المسار : شهدت العلاقات بين الهند ودولة الاحتلال الإسرائيلي تحولا عميقا خلال العقود الماضية، انتقلت فيه نيودلهي من موقف تاريخي داعم للحقوق الفلسطينية ومعارض لفكرة إقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، إلى شراكة سياسية وعسكرية وأمنية متنامية مع إسرائيل.
وبحسب تحليل للأستاذ الفخري للعلاقات الدولية في جامعة ولاية ميشيغان محمد أيوب، فإن هذا التحول لم يحدث دفعة واحدة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وإستراتيجية بدأت قبل وصول حزب «بهاراتيا جاناتا» إلى الحكم، إلا أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي منحت العلاقة مع إسرائيل بعدا أيديولوجيا واستراتيجيا أكثر وضوحا.
وأشار أيوب إلى أن قرار الهند عدم الانضمام إلى عشرات الوفود التي غادرت قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال كلمة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في أيلول الماضي، عكس بصورة واضحة مقدار التحول في الموقف الهندي.
وأوضح أن الهند باتت تجمع بين إعلانها الرسمي دعم «حل الدولتين» وبين توسيع شراكتها الإستراتيجية مع دولة الاحتلال، رغم الدمار الواسع في قطاع غزة وسقوط عشرات آلاف الشهداء وتهجير غالبية السكان.
وخلال النصف الأول من القرن العشرين، كان الموقف الهندي مختلفا جذريا، إذ عارض القوميون الهنود إقامة دولة يهودية في فلسطين، ونظروا إلى المشروع الصهيوني من زاوية تجربتهم الخاصة في مواجهة الاستعمار البريطاني.
وكان الزعيم الهندي المهاتما غاندي قد عبّر عام 1938 عن موقف واضح في هذا السياق، مؤكدا أن تعاطفه مع اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد في أوروبا لا يبرر تحميل الفلسطينيين ثمن ذلك الاضطهاد.
كما صوتت الهند ضد خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947، في موقف ارتبط أيضا برفض قادة المؤتمر الوطني الهندي مبدأ تقسيم الدول على أسس دينية وإثنية.
واعترفت الهند بدولة الاحتلال عام 1950، إلا أن العلاقات بقيت محدودة لعقود، ولم تُقم علاقات دبلوماسية كاملة إلا عام 1992، في ظل تغيرات دولية كبرى شملت انهيار الاتحاد السوفيتي، والانفتاح الاقتصادي الهندي، وتصاعد الدور الأميركي في النظام الدولي.
ويرى أيوب أن حزب «بهاراتيا جاناتا» لم يؤسس العلاقة مع إسرائيل من الصفر، بل ورث مسارا كان قد بدأ بالفعل، لكنه أضفى عليه دفئا أيديولوجيا وتوسعا استراتيجيا.
وفي عهد مودي، انتقلت العلاقة إلى مستوى أكثر علنية، وصولا إلى رفعها في شباط 2026 إلى مستوى شراكة إستراتيجية خاصة خلال زيارة مودي إلى دولة الاحتلال.
ويشير التحليل إلى وجود تقارب بين القومية الهندوسية التي يتبناها حزب «بهاراتيا جاناتا» وبين الرؤية القومية التي يقوم عليها المشروع الصهيوني، وخصوصا في مسألة العلاقة بين الدولة والهوية الدينية للأغلبية.
كما ساهمت المصالح الأمنية المشتركة في تعزيز العلاقات، لا سيما في ملفات مكافحة ما تصفه الدولتان بـ«الإرهاب»، رغم الاختلاف الكبير بين طبيعة الصراع في كشمير والقضية الفلسطينية.
ويشكل التعاون العسكري أحد أبرز ركائز العلاقات بين الجانبين. ووفقا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، حصلت الهند على 29 في المئة من صادرات إسرائيل من الأسلحة الرئيسية خلال الفترة بين 2021 و2025، ما جعلها أكبر مشتر للمعدات العسكرية الإسرائيلية خلال تلك الفترة.
وتشمل المشتريات الهندية طائرات مسيرة للمراقبة، وأنظمة إنذار مبكر محمولة جوا، وأسلحة موجهة بدقة، إضافة إلى مشروعات مشتركة لتطوير أنظمة دفاع جوي بمشاركة شركات هندية وإسرائيلية.
وامتد التعاون كذلك إلى المجال الاستخباراتي، حيث تحدث التقرير عن اتصالات بين جهاز الاستخبارات الخارجية الهندي «جناح البحث والتحليل» وجهاز «الموساد» الإسرائيلي قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، فيما تشمل مجالات التعاون المعلنة حاليا الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأبحاث المشتركة.
ويرى أيوب أن المصالح العسكرية والأمنية والاقتصادية تفسر إلى حد كبير انجذاب كل من الهند وإسرائيل إلى الأخرى، لكنه يطرح في المقابل سؤالا يتعلق بمدى ابتعاد السياسة الهندية الحالية عن المبادئ التي ارتبط بها نضالها التاريخي ضد الاستعمار ودعمها السابق للقضية الفلسطينية.
ويخلص التحليل إلى أن العلاقات الهندية الإسرائيلية لم تعد مجرد تعاون براغماتي محدود، بل تحولت إلى شراكة واسعة ذات أبعاد أمنية وعسكرية وأيديولوجية، في وقت تراجعت فيه مكانة القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الهندية مقارنة بما كانت عليه خلال العقود الأولى بعد استقلال البلاد.

