غزة.. مرضى وجرحى ينتظرون رفح بين علاج مؤجل وحياة مهددة

المسار : لا تتوقف تداعيات الحرب على غزة عند الدمار الذي طال المنازل والمنشآت والمرافق الصحية، بل تمتد إلى آلاف المرضى والجرحى الذين باتوا عالقين داخل القطاع، ينتظرون فتح معبر رفح بصورة منتظمة للسفر وتلقي علاجات وإجراءات طبية لا تتوفر إمكاناتها داخل مستشفيات غزة.

مرضى السرطان والفشل الكلوي، والأطفال الذين يحتاجون إلى رعاية تخصصية، والجرحى الذين ينتظرون عمليات ترميم أو أطرافًا صناعية، جميعهم يواجهون واقعًا صحيًا بالغ الصعوبة، في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتراجع قدرة المنظومة الصحية على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

بالنسبة إلى هؤلاء، لم يعد الخروج من القطاع بحثًا عن العلاج خيارًا مؤجلًا، بل تحول إلى مسألة مرتبطة بالحياة نفسها، إذ إن كل يوم يمر من دون علاج قد يعني تدهورًا إضافيًا في حالة مريض أو مضاعفات يصعب علاجها لاحقًا.

جسد يحمل آثار ليلة واحدة

قبل نحو عام، كان ياسر ديب، البالغ من العمر 40 عامًا، يعيش مع عائلته داخل خيمة في دير البلح وسط قطاع غزة، قبل أن تتعرض العائلة لاستهداف مباشر خلال ساعات الليل.

يقول ديب إن صاروخًا حارقًا أصاب الخيمة، مضيفًا أن أفراد الأسرة نجوا بصعوبة، فيما تحولت الخيمة إلى رماد، وأصيب جميع أفرادها بإصابات بالغة.

ونُقل ديب وعائلته إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، حيث اضطر الأطباء إلى بتر إحدى قدميه، بينما بقيت شظية في رأسه بعد تعذر إخراجها.

لكن إصابته لم تكن المأساة الوحيدة التي عاشتها الأسرة؛ فقد أمضت زوجته وابنه محمد نحو خمسة أشهر في العناية المركزة، فيما فقد ابنه عمر إحدى عينيه، وتسببت الحروق في تغيير ملامح وجهه، بينما أصيب ابنه عماد بحروق وكسر في ساقه، استدعى وضع صفائح ومثبتات داخلية وخارجية.

ويؤكد ديب أن أفراد عائلته لا يزالون يعانون من آثار تلك الإصابة، في وقت يواجهون فيه صعوبة في الحصول على الأدوية والمسكنات والعلاجات اللازمة.

ويقول: “نحن نعاني حتى اليوم، لا توجد مسكنات ولا علاج بغزة، والوضع الصحي صعب جدًا. نحن نموت هنا”.

ويطالب بتسهيل سفر المرضى والجرحى إلى الخارج، حتى يتمكن هو وأفراد أسرته من استكمال العلاج والحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها.

طفلة تنتظر علاجًا لا يصل

في خان يونس جنوبي القطاع، تعيش هالة، والدة الطفلة آية أبو نحل، البالغة من العمر ثلاثة أعوام، على وقع الخوف المستمر على حياة ابنتها.

وُلدت آية بظروف صحية معقدة، من بينها عدم وجود الحبل الشوكي داخل العمود الفقري، إلى جانب الفشل الكلوي ووجود صمام في الرأس، ما أدى إلى إصابتها بشلل تام وفقدان القدرة على الحركة والإحساس.

وتحتاج الطفلة إلى جرعات وعلاجات منتظمة، إلا أن والدتها تقول إن الأدوية والعلاجات اللازمة لا تدخل إلى القطاع بصورة منتظمة، في ظل القيود المفروضة على حركة الإمدادات والأشخاص.

وقبل أسابيع، تدهورت حالة آية بصورة خطيرة، وأبلغ الأطباء والدتها بضرورة نقلها إلى الخارج بصورة عاجلة لتلقي العلاج.

تقول هالة: “الأطباء قالوا لي إنها تحتاج للعلاج بالخارج فورًا، لكن لا توجد معابر. لا أريد أن أفقد طفلتي، أتمنى أن يتم فتح المعبر لإنقاذها”.

السرطان.. علاج توقف والحالة تتدهور

سفيان عيادة، البالغ من العمر 48 عامًا، يواجه معركة أخرى مع المرض. فمنذ سنوات يعاني من السرطان، وكان يتلقى العلاج الكيميائي قبل أن تتوقف رحلته العلاجية بفعل الحرب وعدم قدرته على السفر لاستكمال العلاج.

ومع مرور الوقت، تدهورت حالته الصحية، بينما أصبح الوصول إلى العلاج خارج القطاع أكثر صعوبة.

ويقول عيادة: “أشعر أني أُترك لأواجه الموت بصمت، فقط لأنني أعيش في غزة”.

ويطالب بالسماح له بالسفر لاستكمال علاجه، محذرًا من أن استمرار إغلاق المعابر أو تقييد حركة المرضى يعني مزيدًا من التأخير أمام مرض لا يحتمل الانتظار.

“كل يوم يأخذ من عمري”

يحمل محمد شامية، البالغ من العمر 33 عامًا، تحويلة طبية للعلاج خارج القطاع، لكنه لا يزال ينتظر السماح له بالمغادرة.

شامية مريض كلى ويحتاج إلى خدمات غسيل وعلاج منتظمة، ويصف واقع مرضى الكلى في غزة بأنه بالغ الصعوبة في ظل محدودية الخدمات الطبية المتاحة والضغوط التي تواجهها المستشفيات.

كان شامية يترقب فتح معبر رفح بعدما شعر أن فرصة السفر باتت قريبة، لكن استمرار القيود على المعابر أعاد مخاوفه من جديد.

ويقول: “كل يوم يمر يأخذ من عمري والمرض يزيد، ولا توجد أي خدمات طبية لمرضى غسيل الكلى”.

ويؤكد أن انتظار فتح المعبر بالنسبة إلى مرضى الكلى لم يعد مجرد انتظار للسفر، وإنما أصبح مسألة حياة أو موت، مطالبًا بفتح الطريق أمام المرضى للوصول إلى العلاج.

بتر القدم لا ينهي المعاناة

أما حسام حمد، البالغ من العمر 44 عامًا، فقد أصيب خلال الحرب واضطر إلى بتر إحدى قدميه.

وبعد نجاته من الإصابة، بدأت بالنسبة إليه مرحلة جديدة من المعاناة، إذ يحتاج إلى طرف صناعي يساعده على استعادة قدرته على الحركة، بينما تظل الإمكانات الطبية المتاحة داخل القطاع محدودة للغاية.

ويقول حمد إن الحصول على الأطراف الصناعية أصبح شديد الصعوبة بسبب نقص الإمكانات والاحتياجات الطبية، مؤكدًا أن التأخير في توفير العلاج يزيد من معاناته الجسدية والنفسية.

ويضيف: “نعيش معاناة يومية، وكل يوم تأخير يزيد من صعوبة حالتي النفسية والجسدية”.

ويطالب بفتح المعبر أمام المرضى والجرحى وتسهيل سفرهم إلى الخارج للحصول على العلاج والتأهيل اللازمين.

آلاف ينتظرون.. والوقت ليس في صالحهم

دواء غير متوفر، وعلاج لا يمكن تقديمه، وطرف صناعي لم يصل، وتحويلة طبية لا تكفي وحدها لفتح طريق العلاج خارج القطاع؛ تفاصيل تتكرر في حياة آلاف المرضى والجرحى داخل غزة.

وتحول الانتظار إلى جزء من معاناة المرضى، الذين لا يملكون سوى التمسك بأمل فتح معبر رفح والسماح لهم بالمغادرة لتلقي العلاج.

وتشير بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة إلى أن عدد المرضى والجرحى المنتظرين للسفر لتلقي العلاج خارج القطاع تجاوز 20 ألف شخص، بينهم مرضى سرطان وأمراض قلب وفشل كلوي، إضافة إلى مصابين بإصابات بالغة تحتاج إلى تدخلات جراحية متقدمة غير متوفرة في مستشفيات القطاع.

ورغم إعادة تشغيل معبر رفح بصورة جزئية في 2 فبراير/شباط 2026، بقيت أعداد المغادرين للعلاج محدودة مقارنة بحجم الاحتياج الطبي، ما أبقى آلاف المرضى في دائرة الانتظار.

وتحذر وزارة الصحة في غزة من خطورة استمرار القيود على الإجلاء الطبي، مشيرة إلى أن آلاف المرضى بحاجة إلى رعاية عاجلة، فيما توفي 1,268 مريضًا أثناء انتظار السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع، وفق البيانات التي أوردتها الوزارة.

وهكذا، لا يبدو معبر رفح بالنسبة إلى مرضى غزة مجرد منفذ حدودي؛ فهو بالنسبة إلى كثيرين الطريق الوحيد نحو غرفة عمليات، أو جلسة علاج، أو دواء غير متوفر، أو طرف صناعي يعيد القدرة على الحركة.

وفي قطاع أنهكته الحرب وقلّصت قدراته الصحية إلى مستويات خطرة، أصبح تأجيل العلاج بالنسبة إلى المرضى والجرحى انتظارًا محفوفًا بالموت، فيما تبقى مطالبهم الأساسية واضحة: فتح المعبر، وتسهيل الإجلاء الطبي، وتمكين المرضى والجرحى من الوصول إلى العلاج قبل أن يتحول الانتظار إلى خسارة لا يمكن تداركها.

Share This Article