المسار : أصدر مدى الكرمل- المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية، في حيفا داخل أراضي 48، ورقة موقف جديدة بعنوان “تعدد وضعف الأصوات الإسرائيلية المعارِضة للحرب على قطاع غزة”، من إعداد مدير برنامج دراسات عن إسرائيل في مدى الكرمل، الدكتور أمطانس شحادة. تتناول ورقة الموقف قرارَ الحكومة الإسرائيلية توسيع الحرب على غزة، وتصاعُدَ الأصوات المطالِبة بوقفها، على اختلاف مشاربها، وترى أنها تعكس بداية تصدع وخلاف في صفوف الإسرائيليين بين مشروعٍ يسعى إلى استمرار الحرب وإطالة أمدها لأسباب عقائدية وأيديولوجية، وكذلك بدوافع مصلحة سياسية وشخصية خاصة لدى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وفئاتٍ تُعارِض استمرار الحرب وتوسيعها بدوافع متنوعة.
عائلات الأسرى تكتفي بالمطالبة بوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق تبادل يضمن عودة من تبقّى أحياء
تخلُص الورقة إلى أن غياب مشروع إسرائيلي موحد يطالب بإنهاء الحرب بدوافع واضحة وجامعة، ويطرح بديلاً سياسياً يعارض استمرار الحرب والاحتلال، مقابل وجود عدة تيارات ومجموعات تتحرك بدوافع متباينة، يُضعِف الأصواتَ المعارضة للحرب ويشتتها، ويَحول دون قيام عمل جماعي منظم يشكل بديلاً لطرح التحالف الحكومي اليميني.
وحسب “مدى الكرمل” تنقسم الأصوات الإسرائيلية المعارِضة إلى ثلاث فئات مركزية:
الأولى هي عائلات الأسرى والمخطوفين التي تكتفي بالمطالَبة بوقف الحرب والتوصل إلى اتفاق تبادل يضمن إعادة مَن تبقى من الأسرى والمخطوفين أحياءً، واسترداد رُفات القتلى.
الثانية، وهي الأوسع والأبرز، تطالب بوقف حرب الإبادة والتجويع انطلاقاً من قلقها على مصالح ومكانة إسرائيل الدولية، وخشيتها من أن تؤدي الحرب إلى تراجع هذه المكانة وما يترتب على ذلك من أضرار.
والمجموعة الثالثة، وهي الأصغر والأقل تأثيراً، تتشكل من مؤسسات حقوقية، وعلى رأسها مؤسسة “بِتْسِيلِم” و”جمعية أطباء لحقوق الإنسان”، إضافة إلى عدد محدود من الشخصيات والناشطين السياسيين، الذين يتهمون إسرائيل على نحوٍ علني ورسمي بارتكاب جرائم حرب وإبادة وتجويع، ويطالبون بوقف الحرب انطلاقاً من منطلَقات أخلاقية وإنسانية واحتراماً للقانون الدولي.
جاءت هذه الأصوات بعد أن بات واضحاً لقسم كبير من الإسرائيليين أن دوافع استمرارِ الحرب وتوسيعِها، واحتلالِ مدينة غزة ومخيمات الوسط، تنبع من اعتبارات عقائدية وسياسية ومصالح شخصية لنتنياهو والتحالف الحكومي، لا من دوافع وأهداف أمنية أو ابتغاء إخراج الأسرى والمخطوفين الإسرائيليين، بل على العكس من ذلك؛ إذ قد تشكل خطراً على حياتهم.
ويضيف “مدى الكرمل” أنه يتضح أكثر فأكثر أن استمرار حرب الإبادة يخدم مشروع اليمين الديني المتطرف، الساعي إلى إعادة احتلال كامل قِطاع غزة، وتهجير السكان، وربما إعادة المستوطنات إليه، إلى جانب سياسات ضم الضفة الغربية. وهو مشروع لا يحظى بإجماع داخل المجتمع الإسرائيلي.
“المؤامرة الفلسطينية السرية”
وفي سياق متصل، يشير كاتب مستوطن في القناة السابعة الخاصة بالمستوطنين، يائير أنسباخر، إلى ما يسميه “المؤامرة الفلسطينية السرية لتحقيق النصر في الحرب”. ويقول إن الإسرائيليين، في معظمهم، ومن المؤكد أن الأمريكيين أيضاً، في معظمهم، لا يفهمون “حماس”.
ويضيف في مزاعمه: “من السهل تخيلها كتنظيم “إرهابي” إسلامي متعصب آخر، لكن في الواقع، نحن أمام كيان هجين يعيد تعريف نفسه باستمرار، وفق هدف إستراتيجي واحد لم يتغير قط: تدمير دولة إسرائيل. إن “حماس” ليست مجرد حركة عسكرية، بل هي كيان سياسي، اجتماعي وديني، يتبدل دائماً، بحسب متطلبات ذلك الصراع المستمر، فهي قادرة على اتخاذ شكل آخر في كل مرة: جمعية خيرية، أو حركة شعبية، أو تنظيم “إرهابي”، أو كيان دولاتي، من دون أن تتنازل عن جوهر غايتها”.
كما يقول إن الحرب التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر غيرت الواقع الإقليمي وتصور “حماس” لنفسها، إذ أدرك قادة الحركة، قبل لحظة اتخاذهم قرار شن الحرب، أن ما كان لن يعود كما كان، وعرفوا أنه ليس لديهم أي صعوبة في تبديل هويتهم مجدداً وتغيير بنيتهم. بل بالعكس، يرى كثيرون من قادة “حماس” الباقين في هذه الفرصة نوعاً من الراحة لهم: الانتقال من حُكم مباشر في غزة يتطلب مسؤولية ثقيلة تجاه السكان الفلسطينيين بشأن توفير المياه والكهرباء والصرف الصحي والاقتصاد، وهو عبء مُرهق، إلى العودة إلى شكل تنظيمي أو سري سيكون أكثر مرونةً وحريةً، بحيث يتمكن التنظيم من إعادة تركيز جهوده على المهمات التي يراها أسهل وأكثر مردوداً بالنسبة إليه: القتال والتعاظم.
ويرى الكاتب المستوطن أنه الآن أمام إسرائيل والعالم حقيقة واضحة: “حماس” لن تختفي من غزة برضاها. فعشرات الآلاف من عناصرها، إلى جانب القاعدة الشعبية الواسعة التي تتمتع بها في القطاع، يضمنون بقاءها في أي واقع لا ينطوي على انتصار عسكري إسرائيلي ساحق، أو هجرة سكان غزة إلى الخارج.
في ضوء ذلك، تتبلور “المؤامرة الجديدة”: محاولة لتبييض صورة “حماس”، عبر دمجها من جديد في آليات منظمة التحرير الفلسطينية، أو في أُطر “حكومة تكنوقراط”. هناك تقارير مختلفة، منها ما نُشر مؤخراً في “العربية” و”معاريف”، تؤكد أن أبو مازن ورجاله يخوضون نقاشات متقدمة في رام الله بشأن قبول “حماس” في منظمة التحرير، ضمن شروط مختلفة تهدف إلى تغطية الخطوة خارجياً.
المؤسسات الحقوقية القليلة، مثل بتسيلم وأطباء لحقوق الإنسان، تتهم إسرائيل علناً بارتكاب جرائم حرب وإبادة
وحسب هذا الكاتب الناطق بلسان أوساط المستوطنين، تكشف الشروط التي نُشرت عن مناورة مُحكمة: الاعتراف بدولة فلسطينية على “حدود 1967″، والتشديد على أن “المقاومة الشعبية” هي الطريق الحالية لكنها ليست الوحيدة، والالتزام إزاء منظمة التحرير باعتبارها الإطار الشرعي الحصري، والتشبث بالقانون الدولي. هذه الشروط لا تلغي “حماس” بطبيعة الحال، بل تبيض صفحتها، وتمنحها مساراً منظماً للعودة إلى اللعبة السياسية. والسؤال الحقيقي هو: بأي هيئة ستظهر؟ هل ستظهر كحزب مع اسم آخر في السلطة الفلسطينية، أم كتلة قوة في غزة، أم ستكون تنظيماً يستمر في الوجود بعيداً عن الأنظار، تحت غطاء دخان سياسي؟
زاعماً أنه في كلتا الحالتين أن خطوة كهذه ستشكل نجاحاً إستراتيجياً لـ”حماس”، وستشير إلى إقامة جسر نحو المرحلة التالية من حُكم الرعب الذي تفرضه. إن رجال الحركة، وهم معروفون ومقبولون في المجتمع الغزي، ويملكون السلاح والخبرة العسكرية، سيندمجون في أي حكومة تكنوقراط كقوة ضاغطة تُضعفها من الداخل. ومثلما تحولت الأونروا بسرعة من هيئة إنسانية إلى ذراع حمساوية بحكم الأمر الواقع، هنا أيضاً النتيجة معروفة مسبقاً: في ختام مسار قصير نسبياً، ستعود “حماس” لتكون القوة المركزية في غزة.
ويخلص إلى القول إنه لا يجب الخطأ في التقدير، فالعداء بين “حماس” و”فتح” لم يختفِ.. لكن عندما يكون هناك عدو مشترك أكبر هو إسرائيل، يعرف الفلسطينيون كيف يتوحدون. يكفي النظر في صفقات تبادل الأسرى الأخيرة، التي أُفرج بموجبها أيضاً عن أسرى غير تابعين لحركة “حماس”، للإدراك أنهم يصطفون في جبهة واحدة عندما يتعلق الأمر بـ”شؤون الأمن القومي” (التسمية الفلسطينية الملطفة لتدمير إسرائيل).
إن الضغط الدولي والعربي، إلى جانب حاجة الحكومة الإسرائيلية السياسية إلى إيجاد “سلم للنزول عن الشجرة”، قد يجعلان مثل هذا التفاهم الداخلي ممكناً. ويمضي في تحذيراته: “لكن النتيجة قد تكون مدمرة: ستقف إسرائيل في مواجهة “حماس” الأقوى، التي نجحت في النجاة من الحرب والتجدد داخل الساحة الفلسطينية “الشرعية”. ومن منظور فلسطيني، يُعتبر هذا نصراً وطنياً: بقاء من أجل المعركة المقبلة، والحفاظ على القوة العسكرية والسياسية، واكتساب شرعية متجددة، والاستمرار في الحفاظ على المكانة في العالم العربي. للصبر دلالة شبه مقدسة في الثقافة العربية-الإسلامية. فإذا صمدت “حماس”، بأي شكل كان، فستتعافى وتزداد قوةً، وستكون المرحلة التالية مرحلة المطالبة بحصص جديدة من القوة، ومحاولات السيطرة على مراكز النفوذ في الضفة الغربية، مستفيدةً من المكانة العسكرية التي اكتسبتها، ومن الخبرة العملياتية المتراكمة لتعبئة الشارع الفلسطيني”.
في نهاية المطاف، كل حكومة تكنوقراط ستؤلف في غزة تحت ضغط إسرائيلي-أمريكي، أو برعاية مصرية–قطرية–سعودية، ستكون ضعيفة منذ البداية، وستتحول إلى أداة في يد “حماس”، التي ستعرف كيف تنهكها من الداخل حتى تستعيد السيطرة الكاملة. وهكذا، قد تخرج “حماس”، التي كانت إسرائيل تأمل بإسقاطها في حرب “السيوف الحديدية”، أكثر قوةً وتجديداً، و”وحشاً” متعدد الرؤوس، لا يؤدي قطع رأس واحد منها إلى القضاء عليها، بل ينبت مكانه رأس جديد.
كما يقول إن الصراع ليس عسكرياً وحسب، بل هو أيضاً صراع على الوعي والسياسة. إذا لم تفهم إسرائيل طبيعة “حماس” المتغيرة، فستجد نفسها أمام العدو نفسه، بزي مختلف، يواصل مسيرته الإستراتيجية نحو تدميرها.
المصدر … صحيفة القدس العربي