وتختلف مهمة التحالف الدولي، التي بدأت عام 2014 لمواجهة “داعش”، عن الحرب التي قادتها واشنطن لغزو العراق عام 2003 وما أعقبها من وجود عسكري.
يونس خضير جميل من بين ضحايا حرب 2003، وفقد ساقيه إثر قصف أميركي في بغداد في 5 نيسان/ أبريل من ذلك العام، قبل 4 أيام من دخول القوات الأميركية إلى العاصمة.
وقال جميل إنه كان في شارع بمنطقة سكنية شعبية عندما وقع القصف.
وأضاف: “لم أكن وحدي من تضرر، الشارع كله تضرر، وهناك أشخاص توفوا في اللحظة نفسها”.
وبحسب روايته، تعرضت المنطقة لقصف جوي استُخدمت فيه ذخائر عنقودية، وأدت إصابته إلى بتر ساقه اليمنى، فيما أصيبت الأخرى بشظايا قطعت شرايينها.
وأوضح قائلا: “الساق اليمنى بُترت تماما، والثانية كانت شرايينها كلها متقطعة، وعندما وصلنا إلى المستشفى قالوا إنها لا تصلح لعملية، ولا بد من بترها”.
ونقله أفراد من عائلته وجيرانه إلى المستشفى، حيث تبدد أمله في إنقاذ ساقه الأخرى.
وأردف قائلا: “وضعت أملي في الرجل الثانية، وقلت إن لدي رجلا باقية، لكن مع الأسف عندما وصلنا إلى المستشفى كانت الشرايين كلها متقطعة”.
واستذكر تلك المرحلة قائلا: “كانت مؤلمة جدا بالنسبة إليّ. كنت في ريعان شبابي، عمري 23 أو 24 سنة، وفي بداية زواجي، ألعب كرة القدم وأمارس الرياضة وألتقي بأصدقائي”.
واستطرد: “عانيت ما عانيت في الأشهر الأولى، ولحد الآن أعاني من هذا الشيء”.
ووفق جميل، لم يحصل على تعويض عن إصابته، باستثناء راتب تقاعدي.
وعن انتهاء الوجود العسكري المرتبط بمهمة التحالف، عبّر جميل عن فرحته بقوله: “عدوك الذي آذاك يخرج من بلدك، فهذه بالنسبة إليّ فرحة”.
وأعرب عن أمله في أن يتمتع العراق “بسيادة آمنة”.
وفي 20 آذار/ مارس 2003، بدأت الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق، ودخلت القوات الأميركية بغداد في 9 نيسان/ أبريل من العام نفسه.
ووثقت منظمات حقوقية دولية استخدام القوات الأميركية ذخائر عنقودية، بما في ذلك في مناطق مأهولة بالسكان.
وقال جميل إن القصف الذي أصيب فيه استخدمت خلاله ذخائر من هذا النوع.
فظائع الاعتقال
في مسار آخر من تداعيات الوجود الأميركي، روى العراقي طالب محمد مجلي تجربته في الاعتقال عام 2003.
وعرض وثائق وبطاقات قال إنها تعود إلى فترة احتجازه، بينها وثيقة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر تؤيد اعتقاله.
وقال مجلي إنه توجه في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2003 من بغداد إلى محافظة الأنبار لزيارة عمه، قبل أن تطوق القوات الأميركية المنطقة وتعتقله.
وحاول عبر مترجم إبلاغ الجنود بأنه جاء للزيارة، كما تدخل عمه لتوضيح الأمر، لكن القوات نقلته لاحقا إلى مخيمات احتجاز في بغداد، قال إنها كانت قرب سجن (أبو غريب) وتعرض محيطها لقصف خلال وجوده فيها.
وبعد أكثر من أسبوعين، نُقل إلى أقسام داخل السجن، حيث أخذت بصماته واستُجوب بشأن اسمه ومهنته وعمله وديانته ومذهبه.
وبحسب شهادته، أبلغه أحد المحققين لاحقا بعدم وجود تهمة أو شكوى مسجلة بحقه في الحاسوب.
وعن ظروف احتجازه، قال: “التعذيب كان بالكلاب البوليسية والقنابل الصوتية وإطلاق النار بالذخيرة الحية”.
وأضاف أن اثنين من المعتقلين الذين كانوا معه قُتلا بإطلاق النار، وتحدث عن صب المياه على المحتجزين وهم بملابس قصيرة وإدخال كلاب بوليسية إلى أماكن احتجازهم.
وأكد أن: “حالة اغتصاب صارت بالسجن”.
ولا تزال آثار تلك الفترة ظاهرة على جسده، وفق قوله، كما تحدث عن معاناته من حالة نفسية مزمنة بدأت في أثناء الاعتقال.
وتحول سجن (أبو غريب) غربي بغداد إلى أحد أبرز رموز الانتهاكات المرتبطة بالوجود العسكري الأميركي، عقب الكشف عام 2004 عن صور أظهرت تعذيبا وإذلالا وإساءة معاملة لمعتقلين عراقيين على أيدي عسكريين أميركيين.
انتهاء مهمة التحالف
أما المسار العسكري الذي انتهت مهمته رسميا الأربعاء، فيعود إلى عام 2014، حين تشكل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بعد سيطرة “داعش” على مساحات واسعة من العراق وسورية.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2017، أعلن العراق استعادة كامل أراضيه من التنظيم، قبل أن تتركز مهمة التحالف لاحقا على مجالات بينها التدريب والمشورة والدعم.
وفي أيلول/ سبتمبر 2024، أعلنت بغداد وواشنطن ترتيبات مرحلية لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف والانتقال إلى شراكات أمنية ثنائية.
وأعلن رئيس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة، علي فالح الزيدي، الأربعاء، انتهاء مهمة التحالف رسميا، وفق بيان صدر عن مكتبه الإعلامي.
وأكد أن ذلك “لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره”.
وبينما ينتهي إطار مهمة التحالف، تبقى حرب 2003 والاحتلال وما ارتبط بهما من أحداث مسارا تاريخيا مختلفا، إذ لا تزال شهادات عراقيين مثل جميل ومجلي توثق آثاره الشخصية بعد أكثر من عقدين.

