بعد نحو 3 أعوام من الغياب.. الصليب الأحمر يستعد لاستئناف زيارة الأسرى في سجون الاحتلال

المسار : بعد نحو ثلاثة أعوام من غياب الرقابة الإنسانية الدولية المباشرة عن الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن سلطات الاحتلال بدأت الاستعداد لاستئناف زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى، للمرة الأولى منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على أن تبدأ الزيارات، وفق المعطيات المتداولة، الأربعاء المقبل.

وتأتي الخطوة بعد سنوات من منع الزيارات والمماطلة في تنفيذ المطالب الدولية، وفي ظل تقارير وشهادات متواصلة عن تدهور أوضاع الأسرى، بما في ذلك التعذيب وسوء المعاملة والإهمال الطبي، ولا سيما بحق المعتقلين من قطاع غزة.

 ثلاثة أعوام بلا رقابة دولية

منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مرارًا أنها لم تتمكن من زيارة أي أسير فلسطيني في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية.

وطالبت اللجنة سلطات الاحتلال بالسماح لها بالوصول إلى المعتقلين، والاطلاع على ظروف احتجازهم، والتحدث إليهم بصورة سرية، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من مهمتها الإنسانية.

ولم يقتصر المنع على الزيارات، إذ توقف أيضًا نقل المعلومات المتعلقة بأوضاع الأسرى والمعتقلين إلى اللجنة، ما أبقى السجون الإسرائيلية بعيدة عن إحدى أبرز آليات الرقابة الإنسانية الدولية.

 من إجراء استثنائي إلى سياسة ممتدة

وفي فبراير/شباط 2024، تقدمت منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، طالبت فيه باستئناف زيارات الصليب الأحمر التي توقفت منذ بداية الحرب.

لكن القضية بقيت معلقة لفترة طويلة، قبل أن تتخذ سلطات الاحتلال خطوة جديدة في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما أصدر وزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس أمرًا يحظر زيارات ممثلي الصليب الأحمر للأسرى، بذريعة وجود “مخاوف أمنية”.

وادعى جهاز “الشاباك” الإسرائيلي آنذاك أنه نقل إلى وزارة الجيش معلومات تفيد بأن ممثلي الصليب الأحمر ينقلون معلومات إلى الأسرى داخل السجون، فيما برر كاتس قراره بالقول إن التقييمات الأمنية تشير إلى أن الزيارات قد تلحق ضررًا بأمن إسرائيل.

وبذلك، تحول منع الزيارات من إجراء استثنائي إلى سياسة ممتدة، رغم المطالب المتكررة بإعادة الوصول الإنساني إلى الأسرى.

 قرار قضائي يمهد لعودة الصليب الأحمر

وفي مطلع يونيو/حزيران 2026، ألغت المحكمة العليا الإسرائيلية بالإجماع سياسة المنع الشامل لزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى المحتجزين في مرافق مصلحة السجون والجيش الإسرائيلي، وكذلك منع نقل المعلومات المتعلقة بهم.

واعتبرت المحكمة أن الحكومة لم تقدم أساسًا قانونيًا كافيًا لتبرير سياسة المنع، رغم منحها فرصًا متعددة لتقديم مبرراتها.

وكان من شأن القرار فتح الطريق أمام استئناف الزيارات، إلا أن التنفيذ لم يكن فوريًا، وسط محاولات حكومية إسرائيلية لتأجيل تطبيقه، ما أبقى الملف في دائرة المماطلة حتى بعد صدور الحكم.

 محاولات جديدة لتعطيل الزيارات

ولم تتوقف محاولات عرقلة عودة اللجنة الدولية عند القرار القضائي؛ فبعد نحو شهر منه، أسقط الكنيست الإسرائيلي مشروع قانون قدمه حزب وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وكان يستهدف تنظيم زيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى.

وجاء إسقاط مشروع القانون في ظل رفض الأحزاب الحريدية دعمه، إلى حين إقرار تشريعات مرتبطة بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية.

 انتهاكات وتدهور متواصل في السجون

وخلال فترة غياب الصليب الأحمر، شهدت أوضاع الأسرى، وفق تقارير وشهادات حقوقية، تدهورًا حادًا، بالتزامن مع تشديد القيود المفروضة عليهم منذ تولي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير منصبه أواخر عام 2022.

وتحدثت تقارير وشهادات عن الضرب المبرح، والصعق بالكهرباء، واستخدام الكلاب، وإجبار الأسرى على اتخاذ أوضاع جسدية مؤلمة، إلى جانب العنف والاعتداء الجنسي والتهديد والإذلال، فضلًا عن الحرمان من الغذاء والماء والنوم والرعاية الطبية.

كما أشارت تقارير إلى ظروف احتجاز قاسية شملت الاكتظاظ والعزل لفترات طويلة، وتقييد التواصل مع العائلات، ونقص الرعاية الصحية.

وأشارت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إلى استشهاد عشرات الفلسطينيين أثناء الاعتقال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فيما أظهرت بعض عمليات تشريح الجثامين، وفق ما أوردته اللجنة، مؤشرات مرتبطة بالتعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية وسوء التغذية.

 “سدي تيمان”.. أحد أبرز مواقع الانتهاكات

وبرزت مراكز الاحتجاز العسكرية، التي احتُجز فيها أساسًا أسرى فلسطينيون من قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، باعتبارها من أبرز المواقع التي أثيرت حولها تقارير عن التعذيب والانتهاكات.

وكان معتقل “سدي تيمان” في النقب في صدارة هذه المواقع، بعدما كشفت تقارير عن تعرض معتقلين فلسطينيين لممارسات قاسية داخله.

وفي يوليو/تموز 2024، تعرض أسير فلسطيني للتعذيب داخل المعتقل على أيدي جنود إسرائيليين، بحسب تقارير إسرائيلية، وأصيب بجروح خطيرة وتمزق في المستقيم.

وفي أغسطس/آب 2025، بثت القناة 12 الإسرائيلية مقطعًا مصورًا يوثق الاعتداء، ما أثار موجة من الإدانات والانتقادات.

وتكشف هذه الوقائع جانبًا من الظروف التي عاشها الأسرى خلال فترة حُرم فيها الصليب الأحمر من الوصول إليهم، فيما وصلت المعلومات عن الانتهاكات بصورة متقطعة عبر شهادات الأسرى المفرج عنهم، ومحامين، ومنظمات حقوقية، وتحقيقات صحفية.

الصليب الأحمر.. نافذة إنسانية بعد غياب طويل

وتحمل عودة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في حال تمت، أهمية تتجاوز استئناف الزيارات؛ إذ تعيد إحدى أدوات الرقابة الإنسانية الدولية إلى السجون الإسرائيلية بعد سنوات من الغياب.

وتتيح الزيارات للجنة الاطلاع على ظروف الاحتجاز، والتحدث بصورة سرية مع المعتقلين، ومتابعة معاملتهم وأوضاعهم الإنسانية، ونقل ملاحظاتها إلى السلطات المعنية.

وبحسب المعطيات المتداولة، تلقى ممثلو اللجنة الدولية توجيهات بالتوجه إلى إسرائيل، فيما يُتوقع، ما لم تطرأ تغييرات في اللحظة الأخيرة، أن تبدأ زيارات الأسرى في السجون يوم الأربعاء المقبل.

ماذا جرى خلف الأبواب المغلقة؟

لكن استئناف الزيارات، في حال تأكد، لا ينهي الأسئلة التي خلفتها سنوات غياب الرقابة الدولية، بل يطرح أسئلة أكثر إلحاحًا بشأن ما جرى داخل السجون ومراكز الاحتجاز خلال هذه الفترة، وحجم الانتهاكات التي ربما لم توثق.

كما تبرز تساؤلات حول مدى قدرة اللجنة على الوصول إلى جميع الأسرى ومراكز الاحتجاز دون قيود، وما إذا كانت الزيارات ستستمر بصورة منتظمة ومستقلة.

وبعد سنوات بقي خلالها الأسرى خلف أبواب مغلقة، تبدو عودة الصليب الأحمر، إن تمت، محاولة لاستعادة نافذة إنسانية أُغلقت طويلًا أمام العالم، والتحقق من أوضاع الأسرى في ظل تراكم شهادات وتقارير تتحدث عن التعذيب وسوء المعاملة والوفيات داخل منظومة الاحتجاز الإسرائيلية.

Share This Article