وسام زغبر ….عضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
المسار: لم يكتب محمود درويش عن الشهداء بوصفهم غيابًا عابرًا، بل باعتبارهم حضورًا أخلاقيًا فادحًا وملزمًا. رآهم «واقفين، كلٌّ على نجمته»، لا في مقام الرثاء وحده، بل في مقام العلوّ المعنوي؛ كأنهم لم يغادروا الأرض، بل ارتفعوا بها. في شعره، لم تكن الشهادة نهاية الجسد، بل بداية المعنى.
اليوم، في غزة، تتجسّد هذه الرؤية بدمٍ حقيقي وأسماءٍ ووجوهٍ غابت إلى الأبد. حرب الإبادة التي أودت بحياة أكثر من 70 ألف إنسان، وأصابت نحو 170 ألفًا آخرين، ليست مجرد أرقام في تقارير دولية، بل حيوات مبتورة، وأحلامًا مؤجلة، وعائلاتٍ أُدخلت قسرًا في لائحة انتظار الألم المفتوح.
في هذا السياق، لا تبدو الفاجعة عامةً ومجرّدة، بل شخصيةً وحميمية. أتذكر، بقلبٍ مثقل، اثنين من أبناء شقيقتي: يحيى وكرم، كما أتذكر رفاق درب ومسيرة، ونحو 260 صحفيًا وصحفية – زملاء مهنة – دفعوا حياتهم ثمنًا للكلمة الحرة، وللسعي إلى الحقيقة، وللعدالة التي ما زالت مؤجلة.
هؤلاء الشهداء، كما في صورة درويش، يقفون على نجومهم، يحدّقون فينا، ويطالبوننا بأكثر من الحزن. يطالبوننا بأن نحمل إرثهم في وعينا، وأن نعيش ما لم يُتح لهم أن يعيشوه. لم يعد القول «موتوا لأعيش» استعارة شعرية، بل توصيفًا قاسيًا لواقع غزة؛ دمهم لم يُسفك عبثًا، بل ترك وراءه وصية ثقيلة: أن نحيا بكرامة، أن نحمل الأرض التي أحبوها، وأن نُبقي الأمل حيًا وسط الركام.
«أنتم غدنا… فاحيوا كي نحيا فيكم» ليست عبارة مجازية، بل نداء مفتوح لكل فلسطيني، ولكل إنسان يؤمن بأن الكرامة ليست امتيازًا، بل حقًا أصيلًا. في غزة، يصبح البقاء فعل مقاومة، وتصبح الحياة نفسها موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا.
وسط هذا العنف الهائل، يبقى التحدي الأكبر ألّا نفقد القدرة على الحب. «انتقموا بالحب لنا ولكم» كما كتب درويش، ليست رومانسية شاعر، بل برنامج نجاة. الانتقام هنا ليس دورة دم جديدة، بل إصرار على الحياة: بالكتابة، بالصحافة، بالعلم، بحماية الطفولة، وبإعادة إعمار المعنى قبل الحجر.
الشهداء في غزة لا يطلبون منّا البكاء بقدر ما يطلبون الاستمرار. أن نعتني بالأرض التي سقطوا دفاعًا عنها، وأن نحفظ الكلمة التي حملوها معنا: كلمة الصحافة، والنضال، والعدالة، والحرية. لقد تركوا خلفهم مسؤوليةً أخلاقيةً ثقيلة: أن نحيا نحن، لنكتب نحن، لنناضل نحن، ولنحب نحن.
هكذا أرادهم درويش: أحياءً أكثر من الأحياء، لأنهم علّمونا كيف يموت الإنسان واقفًا… ليُجبرنا على أن نحيا واقفين.

