المسار : من جبال جماعين، جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، يُستخرج الحجر الذي تُبنى به البيوت، ومن سفوحها تمتد أشجار الزيتون شاهدة على ارتباط الأهالي بأرضهم. لكن البلدة الوادعة تجد نفسها اليوم أمام واقع يتغير من حولها؛ بؤر استيطانية تتقدم، وطرق تُشق وأخرى تُغلق، وأراضٍ زراعية مهددة، واقتصاد محلي يواجه كلفة متصاعدة للبقاء.
على أطراف جماعين، قد لا تبدو الحكاية للوهلة الأولى مختلفة عن كثير من قرى وبلدات جنوب نابلس؛ محاجر مفتوحة في الجبال، ومصانع تقطع الحجر وتصقله، وشاحنات تنتظر دورها لنقل الإنتاج إلى الأسواق، فيما تتوزع أشجار الزيتون على السفوح والحقول. لكن خلف هذا المشهد، تتشكل خريطة أخرى على وقع اعتداءات المستوطنين والمخططات الاستيطانية.
ويتحدث رئيس مجلس قروي جماعين، معن ياسين حج علي، عن تفاصيل ما تتعرض له البلدة، مؤكدًا أن جماعين تواجه منذ سنوات ضغوطًا متصاعدة بفعل اعتداءات المستوطنين والإغلاقات ومحاولات التوسع على حساب أراضيها.
ويشير حج علي في حديثه له إلى أن الخطر لم يعد يقتصر على اعتداءات عابرة، بل بات يأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا من خلال إقامة البؤر الاستيطانية وشق الطرق في محيط الأراضي الفلسطينية.
وبحسب حج علي، فإن ما يجري حول جماعين يمس مختلف قطاعات الحياة في البلدة؛ من المزارع الذي يخشى على أرضه وأشجار الزيتون، إلى صاحب المحجر الذي يواجه صعوبات في نقل إنتاجه، وصولًا إلى العامل وسائق الشاحنة اللذين يرتبط دخلهما مباشرة بحركة الاقتصاد المحلي.
الحجر.. عصب الاقتصاد المحلي
تشتهر جماعين بصناعة الحجر والمحاجر، التي تشكل أحد أهم مصادر العمل والدخل فيها. ولا تقتصر أهمية هذا القطاع على أصحاب المحاجر والمصانع، بل تمتد إلى العمال وسائقي الشاحنات والورش وموردي المعدات ومختلف القطاعات المرتبطة بحركة الإنتاج والنقل.
ووفق تقارير اقتصادية وشهادات من العاملين في صناعة الحجر، تلقى القطاع ضربة قوية مع استمرار إغلاق المدخل الرئيسي للبلدة والقيود المفروضة على الحركة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويشير حج علي إلى أن إغلاق الطرق لا يمثل مشكلة تنقل بالنسبة للسكان فحسب، بل يترك آثارًا مباشرة على اقتصاد جماعين، ولا سيما قطاع الحجر الذي يعتمد بصورة أساسية على حركة الشاحنات ونقل المواد الخام والمنتجات إلى الأسواق.
وبحسب بيانات منشورة عن القطاع، كانت نحو 130 منشأة تعمل في صناعة الحجر مرتبطة بشبكة الكهرباء الصناعية في جماعين، فيما تحدث عاملون في القطاع عن تراجع ساعات التشغيل والإنتاج نتيجة صعوبة الحركة والإغلاقات.
داخل أحد محاجر جماعين، تبدو العلاقة بين الطريق والحجر أكثر وضوحًا، وفق ما يقول صاحب أحد المحاجر، مؤكدًا أن المشكلة لم تعد في وجود الحجر أو القدرة على استخراجه، وإنما في القدرة على نقله وتسويقه في ظل صعوبة الحركة.
ويشرح أن صناعة الحجر تقوم على سلسلة مترابطة تبدأ من المحجر، ثم تنتقل إلى المصنع، ومنه إلى الشاحنة فالسوق، وأي خلل في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على جميع أطرافها.
ويشير إلى أن اضطرار الشاحنات إلى استخدام طرق أطول يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، كما يؤخر وصول الطلبيات ويزيد الأعباء على أصحاب المحاجر والمصانع.
ويقول إن استمرار هذه الظروف يعني ساعات عمل أقل، وطلبيات أقل، ودخلًا أقل للعمال الذين يعتمدون على هذا القطاع.
وبالنسبة لصاحب المحجر، فإن الحجر الذي تشتهر به جماعين بات يواجه مشكلة لا تتعلق بالجبل وحده، وإنما بالطريق الذي يفترض أن ينقل إنتاجه إلى الأسواق.
بؤر استيطانية تعيد رسم المشهد
لكن الضغوط التي تواجهها جماعين لا تتوقف عند حدود الاقتصاد، وفق حج علي، الذي يقول إن البلدة تشهد تحولًا متسارعًا في محيطها، مع ظهور بؤر استيطانية جديدة تقترب من أراضيها الزراعية وتعيد رسم المشهد الجغرافي للمنطقة.
ويشير حج علي إلى أن هذا المسار بدأ يأخذ شكلًا أكثر وضوحًا منذ 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عندما أقدم مستوطنون على نصب خيام في أراضي جماعين وإقامة بؤرة استيطانية جديدة، قبل أن تتجدد المخاوف بعد أشهر مع إقامة بؤرة أخرى في منطقة جراعة شمالي البلدة.
ووفقًا لحج علي، شهدت المنطقة في 15 نيسان/أبريل 2026 نصب مستوطنين وحدتين سكنيتين متنقلتين وثلاث خيام على مساحة تُقدّر بنحو دونم واحد، في الحوض رقم 18.
ويرى حج علي أن هذه الخطوة لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية المساحة التي أقيمت عليها البؤرة فقط، وإنما بالنظر إلى ما قد يترتب عليها من توسع لاحق وشق طرق وفرض واقع جديد على الأراضي المحيطة.
ويحذر من أن خطورة البؤرة تكمن في موقعها أكثر من مساحتها، كونها تقع في منطقة زراعية مهمة وقريبة من أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون، الأمر الذي يثير، بحسبه، مخاوف حقيقية لدى أصحاب الأراضي من أن تصبح عملية الوصول إلى حقولهم أكثر صعوبة مع استمرار التوسع وشق الطرق في المنطقة.
ويقول حج علي إن أهالي جماعين لا ينظرون إلى البؤرة بوصفها منشآت متنقلة محدودة المساحة، وإنما باعتبارها بداية محتملة لمسار قد يمتد إلى الأراضي المجاورة، خصوصًا أن التجارب السابقة أظهرت، بحسب قوله، أن إقامة البؤر تترافق في كثير من الأحيان مع تغييرات في طبيعة الأرض وشبكة الطرق المحيطة بها.
ويضيف أن الخشية الأكبر لدى المزارعين تتمثل في أن تتحول الطرق التي تُشق لخدمة البؤرة إلى عائق أمام حركة أصحاب الأراضي، وأن يصبح الوصول إلى أشجار الزيتون والأراضي الزراعية أكثر تعقيدًا، بما يهدد ليس الأرض فحسب، وإنما مصدر رزق عائلات تعتمد عليها منذ سنوات طويلة.
وبحسب حج علي، فإن ما يجري في محيط جماعين يضع البلدة أمام معادلة تتجاوز فقدان مساحة محدودة من الأرض؛ فكل بؤرة جديدة تعني، من وجهة نظره، احتمالًا جديدًا للتوسع، وكل طريق جديد قد يعيد تشكيل حركة السكان والمزارعين، فيما تبقى مئات الدونمات الزراعية المحيطة في دائرة الخطر.
ووفق توثيق مركز أبحاث الأراضي، تقع البؤرة الجديدة بالقرب من نحو 280 دونمًا من الأراضي الزراعية المزروعة بالزيتون، فيما شُق طريق بطول يقارب 200 متر في محيطها، ما يجعل المسألة، بحسب التوثيق، لا تقتصر على الدونم الذي أقيمت عليه البؤرة وحده.
ويحذر حج علي من أن استمرار هذا النهج يمكن أن يضع مئات الدونمات الزراعية أمام واقع جديد، خصوصًا أن المنطقة المحيطة بالبؤرة تضم مساحات مزروعة بالزيتون وطرقًا زراعية تربط جماعين بالمناطق المجاورة.
ويقول إن الأهالي يتابعون ما يجري على الأرض ويتمسكون بحقهم في أراضيهم، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتحول البؤرة الجديدة من مجرد منشآت متنقلة إلى نقطة انطلاق لتوسع استيطاني أكبر.
ويرى حج علي أن استهداف المحاجر والمنشآت الاقتصادية لا ينفصل عن استهداف الأرض، لأن قطاع الحجر يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي في جماعين، وأي اعتداء على منشآته أو تعطيل لحركة العاملين فيه ينعكس مباشرة على عشرات الأسر.
وهكذا، تبدو جماعين أمام تحدٍ مزدوج؛ الحفاظ على اقتصاد قائم على الحجر، وحماية أرض زراعية يشكل الزيتون أحد أبرز رموز ارتباط أهلها بها، في وقت تتسع فيه القيود على الحركة وتتقدم البؤر الاستيطانية في محيط البلدة.
المصدر: قدس برس

