«الخط الأصفر» يبتلع أراضي غزة الزراعية.. أكثر من 70% من حقول الخضراوات خارج الإنتاج

المسار : – لا يقتصر تأثير توسع المناطق المحظورة الوصول إليها في قطاع غزة على تغيير الواقع الجغرافي، بل يمتد إلى لقمة عيش السكان، بعدما باتت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية خارج دائرة الإنتاج، ما يهدد بتراجع أكبر في الإمدادات الغذائية وارتفاع أسعار الخضراوات في الأسواق.

وتتركز نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية في المناطق الشرقية من القطاع، وهي مناطق شكلت لسنوات مصدراً رئيسياً للخضراوات والمحاصيل التي تغذي الأسواق المحلية. إلا أن القيود المفروضة على الوصول إلى هذه المناطق دفعت آلاف المزارعين إلى فقدان القدرة على حراثة أراضيهم وريّها وزراعتها وحصاد محاصيلها.

وبحسب معطيات وزارة الزراعة في غزة، بلغت مساحة الأراضي المخصصة لزراعة الخضراوات قبل الحرب نحو 66 ألف دونم، فيما تراجعت المساحة المتاحة حالياً إلى نحو 19 ألف دونم فقط.

ويعني ذلك خروج ما يقارب 47 ألف دونم، أي أكثر من 70% من المساحات المزروعة بالخضراوات، من دائرة الإنتاج، في خسارة تضرب قدرة القطاع على توفير احتياجات سكانه الغذائية.

من الاكتفاء الذاتي إلى نقص حاد

قبل الحرب، كان قطاع غزة يحقق اكتفاءً ذاتياً وصل إلى 100% في 34 صنفاً من الخضراوات، بينما تراجعت نسبة الاكتفاء بعد الحرب إلى مستويات متدنية للغاية، لا تتجاوز في أفضل الحالات 10%، وفي نحو 12 صنفاً فقط.

وينعكس هذا التراجع مباشرة على الأسعار، إذ كان كيلو البندورة في مثل هذه الفترة من العام قبل الحرب يتراوح بين شيكل وشيكلين، بينما وصل حالياً إلى ما بين 7 و10 شواكل، أي بأكثر من خمسة أضعاف سعره السابق.

وتأتي هذه الارتفاعات في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات غير مسبوقة، مع فقدان شريحة واسعة من السكان مصادر دخلها واعتماد أعداد كبيرة منهم على المساعدات الإنسانية.

ارتفاع كلفة الزراعة ثلاثة أضعاف

ولا تقتصر الأزمة على فقدان الأراضي، إذ يعاني المزارعون أيضاً من نقص حاد في الأسمدة والمبيدات ومختلف مستلزمات الإنتاج الزراعي، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها بصورة كبيرة.

وتشير المعطيات إلى أن تكلفة زراعة الدونم الواحد أصبحت تتجاوز ثلاثة أضعاف تكلفتها قبل الحرب، في وقت استُهلكت فيه المخزونات المتوفرة من مستلزمات الزراعة خلال سنوات الحرب.

ودفعت هذه الظروف عدداً متزايداً من المزارعين إلى العزوف عن الزراعة، الأمر الذي يهدد بمزيد من الانخفاض في الإنتاج المحلي، ويضعف قدرة القطاع الزراعي على استعادة دوره في تأمين الغذاء وفرص العمل.

أرض أمام المزارع.. لكن الوصول إليها مستحيل

المزارع محمد مقاط، من المناطق الشرقية لمدينة غزة، يقول إن أرضه كانت مصدر رزقه الأساسي قبل الحرب، وكان يتوجه إليها يومياً لزراعتها وري محاصيلها والعناية بأشجارها وحصاد إنتاجها.

أما اليوم، فأصبحت الأرض خارج قدرته على الوصول إليها، ما حرمه من مصدر دخله ومن المحاصيل التي كانت توفر احتياجات أسرته، إضافة إلى خسارته المعدات الزراعية التي تركها خلفه.

ويواجه المزارع سعيد طعيمة، من شرق القطاع، واقعاً مشابهاً، إذ يقول إن أرضه ما زالت موجودة أمام عينيه، لكنه غير قادر على زراعتها أو استثمارها.

ويحذر من أن استمرار ترك الأراضي من دون زراعة أو رعاية سيؤدي إلى مزيد من تراجع خصوبتها، خصوصاً في ظل صعوبة توفير المياه وارتفاع تكلفة مستلزمات الإنتاج.

ضربة مباشرة للسلة الغذائية في غزة

ومع خروج آلاف الدونمات من الإنتاج، تتسع الفجوة بين احتياجات السكان وما يستطيع القطاع الزراعي توفيره محلياً، ما يزيد الاعتماد على المساعدات والسلع التي تدخل عبر المعابر.

وتشير أحدث بيانات الأمن الغذائي إلى أن أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 59% من سكان غزة، واجهوا مستويات أزمة غذائية بين منتصف إبريل/نيسان ونهاية يونيو/حزيران 2026.

وتتوقع البيانات ارتفاع العدد إلى أكثر من 1.4 مليون شخص، بما يعادل نحو 67% من السكان، خلال الفترة الممتدة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول 2026.

وبذلك، لا تبدو أزمة الأراضي الزراعية منفصلة عن أزمة الغذاء، إذ إن كل مساحة تخرج من الإنتاج تعني انخفاضاً إضافياً في المعروض المحلي، وارتفاعاً محتملاً في الأسعار، وتراجعاً أكبر في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء الطازج.

وفي ظل استمرار القيود على الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي وارتفاع تكاليف الزراعة ونقص مستلزمات الإنتاج، تواجه الزراعة في غزة واحدة من أكبر أزمات تاريخها، بينما تتقلص تدريجياً قدرة القطاع على إنتاج غذائه بنفسه.

Share This Article