحتلال 12 عملية هدم منذ بداية العام وسلم 60 إخطار هدم آخر لمنازل ومنشآت، واقعة ضمن المنطقة المصنفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، والتي تشكل مساحة 37 ألف دونم من أراضي البلدة البالغة 57 ألف دونم، وفق ما يوضح العارضة.

ويشير إلى أن البلدية عملت على تجهيز اعتراضات بالتعاون مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لرفع قضايا أمام المحاكم الإسرائيلية، في محاولة لوقف عمليات الهدم والاقتلاع.

لكن تجربة الأهالي مع المدد الزمنية للاعتراض تجعل هامش الحركة ضيقًا.

ويشير العارضة إلى أن عمليات الهدم الأخيرة التي استهدفت عمارة جهاد الموسى لم يكن فيها قرار نهائي بالهدم، فيما كانت مدد الاعتراض على بعض الإخطارات 48 ساعة، وعلى أخرى سبعة أيام.

ورغم ذلك، يقول إن البلدية تواصل تقديم الاعتراضات، ونسجل الاعتراض كموقف سياسي رافض لعمليات الهدم والمصادرة، وذلك أضعف الإيمان.

وبحسب التقرير النصف سنوي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أصدرت سلطات الاحتلال منذ مطلع عام 2026 ما مجموعه 49 أمرًا عسكريًا تحت مسمى “أوامر اتخاذ وسائل أمنية”، استهدفت، وفق البيانات المرصودة، 2,093.327 دونمًا من أراضي المواطنين الفلسطينيين.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بالعام السابق، فخلال عام 2025، أصدرت سلطات الاحتلال 47 أمرًا من النوع نفسه، استهدفت مساحة بلغت نحو 1,613 دونمًا، أي أن الاحتلال، خلال الأشهر الستة الأولى فقط من عام 2026، تجاوز عدد الأوامر التي أصدرها طوال عام 2025، فيما زادت المساحة المستهدفة بنحو 480 دونمًا، أي قرابة 30%، وفق الهيئة.

وتكمن خصوصية هذه الأوامر في أنها لا تنزع ملكية الأرض، من الناحية الشكلية، ولا تنقل تسجيلها من أصحابها الفلسطينيين، لكنها، بحسب معطيات الهيئة، تفرض قيودًا مادية وقانونية واسعة على استخدامها والانتفاع بها.

وتكشف معطيات الهيئة أن القسم الأكبر من هذه الأوامر يتركز على طول الطرق التي يستخدمها المستوطنون، وفي محيط المستوطنات والمواقع المرتبطة بجدار الضم والتوسع، كما هو الحال في الأوامر العسكرية الأخيرة التي استهدفت منطقة قرى وبلدات جنوب جنين.

Share This Article