المسار :كتب م. غسان جابر: لم يعد ما يجري في أسواقنا فضيحة صحية عابرة، ولا مخالفات تجارية يمكن تسويتها بغرامة أو اعتذار أو “تعهد بعدم التكرار”.
ما نشهده اليوم هو استهانة مباشرة بأرواح الناس، وجريمة مكتملة الأركان تُرتكب بوعي وإصرار، ثم تُبرَّر بلغة الربح والخسارة وكأن صحة الإنسان بندٌ تفاوضي في دفتر حسابات.
أطنان من الغذاء الفاسد تُضبط تباعًا: ألبان متحللة، لحوم متعفنة، منتجات منتهية الصلاحية، بضائع خُزِّنت بلا أدنى شروط السلامة… وكلها كانت في طريقها إلى موائد العائلات، إلى بطون الأطفال، إلى أجساد لا ذنب لها إلا أنها وثقت بالسوق.
هذا ليس إهمالًا… هذا تعمّد.
ومن يتعمّد بيع الغذاء الفاسد لا يخطئ… بل يعرّض الناس للأذى وهو يعلم.
ولنكن أكثر صراحة:
من يستهين بأرواح البشر، لا يستحق فرصة ثانية.
من يربح من المرض، لا يستحق تسوية.
من يضع الربح فوق الحياة، لا يستحق الرحمة ولا التغاضي.
لقد أثبت الواقع أن سياسة “التحذير أولًا” و”منحه فرصة لتصويب وضعه” لم تردع أحدًا. بل تحوّلت عند بعض التجار إلى جزء من حساب المخاطرة: تُضبط البضاعة، تُدفع غرامة، ثم يعود كل شيء كما كان.
وهنا تكمن الكارثة: الجريمة مربحة… والعقوبة محتملة.
لهذا لم يعد الإصلاح الإداري كافيًا. المطلوب الآن تشريع فوري وصارم يغيّر قواعد اللعبة بالكامل، ويعلن بوضوح أن المجتمع لن يساوم على صحته.
تشريع ينص على:
إغلاق المنشأة المخالفة فورًا وسحب ترخيصها عند ثبوت بيع غذاء فاسد.
منع صاحبها من مزاولة تجارة الغذاء مجددًا لفترة طويلة أو دائمًا بحسب حجم الجريمة.
عقوبات مالية وجنائية رادعة لا يمكن اعتبارها “تكلفة عمل”.
اعتبار بيع الغذاء الفاسد جريمة تمسّ الأمن الصحي الوطني، لا مخالفة تجارية عادية.
نقطة على السطر:
من يبيع غذاءً فاسدًا يجب أن يُستبعد من السوق نهائيًا.
أما الوجه الأكثر قبحًا في هذه المنظومة، فهو استغلال الدين كغطاء تسويقي.
هناك من لا يكتفي بالغشّ والتخزين الفاسد ورفع الأسعار، بل يحيط نفسه بخطاب ديني وشعارات أخلاقية، ليصنع لنفسه صورة “الموثوق”، ثم يمرر بضاعته تحت هذا الغطاء.
الدين يتحول عند هؤلاء إلى وسيلة تسويق، لا منظومة قيم.
الوعظ يتحول إلى إعلان تجاري.
والثقة الاجتماعية تُستغل لتصريف منتجات يعلم أصحابها أنها لا تليق حتى بالحيوانات.
هذه ليست إساءة للمستهلك فقط… بل تدنيس للقيم العامة.
استخدام الدين لتلميع صورة تجارة فاسدة هو شكل من أشكال الاحتيال الأخلاقي، لا يقل خطورة عن الاحتيال الصحي نفسه.
ولا يمكن تجاهل مسألة النفوذ.
بعض التجار، من أصحاب المصانع الكبرى إلى مستوردي السلع الأساسية، يتصرفون وكأن السوق ملكية خاصة، وكأن القانون قابل للتفاوض، وكأن صحة الناس تفصيل صغير أمام حجم مصالحهم.
حين يصبح المال مظلة حماية، وحين تتحول العلاقات إلى درع ضد المساءلة، وحين يُعامل ضبط الغذاء الفاسد كإزعاج مؤقت لا كجريمة… فنحن أمام خلل عميق في ميزان العدالة.
المواطن العادي يُحاسَب على مخالفة بسيطة فورًا،
أما من يملك المال والنفوذ، فتُفتح أمامه أبواب “المعالجة” و”التفاهم” و”التسوية”.
وهذا بالضبط ما يغذي الاستهتار بالبشر.
في المقابل، لا بد من كلمة حق واضحة:
الأجهزة الرقابية التي تضبط هذه الكميات وتحبط تسويقها تقوم بعمل إنقاذ يومي حقيقي. ما يتم كشفه ليس مجرد مخالفات، بل كوارث صحية كانت ستقع لولا تدخلهم.
لكن الجهد الرقابي وحده لا يكفي إذا لم يسنده قرار سياسي وتشريعي حاسم ينهي زمن الإفلات من العقاب.
المجتمع أمام لحظة اختبار أخلاقي وقانوني:
إما أن نقرر أن صحة الإنسان خط أحمر لا يُمس،
أو نقبل ضمنيًا أن السوق يمكن أن يتحول إلى مساحة تجريب على أجساد الناس.
لا حياد هنا.
لا تدرّج.
لا مجاملات.
الغذاء الفاسد ليس خطأ إداريًا… بل اعتداء مباشر على الحياة.
ومن يعتدي على الحياة لا يُنصح… بل يُعاقَب.
ولا يُمنح فرصة أخرى… بل يُمنع من تكرار الجريمة.
آن الأوان لتشريع حاسم، واضح، فوري.
وكل تأخير بعد اليوم… ليس مجرد تقصير.
بل مخاطرة مقصودة بصحة المجتمع كله.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

