المسار :في الرابع من أيار/مايو 2003، شُكّلت لجنة وطنية لصياغة دستور دولة فلسطين، ضمّت كفاءات فلسطينية وعربية متخصصة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، إلى جانب ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني وشخصيات وطنية مستقلة. وقد أنجزت هذه اللجنة مشروع دستور متكامل، اتسم بالشمولية والاتساق، وراعى خصوصية الحالة الفلسطينية بوصفها حالة تحرر وطني في ظل الاحتلال، وسعى إلى تنظيم الانتقال من مرحلة الثورة والسلطة إلى مرحلة الدولة المستقلة ذات السيادة.
وبمقارنة مشروع دستور عام 2003 بمشروع الدستور المؤقت الذي أُعدّ بموجب القرار الرئاسي رقم (73) لسنة 2025، يتضح وجود تطابق واسع في البنية العامة وعدد من النصوص الجوهرية. غير أن مشروع 2003 كان أكثر تفصيلًا ودقة، لا سيما في تنظيم العلاقة بين السلطات، وفي مقاربة إشكاليات السيادة والمرحلة الانتقالية، وكان أكثر مواءمة لواقع المجتمع الفلسطيني وطبيعة التحول السياسي في ظل الاحتلال وعدم استكمال مقومات الدولة.
وفي هذا السياق، صدر قرار رئاسي بنشر المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين 2026، ودعوة المواطنين إلى تقديم ملاحظاتهم ومقترحاتهم. وتتكون المسودة من (162) مادة، وأُنيطت صياغتها بلجنة من (16) عضوًا. وتشير ديباجتها إلى أنها تستند إلى فلسفة وروح وثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988، وتحترم قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتؤكد أن الدستور المؤقت ليس خاتمة الطريق، بل بدايته نحو التحرر من الاحتلال والاستقلال والسيادة.
– رغم ما تحمله المسودة من مضامين إيجابية، فإن القراءة المتأنية لها تكشف مفارقة جوهرية، تتمثل في تجاهل السؤال المركزي الذي يسبق أي دستور فلسطيني حقيقي: من هي المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني؟
فالدستور، في تجارب حركات التحرر الوطني، ليس مجرد وثيقة تنظيم إداري أو تقني، بل هو إعلان سياسي-قانوني عن هوية الجهة التي تقود مشروع الدولة، وعن مصدر الشرعية العليا. ودستور فلسطين لا يمكن أن يكون استثناءً عن هذه القاعدة.
إن المسودة تتحدث باسم “دولة فلسطين” الافتراضية والتي لا يوجد لها على الارض اي مظهر من مظاهر الدولة سوى الاسم، والمسودة لا تحسم بشكل واضح العلاقة بين ثلاثة مكونات أساسية شكّلت بنية النظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو ، وهي:
دولة فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية والتي تم انشاءها بقرار من المجلس المركزي الفلسطيني وبالتالي هي احد ادوات منظمة التحرير الفلسطينية . وهذه العلاقة غير المحسومة تمثل العقدة البنيوية الأساسية في النظام السياسي الفلسطيني.
منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني
تنص المادة (11) من مشروع الدستور على أن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. غير أن هذا النص، بصيغته الحالية، لا يرقى إلى مستوى الحسم الدستوري المطلوب.
ففي الحالة الفلسطينية الراهنة، حيث ما زال الاحتلال قائمًا، ولم تُستكمل مقومات السيادة، ولم تُجرَ انتخابات وطنية شاملة تشمل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، فإن منظمة التحرير الفلسطينية تبقى الائتلاف الوطني العريض والجامع، والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية والدستورية العليا، والمدخل القانوني لإقامة الدولة وبسط سيادتها.وهي المدخل الحقيقي لتحقيق اقامة الدولة فالمنظمة جسدت القرار الوطني المستقل وانتزعت الاعتراف الدولي ومن اعلى هيئة دولية (الامم المتحدة) بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.
كما أن الميثاق الوطني الفلسطيني ووثيقة إعلان الاستقلال لعام 1988 يشكلان المرجعية السياسية والقانونية العليا، ولا يجوز لأي دستور مؤقت أن يُفسَّر أو يُطبَّق بما يتعارض معهما.
ويترتب على ذلك ضرورة النص صراحة على أن المجلس الوطني الفلسطيني هو السلطة التأسيسية والتشريعية العليا، وصاحب الولاية في إقرار التشريعات الدستورية، إلى حين زوال الاحتلال وإجراء انتخابات شاملة، وأن أي دستور مؤقت يستمد شرعيته منه وليس العكس.
إن غياب هذا الحسم قد يؤدي، من حيث لا تقصد المسودة، إلى تكريس مسار خطير يقوم على استبدال منظمة التحرير بهياكل حكومية أو تكنوقراطية ومسميات افتراضية ليس لها على ارض الواقع من تجسيد وهنا الخطورة التي تجعلنا نتوهم شيء غير موجود ونستكين ان الحلم هو الحقيقية في ظل استمرار الاحتلال بل تعميق الاستيطان وتهويد القدس العاصمة الابدية لدولة فلسطين، الأمر الذي يمس جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.
– السلطة الفلسطينية وإشكالية الانتقال
تختفي “السلطة الفلسطينية” اسميًا من نص مشروع الدستور، لكنها تعود فعليًا من خلال مفهوم “حكومة دولة فلسطين”، حيث يعاد تدوير المؤسسات القائمة ذاتها – رئاسة، حكومة، أجهزة أمنية وإدارية – في قالب دستوري جديد، دون تحديد واضح لكيفية الانتقال القانوني من سلطة نشأت بموجب اتفاق انتقالي (أوسلو) إلى دولة يفترض أنها تعلو على تلك الاتفاقات.
إن تجاهل هذه الإشكالية لا يؤسس لدولة، بل قد يشرعن واقع السلطة القائم، ويحوّل الدستور من أداة تحرر وبناء سيادة إلى غطاء دستوري لتوسيع صلاحيات سلطة انتقالية يصبح هدفها التكيف مع واقع الاحتلال والتعايش مع الشعارات الفضفاضه.
– الدولة تحت الاحتلال وحدود السيادة
تصف المسودة فلسطين بأنها “دولة تحت الاحتلال”، إلا أنها لا توضّح كيف تُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلاً لإدارة حكم ذاتي محدود، ولا تحدد العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية.
كما لا تعالج المسودة بشكل صريح مصير الاتفاقات السابقة، وعلى رأسها اتفاقات أوسلو، ولا تبين كيفية مواءمة هذه الاتفاقات مع كون فلسطين دولة تحت الاحتلال وفق القانون الدولي.
وكان من الضروري أن يعالج الدستور أسئلة سيادية كبرى، من قبيل:
من يملك حق إعلان الدولة؟
من يفاوض باسمها؟
من يقرر السلم والحرب؟
إن غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة منه إلى دستور دولة تحرر وطني.
– ملاحظات على بعض المواد التنفيذية
تثير المادة (79) من مشروع الدستور، التي تمنح رئيس الدولة حق تعيين نائب له، إشكالية دستورية تمس مبدأ السيادة الشعبية والتفويض الديمقراطي. فإسناد صلاحيات رئاسية محتملة لشخص غير منتخب يتعارض مع المبادئ الديمقراطية المستقرة، والأصل أن يتم انتخاب الرئيس ونائبه معًا عبر انتخابات عامة ومباشرة، ضمانًا لوضوح الشرعية واحترام إرادة الشعب.
خاتمة وتوصيات: إن الدستور ليس نصًا قانونيًا عاديًا، بل عقدًا اجتماعيًا وسياسيًا يؤسس لشرعية الحكم واستقرار النظام السياسي. وأي مسودة لا تحسم مسألة المرجعية العليا، ولا تُخضع الدولة لمتطلبات مرحلة التحرر الوطني، ولا تعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني، تُخاطر بأن تشرعن واقع السلطة بدل أن تؤسس لواقع الدولة.
وعليه، تبرز الحاجة الملحّة إلى إدراج باب واضح يحدد مكانة منظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية دستورية عليا. النص صراحة على أن المجلس الوطني الفلسطيني هو صاحب الولاية التأسيسية والتشريعية. وضع مواد انتقالية تحوّل السلطة إلى حكومة تنفيذية تابعة للدولة. تحديد العلاقة القانونية مع الاتفاقات السابقة وفقا لقرارات المجلس المركزي والوطني بهذا الخصوص، بما ينسجم مع كون فلسطين دولة تحت الاحتلال.
آليات إقرار الدستور والشرعية الشعبية
تشكل آليات إقرار الدستور أحد أهم معايير شرعيته، إذ لا تُستمد الشرعية الدستورية من النصوص المكتوبة وحدها، بل من كون الدستور تعبيرًا حقيقيًا ومباشرًا عن الإرادة الحرة للشعب صاحب السيادة. فالدستور، في جوهره، ليس وثيقة تقنية أو إدارية، بل عقدًا تأسيسيًا بين الشعب والسلطة، يُفترض أن يُقرّ بإرادة شعبية جامعة.
وفي الحالة الفلسطينية، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بكيفية إقرار الدستور من قبل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، في الوطن والشتات، في ظل واقع مركّب يتمثل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتجزئة الأرض، والحصار المفروض على قطاع غزة، وسياسات الضم والتهويد في القدس، فضلًا عن التشتت القسري لملايين اللاجئين الفلسطينيين في المنافي.
إن غياب القدرة العملية على تنظيم استفتاء دستوري شامل، أو انتخابات وطنية جامعة، يشمل القدس وقطاع غزة والشتات، يُلقي بظلال ثقيلة على مسألة الشرعية الشعبية للدستور، ويُضعف من مكانته بوصفه تعبيرًا عن الإرادة العامة، مهما بلغت جودة نصوصه أو سلامة صياغته القانونية.
كما أن منع الاحتلال لأي ممارسة ديمقراطية فلسطينية في القدس المحتلة، واستمرار الحصار والانقسام في غزة، والقيود القانونية والسياسية المفروضة على اللاجئين الفلسطينيين في دول الشتات، تشكل جميعها عوائق موضوعية أمام إقرار دستور جامع بإرادة شعبية فعلية، وهو ما لا يمكن القفز عنه أو تجاهله في أي نقاش دستوري جاد.
وفي هذا السياق، يفتح النقاش حول إقرار الدستور بابًا جوهريًا آخر يتعلق بإمكانية إجراء انتخابات فعلية وشاملة للمجلس الوطني الفلسطيني، باعتباره الإطار التمثيلي الجامع للشعب الفلسطيني، والجهة الأقدر، من حيث المبدأ، على التعبير عن الإرادة الوطنية العامة، وتحقيق الحد الأدنى من الشرعية التمثيلية في ظل تعذر الاستفتاء الشعبي المباشر.
غير أن هذا المسار، على أهميته وضرورته الوطنية، يصطدم بدوره بتحديات سياسية وقانونية جسيمة، في ظل منظومة دولية خاضعة لاختلال موازين القوى، ولا تحرك ساكنًا أمام انتهاكات الاحتلال، فضلًا عن القيود التي تفرضها بعض دول اللجوء على أي نشاط سياسي أو انتخابي فلسطيني جامع. وهو ما يجعل تحقيق انتخابات وطنية شاملة، في المدى المنظور، أمرًا بالغ الصعوبة من الناحية العملية، وإن ظل ضرورة وطنية لا غنى عنها لتحصين الشرعية الفلسطينية.
وعليه، فإن أي مسودة دستور مؤقت مطالبة بمعالجة هذه الإشكالية بوضوح ومسؤولية، عبر النص على آليات إقرار مرنة وانتقالية، تربط بين الشرعية التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني، وبين الالتزام الصريح بعرض الدستور الدائم مستقبلًا على الشعب الفلسطيني بكافة مكوناته، متى تهيأت الظروف السياسية والقانونية لذلك، بما يحفظ جوهر الإرادة الشعبية ولا يُفرغها
كما يُقترح دعوة، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطيني ورئاسة المجلس الوطني وأساتذة القانون في الجامعات الفلسطينية، ونقابة المحامين، ومنظمات حقوق الإنسان، إلى عقد ورشات عمل متخصصة لتقييم مشروع الدستور وتقديم الملاحظات والتعديلات اللازمة، بما ينسجم مع مصالح الشعب الفلسطيني ويعزز الحكم الرشيد والاستقرار السياسي.
د.ماهر عامر
Maheramer7@gmail.com
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

