المسار : يقع مفهوم العروبة أو القومية العربية، والأمة العربية، وما رادف ذلك من شعارات، في نطاق من التشكيك، أو السخرية من لدن كثيرين، سواء أكانوا من المثقفين أم العامة، وحين نعني مفهوماً فإن ذلك يتصل بالبناء الذهني للفكرة، وتموضعها في الوعي، ولا يمكن إلا أن نتفهم سياقات الواقع الراهن التي أدت إلى هذه التساؤلات عن جدوى التمكين لهذه المقولة، والإحالة إليها، أو ما الداعي لها! أو بمعنى آخر ماذا تضيف في سياق سؤال الأمة، كما طرحه الكثير من المثقفين؟ وكيف يمكن أن نبني على مفهوم الأمة، إن لم تكن الفكرة قائمة على صعيد التنظير، والأهم الممارسة!
الفكرة بدأت رهينة التأجيل، ومع الوقت أصبحت مسكونة بالأمل، حسب تعبير سعد الله ونوس، وعلى ما يبدو فإنها تلاشت مع غياب التنظير والممارسة، في حين أن أدبياتها المؤسسية باتت فاقدة لمعناها، ولا تحتوي على أي حقيقة.. التي لو اختبرناها بمقاييس علمية لن تكون سوى محض أمنيات، فالمشاريع القومية العربية لم تتمكن من صياغة بارديم، أو نموذج حقيقي فاعل وصلد؛ ولهذا كان هذا المشروع من أكثر المشاريع هشاشة في التاريخ الحديث، ولا يمكن أقول العربي لأن فكرة التاريخ العربي، والفكر العربي والأدب العربي لم تكن سوى مفاهيمية جغرافية، غير مكتملة أو مجزأة، لا تخضع لمرجعيات متوافق عليها إلى الآن!
إن المتأمل في وقائع اليوم سيدرك أنه لم يبق من كلمة العربي سوى لازمة تضاف إلى كم هائل من الأشياء، التي لا تعني سوى إضافة خارجية أو كليشيهات فارغة، أو غير واقعية، ولا تعني سوى استغراق ظاهري بالانتماء لشيء لم يعد له وجود فعلي (حالياً)، وعلى ذلك فإن وعينا بالتاريخ بات معرضاً للتشكيك، وأن سرديتنا لم تعد السردية التي يجب أن نحتفي بها، إذ بتنا معلقين بلا معنى، أو حقيقة تضيف إلى السؤال الوجودي لمعنى الأمة في الزمن الحاضر. يبدو أن إرهاصات هذا الفكر جلية، غير أن المعضلة تكمن في الاختلال الناتج، فهل يعود إلى عوار الفكرة، ولا معقوليتها، وقربها من أن تكون حلماً للواهمين، أم أن الفكرة تعرضت لتشويه الممارسة، فخرجت عن مسارها ـ وتقوضت، وإذا كانت الفكرة حقيقية، فهل يمكن أن نعدها مستلبة الإجراءات ضمن التكوين العملي؟
ولعل العودة إلى تعريفها ينطلق من مبدأ قيمة اللغة، التي لم تكن كافية لأن تخلق ممارسة، أو حتى توافقاً حقيقياً ضمن سياق تكوين الأمة، التي نشأت مع تنظيرات ميشيل عفلق وساطع الحصري، وغيرهما، غير أن هزيمة 1967 شكلت كسراً لهذا، على الرغم من محاولات البعض بعث الحياة فيها، ومن ثم جاءت التيارات الإسلامية التي سرعان ما استغلت هذا الفراغ، بيد أنها – أيضاً – تعرضت لإشكاليات، وتعددت تأويلاتها، ومناهجها، ورؤيتها، وبعضها كان غير فاعل في خلق نموذج مثالي، والكثير منها تعرض للتشويه، حتى إنها كانت عاجزة عن أن تخلق نموذجاً للدفاع عن قضايا الأمة، وبذلك أمست شأنها شأن القومية العربية غير معنيّة بشعب عربي مسلم يتعرض للإبادة على مرأى من العرب الذين تجاوزوا مفهوم الأمة الوحدوي لصالح الدولة الوطنية، التي احتفظت بمفردة (العربية) بصورة شكلية. كل الأمم تصنع تاريخها، وتجعل من الممارسة تأكيداً له، وربما نحن الأمة الوحيدة، التي تخلت عن تاريخها وأدخلته في منهجيات باتت تتأكل شيئاً فشيئاً، ولم يعد لفكرة القومية العربية سوى نداءات لا أحد يستجيب لها، وإذا ما اختبرنا مناهجنا فإننا لن نجد سوى تعريف عابر، وبعض التهويمات التي تستهدف عقول الأطفال، بداعي خلق وعي زائف مبتور، ومهذب ومدجن حتى لا تكتمل الأسطورة ونصدقها، وتتحول إلى واقع.
قد تبدو القضية الفلسطينية، بما في ذلك الحرب الأخيرة على غزة، الحدث المفصلي في التاريخ المعاصر، كما ثمة في تاريخنا الحديث، الكثير من الخيبات التي عبرت غزة، وما جاورها، وثمة حول غزة الكثير من الألم، وثمة الكثير من الأسئلة، ولكن غزة هي التجليات التي كشطت جلد هذه الأمة المزيف، وعرت اللغة، والتاريخ، والفكر، وباتت أرواح أكثر من ستين ألف شهيد شاهداً على خيبتنا، في حين أن هذا الإيغال بالدم لم يكن سوى تصريف لبقايا حلم الأمة العربية الذي لم يكن سوى حلم في وعي الحالمين.
لقد أظهرت غزة بما تحمله من مأساة وصمود، عجز المشروع القومي العربي عن أن يكون إطاراً حقيقياً للتضامن أو وحدة الفعل. لقد كشفت التجربة أنّ القومية العربية لم تتجاوز حدود الشعار، إذ بدت غزة وحيدة في مواجهة آلة الاستعمار الاستيطاني، والعدوان الأمريكي، بينما انكشفت هشاشة البنى الفكرية القومية أمام امتحان الواقع، على الرغم من أن غزة أكثر من الجغرافيا المحاصرة التي يتعرض فيها شعب عربي ومسلم للإبادة، والتجويع، فغزة باتت المنعطف الأخير لاستعادة مفهوم الأمة، وعلى ما يبدو إننا ذاهبون إلى تصفية مقولة الأمة، وبذلك فإن دعاة القومية العربية، وما جاور ذلك من شعارات تتصل بمركزية العرب أمست أقرب إلى قيمة سلبية، وربما على العكس من ذلك غدت فكرة العروبة عاملاً من عوامل قتل غزة، من منطلق أن التنصل مما يجري في غزة بداعي مصلحة الأنا الوطنية، يتطلب مقايضة ما، وبذلك فقد تم استلاب معنى الأمة، وعليه فلا داعي لهذا التركيب غير المفهوم، أو المتعين ما لم يؤد إلى نتاج حقيقي يتصل بمفهوم الأمة، حسب التوصيفات العلمية والمنهجية والأخلاقية.
لقد كشفت غزة، والقضية الفلسطينية هشاشة الذاكرة الجمعية، التي استهلكت في ترديد أساطير لم تصنع واقعاً، لقد كشفت غزة عن أن العطب لم يكن في الفكرة وحدها، وإنما في عجزها عن التحول إلى ممارسة تؤسس وجود الأمة، التي لا تعرف سوى ماض يؤدي وظيفة التعزية للذوات الجمعية، في حين أن النخب السلطوية تحررت من عبء معنى الأمة منذ زمن طويل، أو بالتحديد بعد رحيل الاستعمار الذي خلق نخباً متصلة به عضوياً. وإذا ما تساءلنا عن دواعي ذلك؟ فيمكن أن نرى ذلك في الحدود الوطنية المقدسة، التي رسمها الاستعمار، والتي أضحت أداة استعمارية لا تستهدف تفتيت الجغرافيا إنما تتجاوز ذلك لتمسي قيداً نفسياً ورمزياً، يبدد معنى الوعي الجمعي الذي على الرغم من توفره شعبياً، غير أنه مجمد، وفردي، ومحدود، ولغوي، وبائس، ويمكن القول إن جزءاً كبيراً منه يقع في منطقة المتخيل لا غير.
لقد صاغ مفكرو القومية العربية، خطاباً مشحوناً باليقين والإيمان بوحدة المصير، ولكن أي مصير تبقى لأمة لا تعرف ما معنى الأمة! فمقولات عفلق التي نزعت إلى رؤية أن حدود أي دولة عربية هي حدود الأمة العربية، لم يكن سوى تنظير لم يصمد أمام الواقع، وكان أقرب إلى الأمنيات، من مبدأ أن الحدود الاستعمارية كانت أقوى من الأفكار، وبذلك أمست مقولة الأمة العربية أشبه بحلم أو يوتوبيا مؤجلة.
أما ساطع الحصري فقد اختزل مقوّمات الأمة في اللغة، التي رأى أنها قادرة على أن تجعل العرب أمة واحدة، لها وقلب وروح وتاريخ، ومن شان ذلك أن يصنع الأمة، وعلى الرغم من أهمية اللغة في تشكيل الهوية، غير أنها لم تكن قادرة حقيقة على أن تكون العنصر المركزي في تكوين مفهوم الأمة، فثمة عناصر طفت على السطح كانت أقوى من هذا العامل، ويمكن الإحالة إلى التمايزات الأيديولوجية، والسياسية، والاقتصادية، والطائفية، ومن شان هذه العوامل أن تنفي مقولة الأمة، أو تؤجلها، في حين أن مقولة الأمة العربية استغلت لتحقيق القهر، والاستبداد، والقمع، ولهذا باتت سيئة السمعة، وتكاد تكون منبوذة لدى البعض بداعي ذاكرة التاريخ في بعض الأقطار العربية، ولاسيما الأنظمة ذات الطابع الشمولي والدموي.
إن معضلة الأمة العربية قد تكون جزءاً من المقولة ذاتها، فالخطابات التي لا تؤدي إلى فواعل، أو مرجعيات قيمية إنسانية تعتمد رؤية الحرية، لا يمكن لها أن تنتج أمة، ومفهوم الانتماء لا يكون للأرض فحسب، إنما للأفكار التي تصنع الأمة، فهذه الأفكار ينبغي أن تنهض على الكرامة، وتعميق مقولة القانون، ونبذ التعصب الذي يعد الداء الأكثر تمكناً في وعي أي أمة، ولم يكن ابن خلدون يجانب الصواب حين أكد على فكرة العصبية التي يمكن قراءتها باتجاهين متعاكسين، بمعنى الإيجابي والسلبي، وبناء على ذلك فإن مفهوم الأمة العربية قد يبدو إقصائياً لدى البعض، ولهذا لم يتمكن من تكريس ذاته، ومن هنا، لا يمكن أن نبرر الصمت العربي تجاه إبادة غزة سوى إنه تجسيد لفقدان معنى الأمة، أو لعله لم يكن في يوم من الأيام شيء اسمه الأمة العربية.
الكاتب رامي ابو شهاب
المصدر …القدس العربي