المسار : تقف بلدة الخضر، الواقعة على بعد نحو خمسة كيلومترات جنوب مدينة بيت لحم، أمام واحدة من أكثر صور التوسع الاستيطاني وضوحًا في الضفة الغربية، حيث تتقلص أراضيها الزراعية وتتسع المستوطنات المحيطة بها، فيما يواجه سكانها قيودًا متزايدة على البناء والحركة والوصول إلى أراضيهم.
ويعيش في البلدة نحو 14 ألف فلسطيني، بينما كانت مساحتها التاريخية تقدر بنحو 22 ألف دونم. ووفق منسق لجنة مقاومة الاستيطان في الخضر أحمد صلاح، أدى جدار الفصل إلى عزل والاستيلاء فعليًا على نحو 20 ألف دونم، فيما انحصر السكان في مساحة تقارب ألفي دونم، ولا تتجاوز المساحة المتاحة للبناء والتوسع العمراني نحو ألف دونم.
بلدة تحمل إرثًا دينيًا وتاريخيًا
تستمد الخضر اسمها من دير مار جريس، الذي يعود تأسيسه إلى القرن السادس الميلادي، وما زال حتى اليوم مقصدًا دينيًا للمسلمين والمسيحيين.
وتضم البلدة عددًا من المعالم التاريخية، من أبرزها قلعة مراد التي شُيدت عام 1617 خلال العهد العثماني، إلى جانب برك سليمان التي شكلت عبر قرون جزءًا من شبكة مائية كانت تغذي بيت لحم والقدس ومحيط المسجد الأقصى.
ست مستوطنات تطوق الخضر
تحيط بالخضر ست مستوطنات إسرائيلية، هي: إفرات، إلعازر، مجدال عوز، ألون شفوت، روش تسوريم، ونفي دانيال، إلى جانب طرق التفافية ومناطق أمنية تحد من توسع البلدة ووصول سكانها إلى أراضيهم.
ويقول أحمد صلاح إن مساحات واسعة من تلال البلدة، بينها مناطق حبلين وبطن المعصي، باتت تحت سيطرة الاحتلال، فيما تستخدم جمعيات استيطانية ما يسمى «درب الآباء» للترويج لمسارات سياحية ودينية داخل الأراضي الفلسطينية.
أكثر من 200 منزل مهدد بالهدم
وبحسب صلاح، يهدد الاحتلال أكثر من 200 منزل في الخضر بإخطارات هدم، بينها منازل في مناطق مصنفة «ج»، وأخرى في مناطق «ب»، وحتى منازل تقع ضمن المنطقة المصنفة «أ».
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، هدمت قوات الاحتلال نحو 20 منزلًا في البلدة، فيما يواجه حي أم ركبة عشرات إخطارات الهدم، إضافة إلى نحو 100 منزل مهدد في منطقة اللوح.
أربع بوابات تحاصر البلدة
تفرض قوات الاحتلال قيودًا مشددة على حركة السكان عبر أربع بوابات تحاصر الخضر من جهات مختلفة، إلى جانب مكعبات إسمنتية وسواتر ترابية تغلق الطرق الفرعية.
وتنعكس هذه الإجراءات بصورة مباشرة على الحياة اليومية والاقتصاد المحلي، ولا سيما القطاع الزراعي الذي شكل تاريخيًا أحد أهم مصادر الدخل لسكان البلدة.
كروم العنب تحت الضغط
اشتهرت الخضر تاريخيًا بزراعة العنب، وكانت تنتج نحو 10 آلاف طن في الموسم، إلا أن الإنتاج انخفض، وفق تقديرات محلية، بأكثر من 60% خلال السنوات الأخيرة.
وتراجعت نسبة السكان الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر دخل رئيسي من أكثر من 40% إلى أقل من 20%، في ظل تقلص الأراضي الزراعية ومنع المزارعين من الوصول إلى مساحات واسعة منها.
وتعد مناطق عين قسيس وعين كور وعين العصافير من أبرز المناطق الزراعية في الخضر، لكنها تعرضت لعمليات استيلاء وقيود على دخول أصحاب الأراضي.
ومنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، يقول مزارعون إنهم حُرموا من الوصول إلى أراضيهم الواقعة خلف جدار الفصل، ما أدى إلى ترك مساحات واسعة دون زراعة أو حصاد، وزاد المخاوف من الاستيلاء عليها لاحقًا.
البطالة تتصاعد
وبحسب تقديرات محلية، دفعت خسارة الأراضي الزراعية وقيود الحركة كثيرًا من أبناء البلدة إلى البحث عن فرص عمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، إلا أن فقدان هذه الوظائف بعد الحرب على غزة أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة في الخضر إلى أكثر من 60%.
وبين الاستيطان وإخطارات الهدم والحواجز ومنع الوصول إلى الأرض، تواجه الخضر معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من أراضيها الزراعية وتراثها التاريخي، وسط مخاوف متزايدة من توسع المستوطنات وتآكل المجال الحيوي للبلدة.

