المسار : لم يكن الدوّار الواقع على مدخل قرية دير شرف، غرب مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، سوى مفترق طرق صغير اعتاد المارّة عبوره في طريقهم إلى المدينة أو منها، قبل أن يتحوّل إلى مسرح يومي للإذلال والاستفزاز. في الأيام الأخيرة، وبينما كان مراسل “العربي الجديد” يعبر بين طوابير المركبات المتكدسة، رصده جندي إسرائيلي عند النقطة القريبة من الحاجز العسكري، فصوّب سلاحه نحوه صارخًا، مطالبًا إياه بالابتعاد والعودة إلى مركبته فورًا. لم يكن التهديد لفظيًا فقط، ففي المرة التالية، أطلق الجندي طلقة تحذيرية مضيئة في الهواء، لتصبح السماء شاهدة على لحظة عبثية أخرى يتقنها الاحتلال: السيطرة على كل شيء، حتى الفضاء الذي يتحرك فيه الصحافي.
إن كانت للإذلال والتنكيل أسماء أخرى وعناوين ومعانٍ متعددة، فمن بينها حواجز الاحتلال، التي تحوّل حياة الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر إلى جحيم، خاصة في الأشهر الأخيرة. سكان الضفة الغربية المحتلة يعانون منها في حياتهم اليومية، أما فلسطينيو الداخل، ففي زياراتهم، حيث يُضطرون أحياناً للانتظار ساعات طويلة للخروج منها، يترددون قبل أي زيارة لاحقة، إلا من كان مضطراً.
في ذلك اليوم، كان الانتظار لنحو ساعتين ونصف، صعباً ومرهقاً، خاصة مع الطقس الحار، يقتل الوقت، ويضجر النفس، ويُبكي الأطفال، ويقسو على الكبار، ليتكشّف في نهايته أن لا شيء كان يستدعي إغلاق الحاجز والتنكيل بسكان المكان والزوار، وأن ذلك لم يكن حتى بسبب إجراءات تفتيش أو دواعٍ أمنية. فما إن فُتح الحاجز بمزاج الجنود، حتى تدفقت المركبات عبره كسيل، ولم يتم إيقاف العشرات منها، إلى حين. لا يعني هذا أنه لم يتم تفتيش بعضها.
لكن أحد سكان منطقة المثلث في الداخل، والذي يكثر من زيارة نابلس، قال لـ”العربي الجديد”، إن “الانتظار لأكثر من ساعتين بقليل، هو نعمة مقارنة بمرة انتظرت فيها خمس ساعات داخل المركبة، في صف طويل من المركبات. وفي تلك المرة لم يكن يوجد أي سبب للتأخير أيضاً. وذات مرة، عندما أطلق سائقون أبواق سياراتهم، ردّ الجنود بقنابل غاز مسيّل للدموع”.
ليس الحديث عن حاجز ثابت، كتلك الحواجز التي تفصل بين الضفة والداخل، ولكن عن تلك التي تقطع أوصال الضفة نفسها، وتثير التوتر والاحتقان، وتقتل أوقات الفلسطينيين وأعمالهم، بل تقتل حياتهم. “غالباً ما يغلقون الحاجز لوقت طويل نسبياً في أيام السبت أكثر من غيره”، قال لـ”العربي الجديد” بائع ماء في الشارع، مضيفاً: “أحياناً يكون الأمر أسهل وأحياناً أصعب”.
طابور طويل من المركبات على مدّ البصر، رصده “العربي الجديد” ليلاً، خليط من لوحات سيارات بيضاء لسكان الضفة، وأخرى صفراء لأهل الداخل الفلسطيني. تعرف أنه يبدأ عند الدوّار، ولكن لا تعرف أين ينتهي. الكثير من سكان المنطقة المحيطة يتجنّبون الوصول إليها. حتى في وقت الدخول لم يكن الأمر ميسّراً، ولكن لا مقارنة مع تجربة المغادرة.
يدفع طول الانتظار الكثير من السائقين المتأفّفين ومرافقيهم لمغادرة السيارات، خاصة تلك التي تحمل لوحات صفراء، بحثاً عن “فسحة” خارجها، حتى لو كان ذلك باتجاه الدوّار، لاستطلاع ما يحدث، أو ما لا يحدث، كما حدث مع مراسل “العربي الجديد”. يقود الإغلاق أمام حركة السير لأحاديث مشتركة بين ركّاب عدة مركبات. يصدف أحياناً أن يلتقي أشخاص من نفس البلد من الداخل، فيخوضون في غمار قصص كثيرة، لا بد من افتتاحها بالتذمّر من الوضع في تلك اللحظة، وكان “العربي الجديد” شاهداً على بعضها. منهم من وصل للتبضّع، ومنهم للترفيه، وآخرون لزيارة أقارب وأسباب أخرى.
“وبعدين عندي شغل بكير بكرا، كيف بدي أطلع من هون؟” سأل سائق بلهجته، بعدما ترجّل من سيارته العالقة بين “تسونامي” من المركبات، أمامها وخلفها، وحولها من كل جانب، ليرفع آخر عينيه متعجباً من السؤال، لكنه احتواه رغم طاقته المستنزفة أيضاً. وتبيّن أنهما من ذات البلد في الجليل. سائق آخر، تبدو عليه ملامح السبعينيات من العمر ومعها التعب، تبيّن أنه من قرية جسر الزرقاء في الداخل، خاطب عبر نافذة سيارته مراسل “العربي الجديد” المتجوّل بين السيارات، سائلاً إياه بداية عما يحدث، وقائلاً بعدها: “بتعرف ليش بعملوا هيك؟ لأنهم بدهمّاش نيجي لهون. بدهم نخلّي أموالنا جوا (في إسرائيل)”، في إشارة إلى رغبة الاحتلال في قتل السوق الفلسطيني في الضفة الغربية.
بعض الأطفال أعياهم تعب الانتظار داخل المركبات أيضاً. ورصد “العربي الجديد” حالة واحدة على الأقل في ذلك اليوم، لطفلة تتقيأ، رجّحت والدتها أن السفر في السيارة ومن بعده طول الانتظار أرهقها. كثيرون أجمعوا على أن هدف الحاجز التضييق والتنكيل وتعذيب الناس، وتقطيع أوصال الفلسطينيين والتحكّم بحياتهم، لكي يضجروا ولا يعودوا، ومنهم من لخّص كل شيء بقوله: “هذا وجه من وجوه الاحتلال، هذا هو السبب”.
انتقادات للسلطة الفلسطينية والسلطة المحلية
في الوقت الذي يمتد فيه طابور السيارات إلى “ما لا نهاية”، يتحرك بعض السائقين “الأذكياء” والمتحاذقين نحو الحاجز، عبر مسلك الاتجاه المعاكس، ويستخدمون مسار الدخول إلى دير شرف للخروج منها. يزيد مثل هؤلاء من أزمة السير، ويعقّدون الإغلاق أكثر. يُربكون أيضاً الداخلين إلى البلدة، والمتوجّهين إلى مدينة نابلس عبرها، ويعيقون تقدمهم، بسبب مساهمتهم في تعميق أزمة الدوّار المغلق أصلاً.
ورداً على سؤال “العربي الجديد” إن كان ثمة دور للشرطة الفلسطينية والسلطة المحلية في محاولة على الأقل للتخفيف من الحاصل وضبط النظام، ولو قليلاً، في ظل ممارسات الاحتلال وتضييقه على الناس، قال أحد المحليين: “طبعاً هذا كله سببه الاحتلال ولا نقاش في ذلك. لكن السلطة المحلية مقصّرة، بحيث يمكنها على الأقل وضع مسامير تمنع القيادة بعكس السير. هذا لن يحل المشكلة، ولكن يخفف قليلاً منها”. أما الشرطة، فغالباً ما تكون غائبة، ولا تضبط السير بعكس الاتجاه. “يا عمي، المتعب أكثر أن السلطة الفلسطينية، التي تقمع المتظاهرين المتضامنين مع غزة، وتواصل التنسيق أمنياً مع الاحتلال، عاجزة حتى عن الضغط عليه لفتح الحاجز”.
المصدر … العربي الجديد