| الصحافة الاسرائيلية- الملف اليومي
افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
يديعوت احرونوت 7/9/2026
الدرس الأهم من أحداث 7 أكتوبر
بقلم: يوسي يهوشع
بعد ثلاث سنوات من أحداث 7 أكتوبر، يُدخل الجيش الإسرائيلي سلسلة طويلة من التغييرات على مفهومه الأمني، وجاهزيته العملياتية، وبناء قواته. المزيد من القوات، والمزيد من الاحتياطيات، والمزيد من العمق، والمزيد من المعلومات الاستخباراتية، والمزيد من القوة النارية، والمزيد من التدريبات المصممة لاختبار الجيش في سيناريوهات ينجح فيها العدو في مباغتته.
لكن قبل الانبهار بهذه القائمة، يجب التذكر بحقيقة بسيطة: قبل ثلاث سنوات، كان الجيش الإسرائيلي أحد أقوى جيوش العالم، يمتلك أحد أكثر أجهزة الاستخبارات تطورًا، وقوة جوية جبارة، ووحدات خاصة، وحاجزًا متطورًا، ووسائل رصد وتكنولوجيا لا تنقصه. ومع ذلك، في 7 أكتوبر، انهار كل شيء.
لذا، فإن اختبار التغييرات التي يعرضها الجيش الإسرائيلي اليوم لا يكمن في عدد الوحدات الجديدة التي تم إنشاؤها أو عدد المواقع الأمامية التي تم بناؤها. الاختبار الحقيقي سيكون في المرة القادمة التي يحاول فيها العدو مباغتة إسرائيل. هل سيتنبه الجيش هذه المرة في الوقت المناسب، وهل ستصل القوات بشكل أسرع، وهل ستفهم القيادة الوضع في الوقت المناسب، وهل سيتم اتخاذ القرارات قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة؟
هذا هو المنطق الكامن وراء أحد الدروس الرئيسية التي يقودها رئيس الأركان إيال زامير: ليس فقط محاولة منع المفاجأة، بل القدرة على القتال حتى عند حدوثها. قد يبدو هذا بديهيًا، ولكنه في الواقع تغيير جوهري. لسنوات، بُني مفهوم الدفاع على مزيج من الإنذار الاستخباراتي، والعوائق، والاستخبارات، والتفوق التكنولوجي. أثبت السابع من أكتوبر قصور هذا المفهوم. لم تكن المشكلة تكمن فقط في غياب الإنذار، بل كانت هناك مشكلة أعمق: لم يكن الجيش مُهيأً بشكل صحيح لاحتمالية ألا يكون السيناريو الذي بُني عليه هو السيناريو الذي سيحدث بالفعل.
يحاولون الآن معالجة هذا الوضع من خلال رفع مستوى اليقظة والاحتياط، وإجراء تدريبات مفاجئة، ومحاكاة سيناريوهات بالغة الخطورة، وتقليص أوقات الاستجابة، وإعداد خطط إطلاق النار مسبقًا. ولكن هنا أيضًا، يجب توخي الحذر: فقد يتدرب الجيش على عنصر المفاجأة عشرات المرات، ومع ذلك يُفاجأ بشيء لم يتوقعه.
لا ننتظر وصول العدو إلى السياج الحدودي
يُعبّر عن هذا التغيير بشكل مختلف في كل قطاع. ففي غزة، انتقل الجيش الإسرائيلي من مفهوم الدفاع عن الحدود إلى مفهوم تشكيل الفضاء خارجها. بعد وقف إطلاق النار وانتهاء عملية مركبات جدعون، يسيطر الجيش الإسرائيلي على ما يقارب 64 في المئة من أراضي قطاع غزة. فهو يسيطر على الطرق السريعة، ويدير نقاطًا أمامية ومواقع دفاعية، ويواصل جهوده لتحديد مواقع البنية التحتية تحت الأرض وتدميرها في المناطق الخاضعة لسيطرته. يُعد هذا تحولًا جذريًا مقارنةً بمفهوم السنوات التي سبقت 7 أكتوبر. ففي ذلك الوقت، كان يُفترض أن يدافع الجيش الإسرائيلي عن الحدود، وأن يدخل قطاع غزة عند الضرورة. أما اليوم، فيشكّل الحفاظ على الأراضي الواقعة خارج الحدود ومنع حماس من إعادة ترسيخ وجودها بالقرب منها جزءًا هامًا من مفهوم الدفاع. ولكن هنا أيضًا، لا يقتصر السؤال على مساحة الأراضي التي يتم السيطرة عليها، بل يتعداه إلى مدة الحفاظ عليها، والتكلفة، ومستوى القوة البشرية اللازمة.
في لبنان، يكمن الدرس في تعزيز العمق. يعمل الجيش الإسرائيلي حاليًا انطلاقًا من مبدأ أنه ليس من الصواب انتظار قوات الرضوان أو قوة حزب الله النارية قرب الحدود. وقد أُنشئت منطقة أمنية تمتد لعشرة كيلومترات تقريبًا، إلى جانب أنشطة تهدف إلى إبعاد التهديد ومنعه من إعادة ترسيخ وجوده. وهنا أيضًا، يُعد هذا تغييرًا جوهريًا: فبدلًا من أن تكون المستوطنات خط الدفاع الأول، يُفترض أن تكون المنطقة الواقعة وراء الحدود هي خط الدفاع الأمامي.
في سوريا، بُنيت منطقة أمنية أعمق، تصل إلى حوالي 15 كيلومترًا، انطلاقًا من فهم أن التهديد لا ينتهي عند السياج الحدودي. بعد سقوط نظام الأسد والتغيرات الإقليمية، كان على الجيش الإسرائيلي إعادة النظر في الوضع السوري واحتمالية ظهور تهديدات جديدة منه. كان الهدف من قرار السيطرة على الأراضي وتعزيز العمق هو منح الجيش الإسرائيلي الوقت الكافي للرد ومساحة أكبر للعمليات. ولكن هنا أيضًا، ثمة ثمن واضح. فكلما زادت مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الجيش في قطاعات متعددة، زادت القوات التي يتعين عليه نشرها والاحتفاظ بمزيد من الاحتياطيات.
في الضفة الغربية، التغيير هو من نوعٍ آخر. فقد تحوّل الجيش الإسرائيلي هنا بشكلٍ كبير من التركيز على مكافحة الإرهاب المباشرة إلى عمليات تهدف إلى تفكيك البنى التحتية الإرهابية ومنع إعادة بنائها. وأصبحت العملية في جنين وطولكرم ونور شمس حملةً أكثر استدامة، مع نشر قواتٍ واسعة النطاق وتغيير في الواقع العملياتي في مخيمات اللاجئين. كما يعكس إضافة رئيس الأركان مقر فرقةٍ إضافية إلى الضفة الغربية هذا التغيير. الآن، في غزة ولبنان والضفة الغربية، تعمل فرقتان بدلاً من فرقةٍ واحدة، وفي الضفة الغربية، لم تعد هذه الجبهة كما كانت قبل 7 أكتوبر. فقد خلق حجم السكان والمساحة والتهديدات والنشاط العملياتي حاجةً إلى قوةٍ وقيادةٍ على نطاقٍ مختلف.
وتتكرر الفكرة نفسها في جميع الجبهات: عدم انتظار وصول العدو إلى السياج أو المستوطنة، بل محاولة خلق مساحةٍ يمكن من خلالها تحديد موقعه وإيقافه والتصدي له قبل وصوله.
لكن هنا تحديدًا، يجب أن نتوقف ونتساءل عن الثمن. زيادة العمق تعني زيادة القوات. زيادة المواقع الأمامية تعني زيادة القوى البشرية. زيادة الاحتياط تعني زيادة عدد جنود الاحتياط. زيادة القدرة الهجومية تعني زيادة التسليح والاستخبارات والميزانية. وهذه إحدى التناقضات الكبرى التي تواجه الجيش الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب. فمن جهة، يرغب في توفير المزيد من القوات في كل جبهة. ومن جهة أخرى، يواجه استنزافًا غير مسبوق ونقصًا حادًا في القوى البشرية.
نظرة نقدية على التغييرات
يمتد التغيير أيضًا إلى هيكلة القوة. فقد تم وضع أطر عمل جديدة، وإضافة كتائب ووحدات رد فعل سريع، وقدرات حوامات وطائرات مسيرة، وتوسيع قدرات جمع المعلومات وإطلاق النار، وبناء أطر عمل تهدف إلى توفير مزيد من القوة داخل الجبهات نفسها. أُضيف نحو 40 ألف جندي احتياطي إلى القوى العاملة منذ بداية الحرب، وأُعيد توزيع عشرات الآلاف منهم، كما أُضيف نحو 30 كتيبة إلى القوات القتالية، ومُدّدت الخدمة الإلزامية إلى 32 شهرًا.
هذه قائمة مُبهرة. ولكن هنا أيضًا، يجب أن نتذكر ما وراء الإنجازات. فالجيش الإسرائيلي قبل السابع من أكتوبر لم يكن مُهيأً ببساطة للحرب التي دخلها. أجبرته ثلاث سنوات من الحرب على تعزيز قوته، وتوسيع نطاق الخدمة، وزيادة الاحتياط، وإنشاء وحدات لم تكن موجودة من قبل. بعض هذه الخطوات نتاج نجاحات وتجارب، وبعضها الآخر تصحيح لثغرات لم تظهر إلا بعد اندلاع الحرب.
لذا، من السابق لأوانه الحديث عن مفهوم أمني جديد كمنتج نهائي. ما يحدث اليوم هو في الواقع محاولة جادة من الجيش الإسرائيلي لإعادة بناء نفسه. جيش قادر على التعامل مع عنصر المفاجأة، ومع حرب متعددة التهديدات، ومع الأعداء الذين يحاولون مهاجمة الجبهة الداخلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الأراضي المحتلة لفترة طويلة، وضمان كفاءة القوات.
إن أهم درس مستفاد من أحداث السابع من أكتوبر ليس مجرد الحاجة إلى المزيد من الدبابات أو الجنود أو المواقع الأمامية، بل هو ضرورة ألا ينخدع الجيش بتصوراته المسبقة. قبل ثلاث سنوات، كان الجيش الإسرائيلي واثقًا من معرفته التامة بطبيعة الحرب، لكن العدو أثبت خطأه. لذا، يجب اليوم أيضًا النظر إلى هذه التغييرات بعين ناقدة. فإلى أن تصمد أمام اختبار المفاجأة القادمة، لا سبيل لمعرفة ما إذا كان هذا تغييرًا جذريًا أم مجرد تصحيح لأخطاء الحرب السابقة.
في نهاية المطاف، لا يُختبر أي مفهوم أمني بالوثائق أو العروض التقديمية أو عدد الوحدات المُنشأة، بل يُختبر في اللحظة التي تُشير فيها المعلومات الاستخباراتية إلى شيء، ويُقدم العدو شيئًا آخر، ويتعين على النظام بأكمله استيعاب هذا التغيير في غضون دقائق. وهنا تحديدًا فشل الجيش الإسرائيلي قبل ثلاث سنوات. وهذا هو بالضبط المكان الذي سيتعين عليه فيه أن يثبت أنه قد تعلم هذه المرة.
——————————————
إسرائيل اليوم 7/10/2026
تشريح الفشل الاستخباري في 7 اكتوبر
بقلم: المقدم احتياط اور هورفيتس: رئيس فرع حزب الله سابقا في شعبة الاستخبارات وزميل كبير في معهد سياسة الشعب اليهودي
لم تتفاجأوا أنتم فقط في ذاك الصباح المرير والعاصف قبل ثلاث سنوات. انا أيضا، رغم أني كنت أخدم في ذاك اليوم كضابط كبير في شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” التي كانت تعنى بساحة لبنان. في أسوأ كوابيسي لم اصدق بان مثل هذا الامر يمكن أن يتحقق: ان تخرج حماس الى هجوم مفاجيء، وجهاز الامن فشل في مهمته الأكثر أساسية – الدفاع عن مواطني إسرائيل.
ان الفجوة التي بين قوة إسرائيل وعمق الفشل كانت بالنسبة لي أمر لا يمكن فهمه، وقد بعثت بي الى رحلة أصبحت هوسا: أن أفهم ما حصل لاسرة الاستخبارات التي هي موضع حسد دول العالم. كيف فوتت الاستخبارات الإسرائيلية استراتيجية حماس، استعداداتها للهجوم وقدرتها على تنفيذها؟ كيف لم تفهم بان المنظمة ترى في الهجوم المفاجيء شرطا للحرب ضد إسرائيل؟ ومثلما في التحقيق في حوادث الطيران، هنا أيضا تنكشف سلسلة مواضع خلل تراكمت لتصبح نتيجة كارثية كان يمكن منعها.
يكمن الجواب أولا وقبل كل شيء في “نسيان التاريخ”، القريب والبعيد. فقد نظرت اسرة الاستخبارات الى الامام وليس الى الوراء وفوتت الدروس الكثيرة التي توجد في الماضي. قوى عظمى لا تكون منيعة أمام هجمات مفاجئة، لا يوجد خط دفاع لا يمكن اختراقه، والعدو يقاتل مثلما تدرب.
لقد نبع الإخفاق أيضا من سوء فهم طبيعة حماس – التي تطرفت جدا بعد صعود السنوار الى الحكم. فقد اقتنعت أسرة الاستخبارات بان المنظمة تفضل الحفاظ على حكمها والدفاع بالقدر الممكن عن سكان غزة، بينما كان السنوار مستعدا لان يضحي بالحكم وبعشرات الاف الفلسطينيين من أجل ايديولوجيته الاجرامية واللاسامية. وبالتوازي تطور في إسرائيل تقدير ناقص لقدرات حماس. سمعت بنفسي أصوات رأت في رجاله “فلسطينيين اغبياء” يعرقلون الانشغال بالتهديد الأساس – المحور الشيعي.
أما السنوار – تلميذ كاذب للمجتمع الإسرائيلي – فقد شخص الاستخفاف واستغله جيدا. وترجم جهاز الامن نفسه هذا المفهوم الى توزيع مقدرات: هكذا مثلا حيال لبنان سادت منافسة بين الأجهزة على التقديرات الاستخبارية، فيما أنه في المجال الغزي اعتمد الفهم على حفنة أجهزة واشخاص.
الغاء أراء خارجية
سادت المنظومة أيضا الفرضية بان حربا مبادرا اليها من اعدائنا خرجت من القاموس بسبب عظمة قوة إسرائيل. حروب الحاضر اعتبرت كنتيجة محتملة لخطأ في حسابات العدو او دينامية التصعيد، لكن ليس هجوما واسعا ومخطط له. وعليه فقد اعتبرت خطة حماس لاحتلال غلاف غزة كخيالية: فاي عدو سيتجرأ على شن مثل هذه العملية امام إسرائيل الجبارة؟
كما أن اسرة الاستخبارات انطوت داخل نفسها واستصعبت الانصات لاصوات أخرى. جندت أشخاصا ممتازين لكنهم يشبهون الواحد الاخر جدا، وأصبحت تراتبية ومعلبة. أصوات شككت بالمفهوم السائد دحرت مرات عديدة، واراء من الخارج اصطدمت بالاستخفاف. وكانت الرسالة واضحة: ما الذي يفهمونه؟ فهم ليسوا خبراء مثلنا. وهكذا استصعبت المنظومة بناء أدوات تسمح لها بالتشكيك بمفاهيمها.
وانضمت الى هذا مشكلة مدى المعلومات: فأسرة الاستخبارات تتلقى كل يوم وابلا عظيما من المعلومات يصعب جدا فيه ترشيح الضجيج، فهم ما هو الصحيح وما هو غير الصحيح، ورفع اعلام حمراء، في ظل مليارات القطع من المعلومات، المؤشرات الدالة ابتلعت في ضجيج المعلومات بعد أن اعترضها. تلك الوفرة من المعلومات قدمت هي الأخرى لمن آمن بان حماس مردوعة أدلة عززت مفهومه. “الانسان يسمع ما يريد ان يسمعه ويتجاهل ما تبقى”، غنى سايمون وغرفونكل. ومع ثورة المعلومات، بات هذا اسهل بكثير.
سياقات العمل تآكلت: فقد قدست المنظومة النجاعة والسرعة على حساب الجذرية وأهملت سياقات عمل اعتبرت “سارقة وقت”. مثل حفظ المعلومات واستخلاص الدروس. كان ينبغي لاسرة الاستخبارات ان تعمل كصناعة الطيران مع طبقات من الزوائد في ضوء شدة الخطر، وبدلا من ذلك تصرفت وكأن الخطر هو تقرير فصلي سلبي وليس كارثة استراتيجية.
تشوش عملية اتخاذ القرارات
بعض من المشكلة نبع من التعلق العميق لدى اسرة الاستخبارات بعدد محدود من مصادر المعلومات وفي وحدة 8200 بخاصة. فقد تجاهلت الاسرة التوصية الأساس لكل مستثمر في سوق المال بتنويع الاستثمارات وأدمنت على نوع معين من المصادر، التي اعتبرتها مصادر تصف بشكل مطلق العالم كله.
في داخل مثل هذا الفكر، يمكن فهم الاستخفاف بتقارير مجندات المراقبة او التجاهل التام لنشر شريط يسجل مناورة حماس في 12 أيلول 2023 والتي تصف بدقة تقشعر لها الابدان ما سيحصل بعد ثلاثة أسابيع من ذلك. لقد كانت هذه بالضبط مصادر المعلومات القديمة التي اعتبرت في أسرة الاستخبارات غير ذات صلة.
كما أن دور الاستخبارات في عملية اتخاذ القرارات تشوش. فبدلا من مساعدة أصحاب القرار على التذكير بالمستقبل أصبحت مثابة بلورة تنبؤ قدمت يقينا كاذبا. فقد طلب المستوى السياسي والمستوى العسكري الكبير أجوبة قاطعة وكانت الاستخبارات يسرها توفيرها. وكان الاتفاق غير المكتوب واضحا: الواقع كله هو ما تعرضه الاستخبارات وما لا يظهر في عروضاتها – ليس موجودا.
ولعل نقطة الضعف الأخطر منها جميعا كان الايمان بان الاستخبارات الإسرائيلية ورجالها هم الأفضل في العالم. فقد سكرت شعبة الاسخبارات “امان” من نجاحاتها وبدأت تؤمن بجملة المدائح التي تلقتها. “نجعل الأفضل أفضل بكثير”، هذا كان الشعار الذي رافق على مدى السنين خطة “حفتسلوت”، خطة العلم لشعبة الاستخبارات التي خدمت فيها. في مثل هذه الثقافة كيف سيعرف الأفضل كيف يستمعون لاراء أخرى، ان يشككوا أو يجادلوا في مفاهيمهم هم أنفسهم؟
ان محاولات تعليق هذه الكارثة الرهيبة بمفهوم مغلوط (لم يكن) او باهمال (لم يكن) تفوت الحقيقة المقلقة: الفشل مغروس عميقا في الثقافة التنظيمية، في مبنى وفي أساليب عمل أسرة الاستخبارات الإسرائيلية وهو نتيجة مباشرة لمشاكل عميقة لم تعالج على مدى السنين. اسرة الاستخبارات، التي حققت إنجازات استثنائية في هذه الحرب ملزمة بان تجتاز تغييرا جذريا يجعلها اكثر مناعة أمام مفاجآت مستقبلية.
ينبغي لهذا التغيير أن يبدأ بلجنة تحقيق رسمية تفحص عموم الإخفاقات، منظومة العلاقات بين أجهزة الاستخبارات وبينها وبين المستويين العسكري والسياسي وتوصي بكيفية إصلاحها. هذا واجبنا الأسمى تجاه مواطني إسرائيل وتجاه من ضحوا بكل شيء في الحرب. اعداؤنا يتعلمون منذ الان دروس 7 أكتوبر – والسؤال هو هل سنفعل نحن أيضا الامر ذاته.
——————————————
هآرتس 7/10/2026
رغم وصول خطة هجوم حماس مسبقا، استخف قادة الجيش والشباك والحكومة بالخطر
بقلم: عاموس هرئيلِ المحلل العسكري لصحيفة هآرتس
بعد مرور ثلاث سنوات بالضبط على ذلك يوم السبت، ما زال هجوم حماس على بلدات الغلاف والمواقع العسكرية في قطاع غزة لغز محير. كان الهجوم غير مسبوق في نطاقه، وعكست نتائجه الكارثية حجم فشل قوات الامن وانظمة الدولة والحكومة. وفي اعقاب ذلك دخلت اسرائيل الى حرب لم يتم حسمها ولم تنته في أي جبهة. حتى قوة الضربات الشديدة التي وجهتها لاعدائها لم تنقذها من المازق الاستراتيجي الذي وجدت نفسها فيه، ولم تقم بشفاء جراح ذلك اليوم.
كان الاسم الذي اختارته حماس لخطة هجومها، “طوفان الاقصى”، مناسب، للاسف. فقد رأى يحيى السنوار ومحمد ضيف وعدد قليل من المسؤولين الكبار في الجناح العسكري الذين شاركوا في التخطيط سرا في الهجوم، تسونامي سيخترق السدود التي بنتها اسرائيل حول قطاع غزة – الجدار الامني والعائق تحت الارض، ويغرق بلدات الغلاف. الفكرة الاساسية بدأت في التشكل بعد بضع سنوات على عودة السنوار الى القطاع من السجن الاسرائيلي في العام 2011، عندما تم اطلاق سراحه في صفقة شليط. وفي الاعوام 2016 – 2021 قامت هذه المجموعة الصغيرة باعداد عشر صيغ للخطة العملياتية، 6 من بينها تم اعتراضها من قبل شعبة الاستخبارات العسكرية. في الجيش اطلقوا عليها اسم “سور اريحا”، لكن لم يتم بذل الا القليل جدا لاحباطها اثناء تنفيذها.
يعود الاهمال الكبير في معظمه الى ظاهرة يصفها البعض بتسامح “فشل التصور”. فقد فشل معظم افراد الاستخبارات المعنيين في معرفة مستوى جدية حماس في خططها، وانها ستنفذها عندما تسنح لها الفرصة، واتخذوا موقفا متعجرفت تجاه هذه المنظمة الارهابية واستخفوا بقدراتها، وقالوا ان التفوق الاستخباري والتكنولوجي لاسرائيل سيضمن لها الانذار الكافي للاستعداد.
ادرك آلاف المشاركين في المذبحة – حيث قال وزير الدفاع اسرائيل كاتس امس ان 4 آلاف من اصل 6 آلاف ارهابي ومدني شاركوا فيها تم قتلهم بالفعل على يد اسرائيل – الرؤية العملياتية للمخططين بدقة. ففي غضون 15 – 30 دقيقة تم اختراق الجدار في اكثر من 100 نقطة على طول الحدود، وتسلل المهاجمون الى البلدات والمواقع العسكرية (التي لم يتم بناءها كقواعد محصنة ومعدة لمواجهة أي هجوم). ووجدت القوة المدافعة، قليلة العدد، نفسها في وضع يفوقها فيه العدو من ناحية العدد بشكل كبير، بنسبة 7: 1 أو 8: 1 في اماكن كثيرة. ورغم قتالهم ببسالة واجهوا صعوبة كبيرة في وقف المذبحة.
لان الوحدات التي تمت مهاجمتها تفاجأت تماما، فقد قضى معظمها ساعات في محاولة صد المهاجمين من داخل المواقع العسكرية، وعجزت عن مساعدة البلدات التي اوكلت اليها حمايتها. وعندما بدأ الجيش الاسرائيلي بالتعافي وارسل تعزيزات للجنوب ظهرت مشكلات اخرى. فقد قامت حماس، التي كانت كما قيل على اهبة الاستعداد، بتحليل نقاط الضعف على الطرق الرئيسية ونصب الكمائن. فاجأت حماس القوات المتقدمة والحقت بها خسائر فادحة، وادت الفوضى التي سادت المنطقة وتردد القادة احيانا، الى تاخير كبير في وصول القوات الى البلدات. وظهر السؤال الاكثر شيوعا وايلاما في 7 اكتوبر، وهو أين الجيش الاسرائيلي؟ طرح هذا السؤال آلاف المرات في مكالمات هاتفية يائسة وفي مجموعات الواتس اب في الكيبوتسات. وفي اكثر من مرة كتبته امهات باصابع دامية، وهن يكافحن على ابواب الغرف الامنة في البيوت على امل انقاذ اولادهن.
قرأت مؤخرا افضل شرح موجز للفوضى والغموض التي سادت المعركة في ذلك الصباح، بعد اكثر من سنتين ونصف على الهجوم، في ورقة بحث قصيرة كتبها الرائد أ، وهو ضابط في لواء غولاني. كان أ. يتعلم في الجامعة في وقت الهجوم، وتم استدعاءه الى الغلاف في ذلك اليوم. الكتيبة 51 والكتيبة 13 في لوائه، التي نشرت سراياها على طول خط المواجهة، شاهدت أشد يوم في تاريخ غولاني. فقد قتل 73 من جنودها واصيب المئات. وها انا انقل اليكم كلماته بموافقته.
كتب أ: “لقد عشت الاحداث من خلال الفضاء التكتيكي. لا اكتب بصفتي باحث خارجي، بل بصفتي شخص واجه المفاجأة في وقتها. ومن هذا الموقع بالتحديد يمكن للمرء ان يدرس كيف ينهار مفهوم معين على ارض الواقع، حتى قبل انهيار النظام باكمله. في الصباح الباكر في 7 اكتوبر وجدت نفسي اتحرك، وانا مسلح واحاول استيعاب ما اشاهده. لم تكن صدمة بالمعنى العاطفي، فالخوف يأتي بعد ذلك. كانت اللحظة الاولى مختلفة كليا – الشعور بالتناقض. لم تكن الاحداث حولي تتناسب مع أي نمط اعرفه. لم يعد هذا حدث غير عادي أو اختراق لمرة واحدة. كان من الواضح ان هناك شيء اكبر بكثير يحدث، لكن الكلمات والمفاهيم التي كانت لدي لم تكن كافية لوصفه.
“بصفتي ضابط مقاتل، تطورت مهنيا في نظام يدرب على السيناريوهات: عمليات تسلل، مواجهات، تصعيد واطلاق صواريخ. كل شيء مالوف ومنظم وموجه باجراءات. مع ذلك، في ذلك الصباح انهارت الانماط في الزمن الفعلي، ليس بسبب عدم وجود اجراءات، بل لان الواقع تجاوز الحدود المعقولة التي كنا نعمل بحسبها. لحظة عدم التصديق تلك ليست فقط تجربة شخصية، بل هي نقطة محورية لفهم المفاجأة. لم يكن 7 اكتوبر فقط فشل استخباري أو عملياتي، بل كان فشل معرفي. فلم تتم ترجمة المعلومات المتراكمة الى تحطيم نمط معين، حتى مع بدء الحدث استغرق الامر وقت حتى ينتقل النظام على كل المستويات من افتراض ان ما يحدث هو “حدث استثنائي، لكنه مالوف” الى الادراك بأنه حملة واسعة النطاق”.
نظرة الى الوراء والى المستقبل
عند النظر الى الوراء شرقا، من الموقع العسكري الذي تم بناءه حديثا على تلة علي منطار في شرق مدينة غزة باتجاه الحدود الاسرائيلية القريبة، يصبح من الاسهل فهم ما حدث هنا وما تغير منذ ذلك الحين. على اليسار تظهر بوضوح هوائيات معسكر ناحل عوز، الذي سيطرت عليه حماس في ذلك الصباح. قتل هناك 53 جندي ومدني في معركة المعسكر وتم اختطاف 10 اشخاص، عاد 7 اشخاص منهم من القطاع على قيد الحياة. نفذت العملية التي اعدتها حماس للسيطرة على المعسكر بدقة متناهية.
يقول العقيد عيدو كاتس، الضابط الذي قاد تحقيقات الجيش الاسرائيلي في معركة المعسكر: “كنت في قوة الكوماندو البحرية مدة 18 سنة، وربما لم يسبق لي الاطلاع على ملف عملية مشابه في نطاقه وعمقه للخطط التي اعدتها حماس للسيطرة على المعسكر. فقد شنوا عملية استخبارية خاصة ضدنا. هذا امر يثير الانطباع ومؤلم”.
على يمين المعسكر تظهر بيوت كيبوتس ناحل عوز بوضوح. في صباح المذبحة لم يقاتل للدفاع عنه الا عدد قليل من الجنود ومن اعضاء قوة الانقاذ. لم تسمح المعركة التي تجري في المعسكر القريب بتقديم المساعدة للكيبوتس في الساعات الاولى. قتل 15 شخص في الكيبوتس وتم اختطاف 8 الى قطاع غزة، واطلق سراح 6 منهم على قيد الحياة. عاد معظم السكان للعيش هناك في السنة الماضية، لكن اعمال اعادة الاعمار ما زالت تجري على قدم وساق. ومثلما هي الحال في بلدات اخرى على الخط الاول في الغلاف، استمرت زراعة الحقول طوال فترة الحرب حتى آخر دونم قرب الجدار.
سلسلة تتكون من 40 موقع اقامها الجيش الاسرائيلي تفصل اليوم بين سكان الغلاف وبين مخربي حماس، خلافا للوضع قبل 7 اكتوبر. وقد اقيمت معظم هذه المواقع على طول التلال التي تعرف باسم تلة 70، على بعد كيلومتر تقريبا داخل قطاع غزة. وتستمر الحرب، حتى لو كان بوتيرة اقل شدة مقارنة مع الماضي، لكنها تتركز الان بشكل اساسي داخل القطاع. وتتناقض عمليات اعادة الاعمار واسعة النطاق في الطرف الاسرائيلي بشكل صارخ مع ما يحدث في الطرف الفلسطيني. فقد تم تدمير حي الشجاعية قرب التلة بشكل كامل، واضطر معظم سكانه الى مغادرته، باستثناء مئات رجال المليشيات وعائلاتهم الذين يتعاونون مع اسرائيل.
في المقابل، قال رؤساء المجالس الاقليمية في الغلاف ان حوالي 90 في المئة من السكان عادوا الى بيوتهم. ومن المرجح ان معظم من يترددون في العودة لن يعودوا. في المقابل، هناك الكثير من العائلات التي اختارت الاستقرار هناك بالتحديد بعد المذبحة. يستند قرار العودة ايضا الى الامل في ان يكون الجيش الاسرائيلي قد تعلم الدرس. والى جانب تعزيز قواته في قطاع غزة، فقد حسن استعداداته بشكل يصعب على حماس تكرار نجاحها. لكن الشكوك والتساؤلات ما زالت قائمة. فكل من انتظر مرة واحدة في الغرفة الامنة لساعات كثيرة جدا لن يثق بشكل اعمى بأداء الجيش في المستقبل.
مسرحية “عمليات بسيطة” على مسرح “هبيما” تعود الى احداث ذلك الصباح. تركز المسرحية على حياة عائلة في احد كيبوتسات الغلاف في الاشهر التسعة في اعقاب الانقلاب النظامي والاحتجاجات التي سبقت المذبحة. وقد احسن الكاتب المسرحي الشاب في “هبيما” يوتم غوتال صنعا عندما اختار انهاء احداث المسرحية عشية 7 اكتوبر. يغادر المشاهدون المسرح بدون معرفة مصير الشخصيات بعد بضع ساعات. ولكن الشعور بالاختناق يزداد مع تقدم احداث المسرحية. وعندما يظهر عنوان فرعي على الشاشة بتاريخ 6 تشرين الاول، يسمع صوت بكاء الجمهور. عشية الانتخابات للكنيست بعد اقل من ثلاثة اسابيع يبدو ان نفس الشعور المشؤوم الذي رافق المراحل الاخيرة في المسرحية قد عاد ليحلق في الاجواء.
——————————————
معاريف 7/10/2026
عندما يكون مجرد وجود العدو يمنع الإعلان عن النهاية من الصعب جدا انهاء الحرب
بقلم: آنا برسكي
بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، يحيى السنوار لم يعد موجودا، حسن نصرالله لم يعد موجودا، نظام بشار الأسد انهار وايران تعرضت للهجوم في قلبها. الجيش الإسرائيلي يحوز أراض في غزة، في لبنان وفي سوريا، وحزب الله وحماس تعرضا لضربات كان صعبا تخيلها في صباح المذبحة.
ومع ذلك، فان الحرب التي بدأت في ذاك الصباح لم تنتهي بعد. حماس لم ينزع سلاحها، في غزة لم يقم حكم آخر، الأعداء المتبقون يستخلصون الدروس منذ الان – وبعد ثلاث سنوات من الإخفاق الأكبر في تاريخ الدولة، فان إسرائيل لم تشكل حتى لجنة تحقيق رسمية تحقق فيها. اثبتت بانها تعرف كيف تغير ميزان القوى لكنها لا تزال لم تقرر أي واقع يفترض أن يبقى عندما تنتهي الحرب.
المنظمات والدول التي تعرضت لهذه الضربات نجت. ايران، حزب الله وحماس يعملون على ترميم قدراتهم. كما أن انعدام التنسيق في 7 أكتوبر تم تعلم درسه. السنوار فاجأ إسرائيل بل وحتى بعضا من شركائه، ومس بقدرتهم على تنفيذ هجوم مشترك. من ناحية المحور، فان المفاجأة الهائلة التي حققتها حماس لم تستغل لهجوم منسق بكل القوة في عدة جبهات في الوقت نفسه. ليس لإسرائيل ما يدعوها لان تفترض بان مثل هذا الفشل سيكرر نفسه، اذا ما جاءت المرة التالية. هذه الحرس يدرسونها من على جانبي الحدود.
في غزة يمكن أن نرى جيدا ما الذي تغير وما الذي بقي على حاله. الجيش الإسرائيلي يستولي اليوم على نحو 64 في المئة من القطاع، يستخدم فيه فرقتين ونحو 30 استحكاما. خطوط الدفاع تغيرت من الأساس.
حماس تعاني من نقص في الذخيرة، يصعب عليها تدريب رجالها وتفقد نشطاء وقادة. في الشهر الأخير فقط صفي، حسب مصادر الامن، 70 نشيطا وبينهم ثلاثية قادة الوية. من شرقي الخط الأصفر تقام قناة وكثبان رملية ضد المركبات وتنفذ حفريات للعثور على انفاق تجتاز الى أراضي إسرائيل.
حماس، رغم كل هذا، لا تزال هناك. هي تتحكم باجزاء من القطاع وتدير نحو عشرات الاف النشطاء. نحو 600 شاحنة تدخل الى القطاع كل يوم. كل البضاعة تمر عبر كرم سالم وتفحصها إسرائيل، لكن بعد دخولها تسيطر عليها حماس، تنقلها الى التجار وتجبي الضرائب. وهكذا تواصل جني المال حتى من المساعدات التي تدخل باذن إسرائيلي.
في جهاز الامن يشددون على ان هذا المال لا يعيد حماس الى وضعها العسكري عشية الحرب: النقص في السلاح، في المواد الخام وبالقدر على تدريب القوات يقيد تعاظمها. لكنه بالفعل يساعد المنظمة على الإبقاء على رجالها ومواصلة حكمها.
يبدو الدفاع عن الحدود اليوم مختلفا تماما عما كان في 7 أكتوبر. في الجانب الثاني منها لم يبنى بعد ترتيب يمكنه أن يمنع حماس من إعادة النمو. طالما لا توجد جهة أخرى قادرة على ان تحمل الصلاحيات المدنية وقوة الانفاذ يمكن لإسرائيل أن تواصل اضعاف حماس لكن ليس في ذلك بحد ذاته يضمن ان أحدا آخر يحتل مكانها.
هذه الصعوبة ترافق أيضا المحاولة لتجنيد دول في المنطقة لمستقبل غزة. فاعمار القطاع يستوجب جهازا سلطويا، جهة تتحمل المسؤولية وعنوان يمكنه أن يفرض تجريد حمكاس من السلاح.
بدون عنوان سلطوي وبدون جهاز قادر على الوقوف في وجه حماس على مدى الزمن، فان الإنجاز العسكري يتآكل. فالفراغ في غزة ليس مفهوما نظريا. حماس لا تزال تجبي الضرائب، تفعل عشرات الاف الأشخاص وتحمل السلاح. حتى وهي ضعيفة اكثير بكثير مما كانت فهي تبقى جهة سلطوية في الميدان. في مثل هذا الوضع من الصعب جدا تنمية بديل لها.
زمن محدود
الحرب إياها التي غيرت ميزان القوى في المنطقة غيرت أيضا مكانة إسرائيل في العالم. فقد خرجت من 7 أكتوبر كضحية المذبحة الأصعب في تاريخها، وبعد ثلاث سنوات من ذلك تجد نفسها في مواجهات حادة حتى بعد حلفاء قدامى. الازمة الحالية مع بريطانيا حول قرار إسرائيل اغلاق القنصلية البريطانيا في شرقي القدس والتهديد البريطاني لخطوات مضادة هي مثال على ذلك. وبالتوازي، فان الحرب ضد ايران جسدت لدول المنطقة عمق القدرة العسكرية الإسرائيلية.
ومع ذلك، فالثمن يبدو ملموسا في الداخل أيضا. وعلى حد قول مصدر امني رفيع المستوى، فانه منذ اليوم نجد ان معظم مقاتلي الاحتياط خدموا اكثر من 500 يوم احتياط منذ 7 أكتوبر. في جهاز الامن يقولون انه في 2027 ستكون حاجة لتقليص مدى الاحتياط وتقليل القوات في الأماكن التي يمكن عمل ذلك فيها. في نفس الوقت، فان أزمة تجنيد الحريديم بقيت مفتوحة. الحرب الطويلة في عدة ساحات تستند المرة تلو الأخرى على جمهور الخادمين إياه، بينما الصراع لتوسيع أساس الخدمة عالق.
كلما مر الوقت يتحول قانون التجنيد من مشكلة ائتلافية الى مسألة تتعلق بالقدرة على تنفيذ مفهوم الامن الجديد. فاذا كانت قاعدة الخادمين ليست كبيرة فان توسيع المهام يقع مرة أخرى على كاهل رجال الاحتياط إياهم ويثبت في نهاية الامر حدا عمليا لمدة الوقت الذي يمكن فيه الإبقاء على تواجد عسكري واسع في بضع جبهات.
يميز الجمهور جيدا بين إنجازات في ميدان المعركة وبين النتيجة التي تحققت حتى الان. في استطلاع خاص لمعهد بحوث الامن القومي نشر في 25 أيلول 2026 قبيل الذكرى الثالثة للحرب وفحص مواقف الجمهور الإسرائيلي فان 27 في المئة فقط قدروا بان إسرائيل انتصرت في الحرب في غزة. 61 في المئة اعربوا عن الرضى من إدارة الجيش للحرب في غزة مقابل 34 في المئة فقط اعربوا عن رضاهم من إدارة الحكومة لها. 59 في المئة قدروا او كانوا واثقين من أن حدثا على طراز 7 أكتوبر قد يقع مرة أخرى في السنوات القريبة القادمة من حدود غزة.
المعطى الأخير صعب على نحو خاص: بعد ثلاث سنوات من القتال لا تزال اغلبية الجمهور غير مقتنعة من أن الكارثة لا يمكن ان تتكرر والفجوة بين 61 في المئة ممن هم راضون عن أداء الجيش وبين 27 في المئة يعتقدون ان إسرائيل انتصرت في غزة تدل على أن تقديرا إيجابيا لاداء الجيش لا يتماثل في نظر الجمهور واحساس النظر في الحرب.
الجمهور ينتظر الدولة
بعد نحو ثلاثة أسابيع سيتوجه الجمهور إياه الى صندوق ا لاقتراع. لأول مرة منذ المذبحة يمكنه أن يقدم لهذا الحساب تعبيرا سياسيا. سيعنى التصويت بالطبع بالاقتصاد، بالدين والدولة، بالتجنيد وبهوية الحكومة التالية. لكن 7 أكتوبر يرافق الجميع. وهو يوجد في مسألة من هو المسؤول عما حصل. من إدار على نحو صائب السنوات التالية لذلك ومن هو القادر على منع المرة التالية؟
يعود نتنياهو الى الملعب الذي بنى عليه قسم كبير من حياته السياسية – الامن، ايران، الأعداء من الخارج وصورته كدرع إسرائيل. غير ان هذه المرة 7 أكتوبر يوجد في وسط ا لملعب. خصومه، وعلى رأسهم جادي آيزنكوت يأتون مع خلفيتهم الأمنية، ويحاولون صرف الجدال من استخدام القوة الى الدروس من الفشل الذي أدى الى المذبحة.
غير ان الجمهور مطالب بان يحسم حتى قبل ان تكون الدولة استكملت استيضاح الفشل. وهكذا يصل الائتلاف والمعارضة الى الانتخابات وهما منقسمان حتى في مسألة من يحقق في الكارثة التي يفترض بالجمهور ان يحكم عليها. الناخب سيكون مطالب بان يقرر موقفه من مسألة المسؤولة حتى قبل أن تتشكل الهيئة التي يفترض بها أن تجمع المادة، ان تستدعي أصحاب القرار وان تبلور النتائج.
يفترض بلجنة التحقيق أن تفحص أيضا كيف بقيت مفاهيم تجمدت دون أن ينجح احد في التشكيك بها في الوقت المناسب. وبات الامر ذا صلة بخاصة لانه بعد 7 أكتوبر بدلت إسرائيل بين ليلة وضحاها مفهوم الامن بمفهوم آخر. الاحتواء، التسوية والردع اخلوا مكانهم للمبادرة، التصفيات، الاستيلاء على الأرض ومنع تعاظم القوى.
الحرب نفسها أثبتت منذ الان ان العدو يحتمل ضربة قاسية في القيادة، في القوة وبالبنى التحتية ويواصل الوجود ويحاول إعادة البناء. عندما يكون مجرد وجود العدو يمنع الإعلان عن النهاية من الصعب جدا انهاء الحرب. إسرائيل ستكون مطالبة بان تواصل العمل ضد محاولات تعاظم القوة، لكن عليها أيضا ن تعرف ما الذي يعتبر من ناحيتها إنجازا كافيا. بدون مثل هذا التعريف، كل قدرة متبقية لدى العدو تصبح سببا لمواصلة الحرب، وكل محاولة من جانبه لاعادة البناء تعيدها الى جولة أخرى.
لقد تعرضت حماس وحزب الله لضربات قاسية. ايران هوجمت وإسرائيل اثبتت في السنوات الثلاثة الأخيرة قدرة عسكرية اساء اعداؤها تقديرها في 7 أكتوبر. بعد كل هذا تعود المسؤولية لطاولة الحكومة. عليها أن تقرر أي واقع تريد ان تبقيه في غزة، أي تسوية إقليمية تسعى لان تبنيها وكم من الوقت يمكن مواصلة القتال دون تحديد نقطة نهاية.
يمكن للجيش الإسرائيلي أن يعرض بدائل، ان يستولي على الأرض، ان يحبط تعاظم القوة وان يكسب الوقت. ماذا نفعل بالزمن الذي اكتسب وما الذي ينبغي أن يكون هناك عندما تتقلص القوات هي القرارات التي لا يمكن للمستوى السياسي أن ينقلها الى الجيش. يمكن حفظ الإنجازات لسنة أخرى بالقوة ونبقى دون جواب على سؤال ما الذي يفترض أن يأتي بعدها. ففي الجانب الاخر يستخلصون الدروس من ثلاث سنوات الحرب. اما في إسرائيل، عشية الانتخابات فلم تحسم بعد حتى مسألة من سيحقق كيف بدأت.
——————————————
هآرتس 7/10/2026
سلوك نتنياهو طوال الحرب حقفف البقاء السياسي لحكومته بتكلفة باهظة
بقلم: سامي بيرتس
لن يسمح العالم لاسرائيل باستئناف الحرب في غزة بعد اعادة الرهائن – هذه هي الكذبة الكبيرة التي استخدمها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو للتملص من اتفاق شامل لاعادة الرهائن. كان هذا هو المبرر لقراره عقد صفقات جزئية في عملية بطيئة لم تنته الا بعد ان قرر الرئيس الامريكي دونالد ترامب دعم اتفاق اعادة الرهائن بكل ثقله. وكرر سكرتير مجلس الوزراء يوسي فوكس هذه الكذبة في هذا الاسبوع، بادعاء في تغريدة له في “اكس” بان اعادة كل الرهائن في مرحلة مبكرة كانت ستمنع اسرائيل من العودة الى الحرب.
مع مرور الوقت يتبين ان الامر لم يكن فقط كذبة، بل لم يحقق أي شيء الا استقرار الائتلاف وضمان بقائه – وهو ما كان هدف نتنياهو الحقيقي. وقد تحقق هذا بثمن باهظ.
قال الجنرال احتياط نيتسان الون، قائد قيادة اسرى الحرب والمفقودين في الاسبوع الماضي في مؤتمر في واشنطن انه كان يمكن اعادة كل المخطوفين قبل سنة من موعد عودتهم بدون ان يؤثر ذلك على نتيجة الحرب. واشار ايضا الى انه “كان يمكن انقاذ المخطوفين الذين قتلوا بتلك الطريقة. لقد فوتنا هذه الفرصة”.
كانت كذبة نتنياهو واضحة. ففي قناته المحلية اوضح المعلقون والمذيعون ان صفقة الرهائن التي ستؤدي الى وقف اطلاق النار ستسقط الحكومة، لذلك فانه يجب الترويج فقط لصفقات جزئية. هذا الامر ازعج نتنياهو، وليس الخوف من الضغط الدولي الذي قد يمنع استئناف القتال ضد حماس. وهناك دليل على ذلك. فرغم اعادة كل المخطوفين – بعضهم قتل – يواصل الجيش الاسرائيلي عملياته في غزة بدون انقطاع. فهو يشن غارات يومية على الارهابيين ويقضي عليهم، ويستخدم كميات هائلة من النيران. حتى ترامب فقد الاهتمام بما يحدث في غزة، وهذا ما يسمح للجيش الاسرائيلي بالعمل هناك بدون انقطاع.
ضغوط دولية؟ بالتاكيد، هناك ضغوط، لكن نتنياهو اكثر قلقا بشان الضغوط الداخلية التي تهدد حكمه. تواجه اسرائيل تهديدات غير مسبوقة لعلاقاتها مع اهم دول اوروبا، وكذلك مع الولايات المتحدة. وتتعرض لانتقادات شديدة بسبب سياستها، لا سيما في الضفة الغربية. تسعى 12 دولة اوروبية الى فرض عقوبات غير مسبوقة على الشركاتالاسرائيلية التي تعمل في المستوطنات، بما في ذلك البنود وشركات البناء. قد يلحق تنفيذ هذه الخطة ضرر كبير باقتصاد اسرائيل. ينبع غضب اوروبا من الارهاب اليهودي المستعر في الضفة الغربية، ومن لامبالاة الحكومة. ينظر الى بعض اجزاء الحكومة على انها تشجع هذا الارهاب الذي يعتبر جزء من خطة الحسم لبتسلئيل سموتريتش، مع سيطرة ايتمار بن غفير على الشرطة ولواء شاي، الذي دوره هو علاج موضوع المشاغبين، وبخطوات وزير الدفاع اسرائيل كاتس الذي الغى الاعتقال الاداري، وهكذا المح للمشاغبين بان لديهم دعم من الحكومة.
ان تجاهل الحكومة للضغوط الدولية للتحرك ضد المخلين بالقانون يشير الى انها لا تهتم بالرأي العالمي، بل تهتم برأي قاعدتها الشعبية فقط. وليس فقط الرأي العام لا يهمها، بل ايضا الاضرار المحتمل بالمنظومة المصرفية التي تمول البناء في الاراضي المحتلة، التي قد تضرر بسبب العقوبات التي تفرضها بريطانيا ودول اخرى. ان فرض عقوبات على النظام المصرفي يعني شل الاقتصاد، وقد تكون عواقب هذه الخطوة وخيمة.
الخلاصة هي ان سلوك نتنياهو طوال الحرب كان ثابتا. فكل ما يهدد بقاء الحكومة يعطى الاولوية على أي مصلحة اخرى. هكذا تم اهمال المخطوفين وتجميد افكار استبدال نظام حماس في غزة – الذي ما زال الجهة الحاكمة هناك – وهكذا يستمر الارهاب اليهودي في الضفة الغربية بدون رادع، وهكذا تم الترويج لقوانين تهرب الحريديين من الخدمة، وهكذا اصبحت اسرائيل منبوذة في الدول المهمة التي تنتقد سلوك الحكومة في غزة وفي الضفة الغربية. لقد تم تحقيق البقاء السياسي بتكلفة باهظة.
——————————————
هآرتس 7/10/2026
إسرائيل تطلعت لتغيير إقليمي لكنها بقيت في مدرج المشاهدين
بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس
قال الملاكم مايك تايسون ذات مرة “يوجد لكل شخص خطة، حتى يتلقى لكمة على وجهه”. دخلت اسرائيل الحرب على غزة قبل ثلاث سنوات، بعد ضربة قاسية تسببت باسوأ كارثة منذ اقامة الدولة. ذهبت الى هناك باهداف غير مكتملة، لكن برغبة جامحة في الانتقام. دم حوالي 1200 اسرائيلي قتلوا لم يبرد بعد. وستبقى ندب القتل والاغتصاب والاختطاف واحراق البيوت والشعور بالفشل والابادة منقوشة في تاريخ البلاد الى الابد. اصبح آلاف القتلى والجرحى والمعاقين جسديا وعقليا، والايتام والارامل، منذ ذلك الحين ركائز المجتمع الاسرائيلي ما بعد الحرب، ليس كنصب تذكارية، بل كاساس حي لمجتمع ما زال يجهل الحقيقة الكاملة عن تاثير العاصفة الشديدة التي كادت تدمره، وربما لن يعرفها أبدا.
الحرب لم تنته حتى الان، وما زالت الحكومة نفسها المسؤولة عن الدمار في السلطة، يعتقد الكثير من الوزراء البارزين فيها ان هذا زمن المعجزات، وتحقيق لرؤية الدولة اليهودية الموعودة، وان الحكومة وناخبيها سيبذلون قصارى جهدهم لضمان استمرارها في قيادة الدولة. عاد المخطوفون، احياء واموات، الى بيوتهم أو الى قبورهم في ارض اسرائيل، لكن البلاد ما زالت اسيرة عصابة لا تعرف القيود. انها عصابة متوحشة حولت دولة رائدة ونموذج يحتذى به في مجالات كثيرة، الى حصن منيع ومعزول في العالم. مواطنوها منبوذون وغارقون في سم الاكاذيب التي تعدهم بالنصر الساحق.
لم يختف الغرور والغطرسة التي نشأت وتغلغلت في ظل الهزيمة النكراء، بل يبدو أنه ازدادت حدتها. يصعب احصاء عدد المرات التي وعد فيها الزعيم الاعلى بـ “تغيير وجه الشرق الاوسط”، وقد حدث تغيير بالفعل، لكنه لم يكن التغيير الذي طمحت اليه اسرائيل. ان سجل المكاسب العسكرية حافل بانجازات استثنائية. وتزخر “السجلات” باسماء قادة وجنرالات وعلماء ومسؤولين كبار ونوابهم، الذين تم القضاء عليهم بقنبلة أو صاروخ في غزة وفي لبنان وفي ايران. لقد ارتكبت العبقرية العملياتية والاستخبارية “خطأ” في 7 اكتوبر، لكنها تداركت الامر واستعادت الوعي وحققت لنا الانتصارات. تم اقصاء علي خامنئي وحسن نصر الله واسماعيل هنية مع سلالاتهم، عن مسرح التاريخ. تم تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الايرانية بالتعاون مع الولايات المتحدة وتم تدمير قطاع غزة بشكل شبه كامل، وقتل اكثر من 73 ألف شخص من سكانه، بما في ذلك آلاف الارهابيين. ويحاصر 2 مليون شخص في خيام وسط انقاض بيوتهم، ومحرومين من الخدمات الانسانية الاساسية، وبدون أي امل بحياة طبيعية تليق بشعب “لا يوجد فيه ابرياء”. ولكن كل هذا لا يحقق التغيير الجيوسياسي والتاريخي الذي كان من المفروض ان تحدثه هذه الحرب، والذي كان يمكن ان تحدثه. ففي كل جبهة من الجبهات التي شنت اسرائيل الحروب عليها، وما زالت، تكمن امكانية حقيقية لضعضعة الانظمة السياسية، ووضع اسرائيل في مكانة افضل واكثر امنا، وبناء علاقات تعوضها عن الكارثة. ولكن اسرائيل تغلق هذه الفرصة باحكام.
يعتبر لبنان مثال بارز على دولة تشبه علاقة مفاتيح معلق عليها عدة قنوات سياسية متكاملة. فاذا كانت السعودية قبل الحرب هي التي وقفت على بعد خطوة قبل التوقيع على اتفاق التطبيع مع اسرائيل، فقد برز لبنان كدولة قررت بشجاعة ترجمة الضعف الكبير لحزب الله وتصفية قادته على يد اسرائيل الى فرصة سياسية لها. يعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ومعظم اعضاء الحكومة وشريحة واسعة في الشعب اللبناني عن دعم سياسة “احتكار الحكومة للسلاح”، الذي يعني نزع سلاح حزب الله. وترتبط هذه السياسة بشكل وثيق باعلان عون انهاء حالة الحرب مع اسرائيل، والتوصل بعد ذلك الى اتفاق سلام. وهذه هي المرة الاولى التي تتخذ فيها حكومة لبنانية معترف بها، وليس حكومة دمى برئيس معين، مبادرة من شأنها ان تمنح اسرائيل تحالف مع دولة معادية.
ايضا لبنان ليس مثل دولة الامارات أو البحرين أو المغرب، التي لم تحارب اسرائيل ولا تربطها معها حدود مشتعلة. صحيح ان نقاط ضعف لبنان وجيشه معروفة، الا ان الامر لا يقتصر على ضعف الجيش نفسه الذي يصعب عليه مواجهة حزب الله بالقوة. فقد مر لبنان بصدمة وطنية تمثلت في حرب اهلية دموية استمرت 15 سنة، شكلت سلوكه السياسي والدبلوماسي. خلال السنوات الـ 36 التي مرت منذ انتهاء الحرب الاهلية اتيحت للبنان فرص غير قليلة للانزلاق الى حرب داخلية جديدة، ولكنه استطاع ان يشق لنفسه مسارات بديلة ويحافظ على استقرار نسبي.
كان الثمن الذي دفعه، وما زال يدفعه، باهظا. فقد نشأت فيه مرتين دولة داخل دولة. الاولى فلسطينية والثانية بنيت بجهود ايران وحزب الله. هذه الخلفية المعقدة والمتشابكة هي التي تدفع الحكومة، التي تفضل التفاوض مع حزب الله حول نزع سلاحه، الى الحذر وعدم مواجهة الحزب مباشرة خشية من اندلاع حرب اهلية تدمر البلاد. ايضا توضح هذه الخلفية عظمة وجرأة الخطوة التي اتخذتها الحكومة ورئيسها عندما قاموا بانكار، للمرة الاولى، مكانة حزب الله كعامل محوري في مفهوم الامن القومي، وبالتالي، شرعية السلاح الذي يمتلكه.
اضافة الى ذلك وصف لبنان حزب الله كعامل يهدد أمنه وسيادته. وبدون قول ذلك بصراحة، فقد اعتبره منظمة انفصالية تخريبية تعمل لصالح دولة اجنبية، بل ان خطوة لبنان “تجرأت” على البدء في حل العقدة الشائكة التي تربط لبنان بايران. ايران نفسها التي فرضت على الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بـ “وحدة الساحات” عندما طلبت منه الزام اسرائيل بوقف اطلاق النار الذي يشمل كل لبنان، وجدت نفسها امام مسار موازي سارت فيه حكومة لبنان مع اسرائيل، وهو المسار الذي تجاوز املاء ايران بشكل واضح.
هكذا، انضم لبنان الى الواقع الجديد الذي نشأ في سوريا. استغل احمد الشرع الذي اسقط نظام الاسد بسرعة كبيرة، الفرصة التي سنحت له بعد اعدام قيادة حزب الله في لبنان. ومثلما في لبنان ادت الحرب في قطاع غزة ايضا الى اختراقة تاريخية، ليس فقط لسوريا، بل لكل المنطقة، ولا سيما لاسرائيل. فقد تم اقصاء ايران عن احد معاقلها السياسية واللوجستية التي كانت تمكنها من الحفاظ على خط مباشر بين طهران وبيروت وتعزيز حزب الله والسيطرة على لبنان بواسطته. ادرك الشرع، الذي اثبت انه رجل دولة محنك، حجم الفرصة التي سنحت له. فالعلاقات السياسية والشخصية التي اقامها بسرعة مع محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، ودعم تركيا العسكري والسياسي له، وتمويل قطر ودولة الامارات له، كل ذلك جعله شخص مقرب من الرئيس ترامب. ما زال الرئيس السوري لا يسيطر على كل اجزاء بلاده حتى الان. فجيشه ما زال قيد الانشاء والبنية التحتية العامة بحاجة الى عشرات مليارات الدولارات، والانقسامات الاجتماعية والطائفية تحتاج الى سنوات للتعافي، اذا امكن ذلك أصلا.
لكن الشرع يعرض على اسرائيل شراكة عملية، ليست سلام، بل ترتيبات امنية ووقف فعلي للاعمال العدائية، التي قد تتطور الى اتفاق سلام مقابل انسحاب اسرائيل من هضبة الجولان. وللمرة الاولى تظهر سوريا استعدادها لتفكيك حزمة علاقاتها مع اسرائيل الى بنود واقعية غير مشروطة ببعضها البعض.
في اسرائيل، وفي الغرب بشكل عام، يستخدم مصطلح المحاور بكثرة، “المحور الشيعي”، “محور الشر”، “المحور الموالي لامريكا” وغيرها من المحاور التي تعبر عن مصالح يتوقف وجودها على ثمن وجودها. هذا مصطلح مضلل حتى عندما يتعلق الامر بمحور الساحات الذي انشأته ايران. ولكن اذا لم يكن أي مفر من استخدامه فان سوريا ولبنان هما مثال على محور جديد معادي لايران بشكل صريح، يمكن تسجيله في سجل التحولات الاستراتيجية التي شاهدها الشرق الاوسط نتيجة حرب غزة.
للاسف، يواجه لبنان وسوريا، رئيس حكومة اسرائيلية، في ظروف اخرى يمكن وصفه بانه يعاني من قلق سياسي. قائد يخشى اللحظة التي تستنفد فيها قدرة القوة العسكرية على احداث التغيير، ويصبح مطالب باظهار قدرته الدبلوماسية والسياسية لتحقيق اهدافه. يبدو ان بنيامين نتنياهو لا يعاني من هذا العيب. فبالنسبة لشخص يعتبر نفسه “قائد من نوع آخر”، ساحر يسيطر على خيوط المؤامرات والفوضى، يجب ان تكون السياسة هي مجاله المفضل. لكن عندما يتعارض بقاءه السياسي مع الحاجة الى السياسة، وعندما تشكل موجة الايديولوجيا القومية والعنصرية والايديولوجية والمسيحانية ركيزته، تصبح التحركات السياسية تهديد وخطر حقيقي. الحرب المستمرة، اذا لم تكن الابدية، هي بالنسبة له الخيار السياسي الوحيد الممكن. حسب رأيه، هذه مسألة وجودية بالنسبة له، وليست للدولة. ثمن ذلك، وهو ارواح البشر والاموال فقط، اقل ما سيدفعه الى سار في المسار السياسي الذي قد يقوض أسس البنية السياسية التي يزدهر فيها.
النتيجة هي ان نتنياهو يواجه الان واقع مهد فيه الطريق لتغييرات في الشرق الاوسط، لكن هذه التغييرات تسير في دوائر مستقلة، وكأنها حركة طاردة مركزية اخرجت اسرائيل منها بشكل قسري. تحركات اسرائيل في لبنان وفي سوريا يتم املاءها من قبل الرئيس ترامب، الذي يستمع جيدا لآراء الزعماء العرب. ايضا مستقبل غزة سيتم حسمه في البيت الابيض. اسرائيل لا تعتبر جزء في أي تحالف أو أي تحالف اقليمي، سواء كان عسكري أو سياسي. والاسوأ من ذلك هو انه تتنافس مع ايران على لقب “الدولة الاخطر في الشرق الاوسط”.
الان “القضية الايرانية” التي بنى عليها نتنياهو مسيرة دولية واقليمية مدهشة، افلتت من يديه. ربما تكون اسرائيل قد قضت على القيادة الايرانية، لكن حلم اسقاط النظام الذي سوقته للرئيس ترامب تحول الى كابوس. النظام الايراني لم ينجو فقط، بل ان قيادته الجديدة، الاكثر تطرفا وتشددا، ما زالت تملي شروط الحرب المستمرة منذ سبعة اشهر بدون نهاية تلوح في الافق. لقد لحقت بايران اضرار جسيمة، فاقتصادها مدمر وبنيتها التحتية متهالكة وقدرتها العسكرية متضائلة بشكل كبير، ايضا سيطرتها على مضيق هرمز تتلاشى، والنفط يخرج من الخليج بكميات تشبه الكميات التي كانت تسوق قبل الحرب.
مع ذلك، ما زالت ايران تشكل تهديد عسكري وسياسي. فهي تمتلك 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة. والدول العربية التي كانت تعد لتشكيل محور مناهض لايران مع اسرائيل، تبادر فعليا الى القيام بتحركات دبلوماسية مع طهران، في حين اصبحت اسرائيل متفرجة فقط.
بدأ الشرق الاوسط في تغيير وجهه، لكن ليس بالطريقة التي خططت لها اسرائيل. تمتلك اسرائيل قوة عسكرية كبيرة جدا، وهي قادرة على تغيير سير المعركة. ولكن المزيد من القرارات التي ستحدد مستقبل المنطقة يتم اتخاذها بدونها أو بمعزل عنها. اسرائيل التي سعت الى ان تكون صاحبة القرار في تشكيل الشرق الاوسط الجديد، تكتشف انها تحولت من دولة تفرض التغيير الى دولة مطالبة بالتكيف مع واقع يتم املاءه عليها من قبل الآخرين؟
——————————————
يديعوت احرونوت 7/10/2026
لم يتبقى مكان للخيال
بقلم: افي يسخاروف
في أيار 2023، عقب الهجوم على مفترق مجدو الذي نفّذه حزب الله، اجتمعت القيادة السياسية والأمنية لمناقشة ملابسات الحادث. وخلال الاجتماع، صرّح رئيس قسم الأبحاث في الاستخبارات العسكرية آنذاك، العميد الراحل عميت ساعر، بأن “المفهوم حدّ من الخيال”، في إشارة إلى فشل إسرائيل في إحباط الهجوم رغم المعلومات الاستخباراتية المبكرة التي كانت بحوزتها حول نوايا حزب الله. لم يتخيل ساعر، الذي يُعتبر من أبرز خبراء الاستخبارات في الشأن الفلسطيني، والذي أمضى معظم حياته المهنية ضابط استخبارات يتعامل مع غزة والضفة الغربية، مدى أهمية تصريحه بالنسبة للساحة التي أتى منها، ومدى عجزه، شأنه شأن العديد من زملائه في الاستخبارات، وبالطبع في الأوساط السياسية، عن إدراك حجم التهديد الهائل الذي كان يلوح في الأفق لدولة إسرائيل، وتحديدًا في قطاع غزة، في مواجهة ما كان يُعتبر أضعف خصومها – حماس.
كان للمفهوم الذي اعتبر حماس مردوعًة وخصمًا مفضلًا من وجهة نظر إسرائيل شركاء كثر. في مقدمتهم، الطبقة السياسية، وعلى رأسها حكومات بنيامين نتنياهو. فقد شرّع نتنياهو حكم حماس في قطاع غزة، وسمح لها، عبر سياسات واستراتيجيات تبدو اليوم قاتمة، بالنمو والتوسع، بل والحصول على دعم من دولة إسرائيل في تعزيز نفوذها، من خلال تحويل أموال قطرية إلى قطاع غزة. هذا المفهوم، الذي صاغه وزير مالية نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش، بعبارة “حماس هي ذخر”، يرى أن من الأفضل لإسرائيل التعامل مع حماس في قطاع غزة، بدلاً من احتمال سيطرة السلطة الفلسطينية وحركة فتح على غزة، الأمر الذي قد يؤدي (بحسب وجهة النظر) إلى ضغط سياسي على إسرائيل للمضي قدماً في اتفاق سلام مع الفلسطينيين.
أتيحت لإسرائيل فرص عديدة للقضاء على حماس خلال العقد الذي سبق أحداث 7 أكتوبر، لكنها اختارت عدم القيام بذلك. كان من الممكن أن توفر عمليتا “الجرف الصامد” عام 2014 و”حارس الأسوار” عام 2021 لإسرائيل مبرراً حقيقياً لمهاجمة حماس وقطاع غزة والقضاء عليها عسكرياً، حين لم يكن لديها رهائن أحياء، باستثناء أبراهام منغستو وهشام السيد. لكن نتنياهو كان دائماً يفضل وقف إطلاق النار، وإنهاء القتال، وإبقاء حماس في السلطة. كان النهج السياسي لنتنياهو، الذي شجعته المؤسسة الأمنية وقاده بنفسه، يقوم على فكرة أن حماس لا ترغب في صراع، وأنها مترددة في خوض حرب مع إسرائيل، وأنها مهتمة عمومًا بتحسين الأوضاع المدنية والاقتصادية في قطاع غزة لترسيخ سيطرتها عليه. ولذلك، كان من الأفضل لإسرائيل دفع “أموال خاوة”، أي تحويل أموال إلى غزة لتهدئة الأوضاع هناك، ولتكون مثابة حافز لإسكات حماس.
لقدأدى خوف إسرائيل الشديد من صراع عسكري، وتفضيل نتنياهو لحماس، إلى قرار السماح لقطر بتحويل 30 مليون دولار نقدًا إلى حماس شهريًا، أو 360 مليون دولار سنويًا، في حقائب. دعمت المؤسسة الأمنية هذا القرار لفترة، ولكن خلال عام 2019، بدأت الأدلة تتراكم لدى الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) على أن هذه الأموال تصل إلى الجناح العسكري للحركة وتُستخدم لتقويته. ورغم هذا الكشف المقلق، واصل نتنياهو نهجه، وأمر باستمرار تحويل الأموال إلى غزة.
وبالطبع، لا ينتهي فشل القيادة السياسية عند هذا الحد. كانت حكومات نتنياهو هي التي سمحت لمنظمتين إرهابيتين، حزب الله وحماس، بتعزيز نفوذهما قرب حدود إسرائيل وخلق تهديد دائم ومباشر لها. يُضاف إلى ذلك الفشل العسكري والاستخباراتي – خطيئة الغطرسة والغرور – الذي يُفترض بموجبه أنه لا توجد فرصة لأن تُقدم حماس أو حزب الله على أي تحرك عسكري واسع النطاق ضد إسرائيل دون علم الاستخبارات الإسرائيلية المسبق.
في الوقت نفسه، ولا سيما فيما يتعلق بالوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة، واصلت الحكومة الإسرائيلية اتخاذ إجراءات استفزازية ضد الفلسطينيين، وخاصة فيما يتعلق بتغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، وهي إجراءات شجعت حماس على شن هجوم. تشير الوثائق التي تم ضبطها في غزة إلى أن ما اعتبره الفلسطينيون وحماس هجمات متكررة على المسجد الأقصى دفع حماس إلى إعلان الحرب على إسرائيل. لعبت حكومة نتنياهو بالنار وظنت أنها قادرة على السيطرة عليها، تمامًا كما ظنت أن الدعم المالي لحماس سيجلب السلام.
لم تسمح إسرائيل لحماس بالنمو فحسب، بل سمحت لها أيضًا بتنفيذ خطة تضليل واسعة النطاق، مما عزز هذا المفهوم. لسنوات، رسّخت حماس في إسرائيل انطباعًا بأنها غير مستعدة للمواجهة: فحتى عندما هاجمت إسرائيل حركة الجهاد الإسلامي، امتنعت حماس عن استئناف الأعمال العدائية. وحرصت الحركة على إيصال رسائل لا حصر لها تُفيد برغبتها في الحصول على المزيد من الأموال من قطر و/أو المزيد من العمال من غزة للعمل في إسرائيل، كل ذلك لإيهام القيادات السياسية والعسكرية بأن لديها جهةً تتفاوض معها داخل حماس.
وعلى الصعيد العملياتي، لم يكن التضليل أقل أهمية: فقد أوهمت حماس الجانب الإسرائيلي بأنه يُركّز على محاولات حفر أنفاق داخل إسرائيل، بينما كانت تُعدّ خطة غزو مُرعبة فوق الأرض. ركّزت إسرائيل على خطر الأنفاق، بينما كانت حماس تُخطّط لاختراق السياج.
يُمثّل فشل السابع من أكتوبر فشلًا عسكريًا واستخباراتيًا غير مسبوق، ولكنه نتاج مفهوم سياسي راسخ. بعد ثلاث سنوات، تتضح صورة ما حدث ليلة السابع من أكتوبر والليلة التي سبقتها: لم تكن هناك أعمال مُتعمّدة أو مؤامرة، كما يُحاول أتباع نتنياهو الادعاء. ارتكب القادة، كبارًا وصغارًا، أخطاءً كثيرة، نبعت أساسًا من المفهوم نفسه وكيف قضى على الإبداع. ولعلّ أكبر إخفاقات الحكومة الإسرائيلية هو استمرار حكم حماس في غزة بعد ثلاث سنوات من أحداث 7 أكتوبر.
إن مسؤولية نتنياهو وحكومته عن أكبر كارثة في تاريخ الشعب اليهودي منذ المحرقة مطلقة وكبيرة. ويُضاف إلى ذلك الفشل الذريع: فبعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، لا تزال حماس تسيطر على غزة.
——————————————
هآرتس 7/10/2026
7 أكتوبر يكشف عن “الهوة الوجودية”… الكيان الإسرائيلي يتآكل
بقلم: أسرة التحرير
تاريخ الدولة والحاضرة العبرية مزروع على طول هياكل الحروب والهجمات والكمائن المفاجئة والعمليات المضادة المختلفة والمتنوعة بقدر ما يسمح الخيال؛ من تفجير باصات، عبر جرات غاز مشتعلة وحتى اختطاف طائرات وتهديدات نووية. ولا حدود لإبداع النوايا المبيتة لما قد يقع على شريط المس بإسرائيل، هذه الدولة التي يعدّ الدفاع عن نفسها وانتظار الكارثة التالية جزءاً من تعريفها.
مهما كانت صادمة تلك الهزات التي تعرضنا لها في ما يسمى “حروب إسرائيل”، “ميزان الدم” أو “إدارة النزاع” أي النزعة الأمنية”، فبفضل غلاف الكبت الاضطراري، والرغبة في الحياة الطبيعية، وإحساس “معا” والأمل شبه المسيحاني لـ “حل” مستقبلي ما يبنى أو يفرض أو يأتي من تلقاء ذاته، فكلها معاً خلقت نوعاً من طبقة الدفاع التي وإن لم تكن إلا طلاء رقيقاً، لكنها تمنح أيضاً وهم بالمناعة وتتيح حياة مع إحساس ما بالمستقبل.
أحداث 7 أكتوبر التي أتمت ثلاث سنوات، تختلف اليوم عن سابقاتها في نطاقها وجرأتها وانفلات عقالها وعمق الإخفاق الاستخباري، وفي أن إسرائيل وصلت إليها وهي مغطاة بطبقة المناعة إياها. فعلى مدى السنين، تكبدت القوى المناهضة لإسرائيل والمقاومة للحياة الطبيعية برئاسة وقيادة نتنياهو بمثابة نزعة تدمير تعود إلى علم النفس أكثر منها إلى السياسة، تكبدت عناء التقشير والتعرية بمنهاجية للإسرائيليين من كل طبقات الدفاع والقوة لديهم بتمسك شبه مهووس ولم يتركوا من الكيان الفاعل والإبداعي هذا إلا جماعة أهلية يهودية خائفة ومعزولة مثلما في حلمهم. غيتو إسبرطيّ، السور فيه يحمي بلاط الحاكم أساساً.
تكبدت القوى المناهضة لإسرائيل والمقاومة للحياة الطبيعية برئاسة وقيادة نتنياهو بمثابة نزعة تدمير تعود إلى علم النفس أكثر منها إلى السياسة
في هذا الوضع من الانكشاف والتجرد، تجسد في 7 أكتوبر أشد كوابيسنا: ليس فقط انهيار الحدود، ولا مظاهر البربرية والإجرامية لأعدائنا، ولا قِصر يد سياسي وعسكري واستخباري، بل انكشفت الهوة الوجودية نفسها، تلك التي كانت مكبوتة بمنهاجية تحت ستار من الرفض والقصور الذاتي. هذه هوة ليس فيها تسويات سياسية، مصالحة، سلام، ترتيب أو إبداع سياسي ما، ولا حتى حياة ليست إسبرطية. وليس هذا فقط، بل هي هوة تتعمق منذ ثلاث سنوات تتعمق، وما تبقى من الكيان الإسرائيلي يُهاجم باستمرار، ليس من الخارج فحسب بل من الداخل أيضاً وببأس أكبر، لدرجة الرغبة في إفنائه (انظر أقوال الحاخام دوف لاندو، أول أمس).
كيف تسد الهوة؟ نجمع الحصى للتغطية؟ ننتظر حراكات تكتونية؟ هل ستثور طاقة مضادة عشية الانتخابات؟ وما قوتها؟ مهرجو الأجيال قالوا دوماً “ابقوا على اليأس، ستحتاجونه يوماً”. حتى هذا نفد. إذن، ربما ثمة أمل، لا مفر؟
——————————————
يديعوت 7/10/2026
هل تتكرر انتخابات 1996؟
بقلم: نافيه درومي
مرّت ثلاثة أعوام على “مجزرة” السابع من تشرين الأول، وتغيّر الكثير؛ تغيّرت حياة آلاف العائلات، وحدود دولة إسرائيل، ووضع أعدائها، وقدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وكذلك الوعي الإسرائيلي؛ ووضعنا اليوم لا يشبه إطلاقاً وضعنا في السابع من تشرين الأول.
لكن لا يمكن الكتابة عن السابع من تشرين الأول من دون التطرق إلى الانتخابات المقبلة، وهناك لم يتغيّر الكثير.
اللاعبون الموجودون على الساحة هم اللاعبون أنفسهم الذين كانوا جزءاً من التصور الذي ساد قبل السابع من تشرين الأول، وهُم جميعاً متأثرون، بدرجات متفاوتة، بالمفاهيم الخاطئة التي أدت إلى “المجزرة”.
نتنياهو، كرئيس للحكومة، وآيزنكوت، كرئيس أركان سابق، وبينت ولابيد، كرئيسَي حكومة سابقَين لم يغيّرا شيئاً في التصور السائد، وليبرمان الذي كان وزيراً للدفاع وعضواً في المجلس الوزاري الأمني أعواماً، وغيرهم.
لكن يبدو أن الناخبين أنفسهم لم يكونوا ينتظرون بفارغ الصبر شخصيات جديدة لتظهر على الساحة، وإلّا، كيف يمكن تفسير أن مبادرات جديدة، مثل مبادرة غلعاد أردان ويولي إدلشتاين، لم تنجح؟ وأن فينتر يتأرجح حول نسبة الحسم؟ فأردان وفينتر، على حد سواء، لا يرتبطان إطلاقاً بإخفاقات السابع من تشرين الأول، ومع ذلك، لم يتدفق الناخبون نحوهما بأعداد كبيرة، وربما تكمن الإجابة في جوهر الأمر.
كان من المفترض، ظاهرياً، أن يكون السابع من تشرين الأول العامل الذي يحسم الانتخابات.
ومن وجهة نظر اليسار، ربما تذهب المقارنة إلى الانتخابات التي جرت بعد اغتيال رابين، حين كان معسكر السلام مقتنعاً بأن نتنياهو سيخسر الانتخابات.
كان من غير المعقول، في نظرهم، أن يفوز نتنياهو، “الشيطان الأكبر”، على شمعون بيريس بعد حدث كهذا، لكن في النهاية، الحقيقة على الأرض هي التي حسمت الأمر.
لولا الاغتيال، ربما كان نتنياهو سيفوز بفارق أكبر، لكن تأثير اتفاق أوسلو، والمعارضة الشعبية الشديدة، والحساسية تجاه مصطلح “ضحايا السلام”، ورفض تطبيع “الإرهاب”، هي الأمور التي حسمت النتيجة، وفاز نتنياهو.
لماذا؟ الأمر بسيط جداً: لأن الجمهور كان خائفاً على حياته، ومن المرجح أن يكون الخوف نفسه على الحياة عاملاً مؤثراً في الانتخابات المقبلة أيضاً. ولهذا السبب يحاول كلّ مرشح أن يميّز نفسه، أو أن يضع نفسه، أو خصمه، في موقع معيّن، فيما يتعلق بـ”المجزرة”، لكن المواقف الأمنية بينهم مختلفة.
يقول نتنياهو عن نفسه إنه تغيّر على مرّ السنين، وخصوصاً منذ السابع من تشرين الأول، ويضيف أنه كان حذِراً أكثر من اللازم في الماضي، وأنه أصغى بصورة مفرطة إلى المؤسسة الأمنية، وأيضاً خاف من الانتقادات الشعبية التي كانت ستوجَّه إليه لو انتقد المؤسسة الأمنية التي كانت تتمتع بحصانة سياسية وإعلامية قبل السابع من تشرين الأول.
أمّا اليسار، فمن الطبيعي أن يتهم نتنياهو واليمين بالتصور الذي أدى إلى “المجزرة”، في حين أنه هو نفسه وقع أيضاً في التصور ذاته؛ هذه المواقف كلها هي ردة فعل على الإدراك أن المخاوف الأمنية لا تزال عاملاً مؤثراً.
وفي محاولة للتنصل من التصور الخاطئ الذي التصق باليسار، وصل بعضهم إلى مواقف أقلّ إثارةً للإعجاب: فهناك مَن يحاول التقليل من الإنجازات الكبيرة التي حققتها إسرائيل في عهد نتنياهو، لمجرد أن ذلك سيُحسب له أيضاً، وهناك مَن يريد أن يصدق أن نتنياهو كان يعلم بما سيحدث، ولم يحذّر، على الرغم من أن الأدلة تشير إلى خلاف ذلك، ويكرر بعضهم القول إنه كان من الممكن إطلاق سراح جميع الرهائن في وقت أبكر، لكنه يتجاهل الثمن الذي كان سيترتب على ذلك.
لكن ما يمكن أن يكون مطمئناً هو أن الناخبين أنفسهم، على الأقل وفقاً لاستطلاعات الرأي، يبدو أنهم لم يتغيروا كثيراً، ولا يشعرون بالقلق من عدم وجود شخصية جديدة على الساحة؛ هل ستتكرر أحداث انتخابات 1996؟ لا أحد يعرف، لكن بالنسبة إلى اليسار، كان اغتيال رابين، ثم انتصار اليمين، ضربة لا تُحتمل، ومن المحتمل أن نرى تداعياتها حتى اليوم، في الهوة العميقة التي نشأت بين يسار رابين ويسار اليوم؛ وإذا كانت لهذه الانتخابات نهاية مشابهة، فلا يسعنا إلّا أن نتخيل إلى أين يمكن أن يتدهور الوضع.
——————————————
هآرتس 7/10/2026
تحوّل ثقافي: العنف يتحوّل مصدر فخر في إسرائيل !
بقلم: ياغيل ليفي
لنبدأ باختبار قصير: مَن هو الجندي المؤيد للحرب الذي تفاخر، قائلاً:»محَونا أحياء ومدناً، وبشكل منهجي أزلنا شارعاً تلو الآخر»؟ ومَن هو الذي انتقد المقاتلين الذين أعلنوا أن هدفهم هو «احتلال غزة وطرد سكانها والاستيطان فيها»؟ وبالمناسبة، فيما يتعلق بفيلم «نازا»، مَن هم منتقدو السياسة الذين قالوا إن هناك «درجات مختلفة من نازا» تصل إلى «عشرات قليلة» من القتلى، أو أن قوة في الميدان يمكن أن تتلقى معلومات تتيح لها تنفيذ هجوم في الوقت الحقيقي «خلال ثوانٍ، ومن دون الاعتماد على عمليات إنتاج ومعالجة بشرية»؟ ومَن هو، في المقابل، المعجب بالتكنولوجيا، والذي قال: «لسنا ’حماس’، هذه ليست قذائف؛ كلّ شيء موجّه ودقيق، ونعرف بالضبط حجم الضرر الجانبي في كل منزل»؟
لكن الاختبار مضلِّل عن قصد: مَن يبدو كأنه ينتقد العنف، هو في الواقع من مؤيديه، ومن يبدو كأنه يتفاخر به، هو من منتقديه، وهذا الخطأ ليس عابراً. إنه يدلّ على عملية واضحة – تآكل مكانة الشهادة الواقعية؛ فحتى في حرب غزة كان دور النقد الصادر من ساحة القتال ضد الفلسطينيين هو كشف واقع أراد الجهاز المؤسساتي إخفاءه، أو إنكاره. وهذا هو الدور الذي اضطلعت به منظمة «لنكسر الصمت» طوال أعوام؛ لذلك لاحقتها المؤسسة العسكرية واليمين.
وكانت الشهادات الآتية من اليمين بشأن هذه الممارسات نادرة، إذ كان يُخفى إلحاق الأذى بالفلسطينيين، أو تشجيع الاستيطان، أو يُنكَر؛ لذلك كان الكشف عنه بحد ذاته فعلاً نقدياً، وكانت قوته تستند إلى الفجوة بين الممارسة وبين شرعيتها السياسية: ما دامت لم تحظَ الممارسة بشرعية سياسية كاملة يكون كشفها قادراً على تقويض هذه الشرعية.
تمثّل الحرب في غزة تحولاً ثقافياً جوهرياً، إذ اتسعت حدود الشرعية لاستخدام العنف، وبات علنياً استخدام العنف الذي كان يُخفى في الماضي، بل أصبح مصدر فخر لمنفّذيه؛ لذلك لم تعُد للوقائع، بحد ذاتها، القيمة التي كانت لها في السابق؛ فما كان خفياً أصبح سياسة مُعلنة، وبعض نصوص «لنكسر الصمت» تبدو اليوم كأنها صدى لمقاطع فيديو لجنود يتفاخرون بعنفهم.
وبحسب ما يوضح التمرين الذي بدأت به، كان من الممكن أيضاً تقديم فيلم «نازا»، باعتباره نشيداً للتكنولوجيا الإسرائيلية، وليس باعتباره علامة عار.
ما يصنع الفارق ليس الوقائع، إنما السياق الذي تُعرَض فيه، والنبرة النقدية، أو المؤيدة، وقبل كل شيء، هوية المتحدثين وعلاقاتهم بالأشخاص، أو الجهات التي ينتقدونها؛ فالمجموعات الاجتماعية الممثلة في الجيش تبدي مقاومة لكشف الوقائع عندما يؤطّرها خصومها، باعتبارها نقداً لها، ولا سيما عندما يصبح العنف الذي يجري انتقاده جزءاً من الهوية الجماعية: الانتقام لدى المقاتلين من ذوي الياقات الزرقاء، واعتداءات الجنود من التيار الديني – الصهيوني المتشدد على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وكذلك حرب التكنولوجيا الفائقة، على الرغم من حجم القتل الصناعي الذي تحدثه، لدى الطيارين والعاملين في الاستخبارات.
ويحدث التحول فقط عندما تثبت المجموعة التي يجري انتقادها مكانتها، وتصبح أقلّ تأثراً بالنقد.
وهذا ما حدث للقيادة الدينية – الصهيونية المتشددة، التي تتفاخر بتعزيز المستوطنات، ومن هنا يأتي الفرق بين تقرير تاليا ساسون بشأن البؤر الاستيطانية غير المرخّصة في سنة 2005، وتقرير حركة «السلام الآن» الذي وثّق مؤخراً إجراءات الحكومة لضم الضفة الغربية؛ لقد وثّقت ساسون كيف تنتهك الحكومة القانون عندما تسمح بإقامة البؤر الاستيطانية؛ أمّا حركة «السلام الآن»، فوصفت كيف جعلت الحكومة الحالية هذه العملية قانونية ظاهرياً، حتى لو جرى ذلك بعيداً عن الأضواء.
هزّ كشف ساسون شرعية هذه الأفعال؛ لذلك تعرضت للهجوم من قيادة المستوطنين؛ أمّا تقرير «السلام الآن»، فعلى العكس، لقد احتفى به اليمين، باعتباره إنجازاً مرتبطاً بهويته منذ فك الارتباط: «لحظة رضا في الصباح»، على حدّ تعبير الوزير بتسلئيل سموتريتش، الذي ظهر في صورة وهو يقرأ الوثيقة. فعندما يحتفي الطرف الذي تجري مراقبته بكشف أفعاله، فإن الوقائع لم تعُد السلاح الذي كانت عليه.
—————-انتهت النشرة—————–

