كتب محمد حسين : البيان التأسيسي للجبهة الديمقراطية: وثيقة ولادة مشروع ثوري متجدد

المسار : في صفحات 3 و4 من العدد 452 من مجلة الحرية، ورد البيان التأسيسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بوصفه وثيقة سياسية ونضالية شكّلت لحظة فارقة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة. لم يكن هذا البيان مجرّد إعلان عن ولادة تنظيم جديد، بل كان إعلانًا عن ولادة رؤية جديدة للصراع، ورؤية مختلفة للمقاومة، تربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، وبين الكفاح المسلح والتنظيم الجماهيري الواعي.

جاء البيان التأسيسي في مرحلة دقيقة من تاريخ الثورة الفلسطينية، حيث كانت الساحة الوطنية تشهد صراعًا حادًا حول طبيعة المشروع الوطني وحدود النضال وعلاقته بالأنظمة العربية وبالطبقات الشعبية. وفي هذا السياق، طرح البيان التأسيسي للجبهة الديمقراطية نفسه كوثيقة نقدية جذرية، أعادت الاعتبار لمفهوم الثورة الشعبية المنظّمة، ورفضت اختزال القضية الفلسطينية في بعدها العسكري فقط، مؤكدة أن معركة التحرير هي معركة سياسية واجتماعية وثقافية في آنٍ واحد.

تميّز البيان التأسيسي بتشديده على أن فلسطين ليست مجرّد أرض محتلة، بل وطن لشعب حيّ له حقوق تاريخية غير قابلة للتصرف، وعلى رأسها حق العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة على كامل ترابه الوطني. كما شدّد على الطابع الأممي للقضية الفلسطينية، باعتبارها جزءًا من حركة التحرر العالمية ضد الإمبريالية والاستعمار والصهيونية.

ومن أبرز ما حمله البيان التأسيسي تأكيده أن الجماهير الشعبية هي صانعة التاريخ، وأن أي حركة تحرر لا تستند إلى وعي وتنظيم العمال والفلاحين والشباب والطلبة والنساء تبقى حركة منقوصة ومعرّضة للانحراف أو الاحتواء والتضليل. لذلك طرح البيان منذ لحظته الأولى برنامجًا نضاليًا يقوم على بناء تنظيم ثوري ديمقراطي، يجمع بين الصلابة الفكرية والانخراط الاجتماعي في قضايا الشعب.

كما ميّز البيان بين المقاومة كفعل بطولي فردي، والمقاومة كخيار استراتيجي منظّم طويل النفس، يحتاج إلى برنامج مرحلي وتحالفات وطنية وإدارة سياسية واعية للصراع مع العدو الصهيوني. ومن هنا جاءت أهمية الربط الذي أقامه البيان بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي، وبين وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات.

وفي البعد الفكري، عبّر البيان التأسيسي عن انحياز واضح وعميق للطبقات الشعبية ومصالحها، وعن رفضٍ للهيمنة الطبقية والبرجوازية على القرار الوطني، داعيًا إلى بناء حركة وطنية ديمقراطية تعكس مصالح الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، لا مصالح نخبة ضيّقة. وهذا ما جعل الجبهة الديمقراطية منذ تأسيسها تحمل مشروعًا وطنيًا واجتماعيًا في آنٍ واحد، وتخوض معاركها ليس فقط ضد الاحتلال، بل أيضًا ضد التخلف والرجعية والتبعية والانقسام.

اليوم، وبعد سبعة وخمسين عامًا على صدور هذا البيان، لا يزال ما ورد فيه صالحًا لفهم واقعنا الراهن. فالتحذير من التفريط بالحقوق، والتنبيه إلى مخاطر الحلول المجتزأة، والدعوة إلى الوحدة الوطنية على أساس برنامج مقاومة ديمقراطي، كلها قضايا ما زالت في صلب معركتنا المعاصرة. وما أشبه اليوم بالأمس، حيث تتجدد محاولات تصفية القضية الفلسطينية عبر مشاريع سياسية واقتصادية وأمنية، فيما يبقى الشعب الفلسطيني متمسّكًا بخيار الصمود والمقاومة.

وفي هذا السياق الراهن تحديدًا، يبرز دور شباب الجبهة الديمقراطية وأجيالها الجديدة بوصفهم حملة هذا الإرث الثوري وحراسه في مواجهة محاولات التفريغ والتطويع. فتمسّكهم بخط الجبهة الفكري والسياسي لا يأتي من باب الوفاء الرمزي للتاريخ، بل من إدراكهم العميق لراهنيته وقدرته على تفسير الواقع ومجابهته. وهم إذ يخوضون معارك التعليم والعمل والتنظيم والمقاومة الشعبية، يعيدون قراءة البيان التأسيسي بروح نقدية خلاّقة، ويحوّلونه من نصٍّ مؤسِّس إلى برنامج فعل يومي في المخيمات والجامعات وساحات الاشتباك الشعبي، بما يؤكد أن الجبهة الديمقراطية ليست ذكرى من الماضي، بل مشروعًا حيًّا يتجدد بأيدي شبابه.

إن استعادة البيان التأسيسي في هذه الذكرى ليست فعل حنين إلى الماضي، بل فعل استنهاض للوعي الوطني، وتذكير بأن الجبهة الديمقراطية وُلدت لتكون صوت الفقراء والمقاومين والمثقفين الثوريين، ولتكون مدرسة في الربط بين الفكر والممارسة، وبين الشعار والبرنامج.

في الذكرى السابعة والخمسين لتأسيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، نستحضر البيان التأسيسي بوصفه وثيقة ولادة مشروع وطني ديمقراطي مقاوم، ونجدد الالتزام بروحه: روح الثورة والديمقراطية والوحدة الوطنية، والوفاء لشهداء فلسطين وأسرها وجرحاها، حتى التحرير والعودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

Share This Article