المسار : تفتح التطورات المتسارعة حول سبتة ومليلية المحتلتين نقاشًا يتجاوز الخلاف المغربي الإسباني حول المدينتين، ليصل إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن يلعبه حلف شمال الأطلسي «الناتو» في حال تحول التوتر بين الرباط ومدريد إلى مواجهة عسكرية.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الدبلوماسية احتواء تداعيات مأساة سبتة، يتعامل جزء من المؤسسة العسكرية الإسبانية مع التطورات من زاوية أمنية، واضعًا احتمالات المواجهة مع المغرب ضمن السيناريوهات التي ينبغي الاستعداد لها، رغم أن اندلاع حرب شاملة بين البلدين لا يبدو في الوقت الراهن السيناريو الأكثر ترجيحًا.
ويأتي ذلك في ظل تصريحات وتحذيرات إسبانية من مغبة التقليل من خطورة ما جرى في سبتة يوم 30 يوليو/تموز 2026، بعدما شهدت المنطقة اقتحامًا جماعيًا، وسط روايات متباينة بشأن ملابسات الأحداث وحجم الخسائر البشرية.
وفي هذا السياق، حذر المدير السابق للمخابرات الإسبانية خورخي ديسكيار من التعامل مع التطورات باعتبارها حادثًا عابرًا، معتبرًا أن المغرب لن يتخلى عن مطالبه المتعلقة بسبتة ومليلية، وأن ما جرى يمكن أن تكون له انعكاسات على العلاقات بين الرباط ومدريد خلال المرحلة المقبلة.
وترافقت هذه المواقف مع خطاب أكثر تشددًا من وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبلس، التي أكدت خلال زيارتها إلى سبتة أن مدريد لن تقبل المساس بالمدينتين، في مقابل مواقف أكثر حذرًا من وزيري الخارجية والداخلية الإسبانيين، مانويل ألباريس وفرناندو مارلاسكا، اللذين ركزا على احتواء الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة مفتوحة.
الناتو أمام معادلة قانونية وسياسية معقدة
وسط هذا التصعيد، يبرز السؤال الأهم: هل يعني أي هجوم مغربي على سبتة أو مليلية دخول الناتو مباشرة في الحرب إلى جانب إسبانيا؟
الإجابة ليست تلقائية.
فالمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، لكن المادة السادسة تحدد النطاق الجغرافي للأراضي المشمولة بالتزامات المعاهدة، ولا تذكر سبتة ومليلية بصورة صريحة.
وبالتالي، فإن تعرض المدينتين لهجوم لا يعني بالضرورة تفعيل المادة الخامسة بصورة آلية، بل يفتح الباب أمام حسابات قانونية وسياسية معقدة داخل الحلف.
أما إذا امتدت المواجهة إلى الأراضي الإسبانية الواقعة في القارة الأوروبية، فإن طبيعة المعادلة ستتغير بصورة كبيرة، وقد يصبح موضوع الدفاع الجماعي أكثر حضورًا في حسابات الدول الأعضاء.
وهنا تكمن حساسية الملف؛ فالناتو قد يجد نفسه أمام نزاع يتعلق بمدينتين تعتبرهما مدريد جزءًا من أراضيها، بينما يطالب المغرب بالسيادة عليهما، في قضية تاريخية وسياسية لم تجد طريقها إلى التسوية.
المصالح الغربية في غرب المتوسط
ولا يمكن قراءة أي سيناريو محتمل للتدخل الأطلسي بعيدًا عن المصالح الاستراتيجية الغربية في البحر المتوسط ومضيق جبل طارق.
فبريطانيا، العضو في الناتو، تسيطر على جبل طارق، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى منطقة المضيق والبحر المتوسط باعتبارها مساحة ذات أهمية استراتيجية لحركة الملاحة والنفوذ العسكري.
أما فرنسا، فستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا، بحكم علاقاتها الوثيقة مع المغرب من جهة، وتحالفها مع إسبانيا والولايات المتحدة داخل المنظومة الغربية من جهة أخرى.
ولهذا فإن الحديث عن وقوف جميع دول الناتو خلف مدريد في حال اندلاع مواجهة لا يمكن اعتباره أمرًا محسومًا، إذ ستتداخل الاعتبارات العسكرية مع المصالح الاقتصادية والحسابات السياسية والعلاقات الإقليمية.
وقد تحصل إسبانيا على أشكال مختلفة من الدعم من بعض حلفائها، لكن طبيعة هذا الدعم، وما إذا كان عسكريًا مباشرًا أو سياسيًا ولوجستيًا واستخباراتيًا، ستبقى مرتبطة بتطورات المواجهة وموقف كل دولة.
من سبتة ومليلية إلى صراع النفوذ
وتكتسب الأزمة أهمية أكبر في ظل موقع المغرب داخل المعادلات الجيوسياسية للمتوسط وشمال إفريقيا، وفي ظل التنافس الدولي المتصاعد على النفوذ في المنطقة.
فأي مواجهة مغربية إسبانية لن تبقى بالضرورة محصورة بين الرباط ومدريد، خصوصًا إذا دخلت الولايات المتحدة أو قوى أطلسية أخرى على خط الأزمة.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان الناتو سيدافع عن إسبانيا، وإنما بما إذا كانت أزمة إقليمية محدودة يمكن أن تتحول إلى ساحة جديدة للصراع على النفوذ بين القوى الغربية والقوى الإقليمية.
كما أن ارتباط الملف بالهجرة والحدود والأمن يجعل سبتة ومليلية جزءًا من منظومة أوسع تستخدم فيها قضايا الأمن والهجرة والحدود للضغط السياسي المتبادل، وهو ما يزيد من مخاطر تحويل المدنيين إلى أدوات في صراعات الدول.
اختبار جديد للمنظومة الأطلسية
وفي حال اندلاع مواجهة، سيكون الناتو أمام اختبار صعب، ليس فقط بشأن قدرته العسكرية، وإنما بشأن حدود التزامه بالدفاع الجماعي وموقع المصالح الاستراتيجية الغربية في القرار السياسي للحلف.
فالتحالف الذي يقدم نفسه باعتباره منظومة للدفاع الجماعي سيجد نفسه أمام نزاع يرتبط بملف استعماري وتاريخي متنازع عليه، وبمدينتين لا تشملهما بصورة واضحة الصياغة الجغرافية للمادة السادسة.
وفي المقابل، فإن أي محاولة لتحويل الأزمة إلى مواجهة عسكرية واسعة ستخدم منطق التصعيد والعسكرة في منطقة تعاني أصلًا من أزمات سياسية وأمنية متراكمة.
ولهذا، فإن تطورات سبتة ومليلية لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد أزمة حدودية بين المغرب وإسبانيا، بل باعتبارها ملفًا تتقاطع فيه قضايا السيادة والتاريخ والهجرة والمصالح الغربية والتحالفات العسكرية.
وبينما تستعد المؤسسات العسكرية لأسوأ الاحتمالات، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الأطراف المعنية على منع التصعيد، وما إذا كانت الأزمة ستبقى ضمن حدود الخلاف المغربي الإسباني، أم تتحول إلى اختبار جديد لطبيعة الدور الذي يؤديه الناتو والولايات المتحدة في غرب المتوسط.
وفي جميع الأحوال، فإن إدخال الحلف الأطلسي في أي مواجهة محتملة سيجعل من سبتة ومليلية نقطة تقاطع لصراعات أوسع على النفوذ، وقد يحول خلافًا إقليميًا إلى أزمة دولية تتجاوز حدود المغرب وإسبانيا.

