المسودة التي نشرتها أكسيوس وحصلت عليها صحف عالمية ثم أكدتها تقارير وكالة الأنباء ووسائل الإعلام الدولية، تقترح إنشاء «قوة دولية» أو «قوة استقرار دولية» في غزة بمدة تفويض تمتد لسنتين على الأقل، مع بقاء ما يسميه المشروع «مجلس السلام» حتى نهاية 2027 وربما أطول، وهو ما يشي بفرض إدارة فعلية على القطاع لا انتهاء للحالة المؤقتة.
اللغة الرسمية في مسودة القرار تبدو محافظة وبعناوين رنانة : حماية المدنيين، تأمين الممرات الإنسانية، دعم إعادة الإعمار، تدريب شرطة فلسطينية، لكن جوهر الصياغة يكشف عن مهمة مغايرة تمامًا: ضمان «نزع سلاح» الفصائل الفلسطينية وتفكيك البنى العسكرية والسياسية المقاومة، وتثبيت الحدود كحواجز أمنية لصالح الاحتلال، وليس حماية المدنيين الفلسطينيين، الصياغة التي تمنح القوة صلاحية «تدمير ومنع إعادة بناء البنى العسكرية والتجهيزات الهجومية ونزع الأسلحة» تجعل من القوة قوة تنفيذية لا قوة حفظ سلام حيادية.
سياسياً، ما يقترحه القرار هو استنساخ لسيناريوهات «الوصاية» التاريخية: إدارة خارجية مؤقتة تتحول بسرعة إلى وضع دائم يغيّر توازن القوى داخل المجتمع المحتل، فرض «مجلس سلام» يقوده أو تهيمن عليه دولٌ شريكة للولايات المتحدة يعني تحكمًا في قرارات الحوكمة المحلية: من تعيينات الشرطة إلى تدفق المساعدات، ومن إدارة المعابر إلى شروط إعادة الإعمار، هذا ليس انتدابًا إنسانيًا فحسب، بل مشروع يقصّر أفق المطالبة بالاستقلال ويجمد أي نقاش حول السيادة أو العودة أو الحقوق الوطنية لفترة قد تصل إلى سنوات، ويختزلها في وضع إنساني صعب يجرى على حله حسب الرؤية الأمريكية والإسرائيلية.
من زاوية قانونية وسيادية، هناك إشكاليات كبرى، إن تدخل قوة دولية في أراضٍ ذات سكان واضحين معنيّين بحق تقرير المصير يثير مسائل حول الاحتلال بمفهوم القانون الدولي: هل ستكون هذه القوة «قوة احتلال» بمسؤولياتها وواجباتها الدولية أم «قوة مؤقتة» مع حصانات وامتيازات؟ وما موقف مصر والدول المجاورة التي لها مصالح حدودية؟ وما ضمانات عدم توظيف صلاحيات القوة في تهجير أو تقييد حرية الحركة وحقوق الإنسان؟ الأسئلة القانونية ليست ثانوية هنا؛ بل هي جوهرية لأن المسودة تحوّل مسؤولية الأمن والحدود إلى أطراف خارجية بدلًا من تسليمها لأجهزَة منتخَبة أو مرجعية وطنية فلسطينية.
منطق القوة المقترح في المسودة يضع إسرائيل في موقع الرابح الاستراتيجي من المشروع، فباستثناء إشارة رمزية إلى «حماية المدنيين»، فإن بنود نزع السلاح وتأمين الحدود ستبقي الفعل العسكري والقرار النهائي حول ما يُعتبر «تهديدًا» في يد جهاتٍ خارج القطاع أو في تحالفات إقليمية مع إسرائيل، هذه البنية تقوِّض إمكانية نشوء جهاز أمني فلسطيني مستقل قادر على حماية المواطنين والحقوق، فتحول الشرطة المحلية، حتى لو درّبت إلى شريك تنفيذي للقوة الدولية وليس عمادًا لاستقلالية الأمن الوطني الفلسطيني.
ردود الفعل الدولية والإقليمية المتوقعة لن تكون موحدة، هناك دول قد ترى في المشاركة فرصة للتأثير وفتح قنوات سياسية، ودول أخرى سترفضها باعتبارها انتهاكًا لحقوق الشعب الفلسطيني ومحاولةً لتقويض المرجعيات الوطنية، بالفعل عقدت دول إقليمية وإسلامية وغير إسلامية اجتماعات وبيانات تُطالب بحلول تُبقي السلطة الفلسطينية أو مؤسسة فلسطينية في قلب أي ترتيبات لاحقة بدلًا من فرض وصاية خارجية، هذا الانقسام الدولي قد يجعل مسودة القرار مادةً لخلاف حاد في مجلس الأمن، وتتوقف فاعليتها على القدرة الأميركية على حشد تحالفات ووعود مشاركة فعلية على الأرض.
المخاطر الإنسانية والسياسية طويلة المدى: أولًا، شرعنة وصاية خارجية تحت اسم «استقرار» قد توفّر غطاءً لتمرير تغييرات ديموغرافية أو اقتصادية تُهمّش حق العودة وإعادة الإعمار الحقيقي.
ثانيًا، تجريد المجتمع الفلسطيني من أدوات المقاومة والقدرة على التنظيم الأمني والسياسي يعزّل الشعب ويضعف أي عملية تفاوضية مستقبلية على أساس حقوق متساوية.
ثالثًا، بقاء وضع غزة في حالة إدراة دولية يمتد سنوات يعني تجميدًا لمطالب وطنية مشروعة وفتحًا لمشاكل شرعية جديدة على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي.
ما البدائل التي تُحافظ على الحقوق وتُجنّب الفخ؟ الحل العادل يجب أن يبدأ بالاعتراف بأن أي ترتيبات أمنية لا بد أن تُبنى على مدخلات وشرعية فلسطينية حقيقية، وأن تكون عبر آليات تحت إشراف الأمم المتحدة تضمن حماية حقوق الإنسان وعودة مؤسسات مدنية مستقلة، لا عبر هيمنة طرف أجنبي يملك أجندة أمنية موازية لمصلحة دولة احتلال، كما يجب أن ترتبط أية مشاركة دولية بآلية واضحة للرقابة الدولية المدنية والقضائية، وبخريطة طريق سياسية تُعيد الحق الفلسطيني في تقرير المصير، أما الحل العسكريُّ أو الأمنيُّ المنفرد فهو وصفة لبقاء الأزمة وتجديد الصراع.
في الختام، ما تطرحه المسودة الأميركية ليس مجرد قرار فني في مجلس الأمن بل مشروع سياسي يعيد كتابة قواعد الوجود في غزة: من منطقة تُدار ذاتيًّا إلى منطقة تُدار بوصاية دولية تحت ذرائع الأمن والاستقرار، لذلك يجب أن يُقابل هذا الاقتراح تحليل نقدي وموقفًا سياسيًا موحدًا من الفصائل والقيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي الحقيقي الذي يضع حقوق الشعب الفلسطيني في القلب، لا على رفّ الخيارات الأمنية للآخرين.
في المحصلة، ما يجري ليس مسعى إنسانيًّا لإنقاذ غزة، بل إعادة هندسة للواقع الفلسطيني تحت إشراف أميركي وغطاء دولي، هدفه تثبيت الأمن الإسرائيلي وأنقاذ إسرائيل من عزلتها الدولية بسبب حرب الإبادة، وتجريد القطاع من أي قدرة على المقاومة أو السيادة، فالمسودة الأميركية ليست إلا وثيقة وصاية جديدة تُعيد إنتاج الاحتلال بأدوات ناعمة، وتحوّل غزة من رمزٍ للصمود إلى ساحة خاضعة للرقابة الدولية حتى إشعار آخر.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

