المسار : لم يسلم موسم الزيتون في قطاع غزة من تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية، التي ألحقت أضرارًا واسعة بمختلف مراحل هذا القطاع، بدءًا من الأراضي والأشجار، وصولًا إلى الإنتاج والمعاصر والمصانع وفرص العمل.
ولم تقتصر الخسائر على تراجع الإنتاج الزراعي، بل امتدت آثارها إلى الأمن الغذائي، في وقت تتسع فيه الفجوة بين احتياجات السوق المحلية والكمية المتاحة من زيت الزيتون.
وقال مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة بغزة، لؤي رجب، إن بيانات عام 2026 تظهر تراجع المساحة المزروعة بالزيتون من نحو 50 ألف دونم إلى 5 آلاف دونم فقط، بانخفاض يقارب 90%.
وأضاف رجب، في تصريح له ، أن الزيتون كان يشكل نحو 55% من مساحة البستنة الشجرية وقرابة 27% من مساحة الإنتاج النباتي، فيما انخفض عدد أشجاره من نحو مليوني شجرة إلى 150 ألفًا.
تراجع حاد في الإنتاج
وأوضح رجب أن إنتاج ثمار الزيتون تراجع من نحو 40 ألف طن سنويًا قبل الأزمة، بينها 35 ألف طن للعصر و5 آلاف طن للتخليل، إلى نحو 5 آلاف طن حاليًا، منها 4 آلاف طن للعصر وألف طن للتخليل، أي بانخفاض يبلغ 87.5%.
وانعكس ذلك على إنتاج زيت الزيتون، الذي تراجع من قرابة 5 آلاف طن إلى 700 طن فقط، بعدما كان الإنتاج المحلي قادرًا على تحقيق مستويات من الاكتفاء الذاتي، بينما تصل فجوة الاكتفاء حاليًا إلى نحو 85%، وفق رجب.
وأشار إلى أن الخسائر لا تقتصر على الإنتاج الزراعي، إذ تضررت سلسلة القيمة المرتبطة بالمحصول، وانخفض عدد معاصر الزيتون من 40 إلى 7، وتراجعت خطوط العصر من 68 إلى 15، فيما انخفضت القدرة التشغيلية من نحو 150 طنًا إلى 25 طنًا في الساعة.
وتابع “كما تراجع عدد مصانع التخليل من 14 مصنعًا إلى 3، وانخفضت طاقتها من نحو 1500 طن إلى 200 طن، بينما تقلص عدد الوحدات التصنيعية من 10 إلى وحدة واحدة”.
خسائر المزارعين وفرص العمل
ولفت رجب إلى أن الانهيار طال القوى العاملة المرتبطة بالقطاع؛ إذ تراجع عدد المزارعين من نحو 20 ألفًا إلى ألف فقط، وانخفض عدد العاملين من قرابة 3 آلاف إلى 200، مع تأثر مشاركة النساء في أنشطة القطف والفرز والتصنيع والتسويق.
وفي السوق، انعكست ندرة الإنتاج على الأسعار، إذ ارتفع سعر كيلو ثمار الزيتون من متوسط نحو 5 شواكل إلى نحو 20 شيكلًا، بينما ارتفع سعر تنكة زيت الزيتون من نحو 500 إلى 1500 شيكل، وفق رجب.
أزمة تتجاوز فقدان الأشجار
وأكد رجب أن ما تبقى من القطاع يواجه تحديات تشغيلية تعيق استعادة الإنتاج، أبرزها نقص المدخلات الزراعية وارتفاع أسعارها والتكاليف التشغيلية، إلى جانب صعوبة توفير قطع الغيار والزيوت اللازمة لصيانة المعدات والسولار لتشغيل المعاصر.
ووفق المعطيات، فإن إعادة تشغيل المنشآت المتبقية لا تتطلب فقط إصلاح الأصول المتضررة، بل استعادة منظومة متكاملة تشمل المدخلات والطاقة والصيانة والخدمات والأسواق.
خطة التعافي
وبيّن رجب أن إعادة بناء قطاع الزيتون تحتاج إلى برنامج متكامل يبدأ بإعادة تأهيل الأراضي والأشجار ومصادر المياه، وتوفير المدخلات الزراعية، ثم إعادة تأهيل المعاصر ومصانع التخليل والوحدات التصنيعية، مع توفير قطع الغيار والطاقة والسولار وخفض تكاليف التشغيل.
ونوّه إلى أن التعافي يتطلب إعادة المزارعين والعمال إلى النشاط الاقتصادي، ودعم المنشآت الصغيرة، واستعادة قنوات التسويق والتصنيع، وتوفير التمويل اللازم لاستعادة دورة الإنتاج.
وتظهر الأرقام أن خسارة 90% من المساحة و87.5% من الإنتاج لم تضرب محصولًا زراعيًا فحسب، بل أضعفت قطاعًا يوفر الدخل والعمل والغذاء لآلاف الأسر.
وشدد رجب على أن استعادة الزيتون في غزة لا تعني إعادة زراعة الأشجار فقط، وإنما إعادة بناء سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ من الأرض والمزارع، وتمتد إلى المعصرة والمصنع والعامل والسوق، بما يسمح باستعادة الإنتاج والتشغيل والأمن الغذائي تدريجيًا.
ووفق أحدث تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAD) ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، الصادر في أغسطس 2026، لم تعد سوى 3% من الأراضي الزراعية في القطاع متاحة وغير متضررة حتى 24 يونيو 2026.
وأظهر التقييم أن 27% من الأراضي الزراعية ما زالت متاحة للوصول، لكن معظمها تعرض لأضرار ويحتاج إلى إعادة تأهيل قبل استئناف الزراعة، في وقت يواجه المزارعون نقصا حادا في البذور والأسمدة ومعدات الري والوقود وغيرها من مستلزمات الإنتاج.

