المسار :قليلون من يعتقدون أو يتوقعون انتصار إيران على أمريكا ودولة الاحتلال في هذه المواجهة الحربية الأمنية غير المتكافئة، وبالتالي كثيرون من يعتقدون بهزيمتها، خاصة بعد اغتيال رأسها والعديد من قادة صفها الأول في اليوم الأول، وربما الساعة الأولى من شن الحرب. للدرجة التي وصلت بسيد الحرب دونالد ترامب – وهو نفسه سيد السلام مرشح جائزة نوبل في السنة الماضية والحالية والقادمة – أن يتوقع استسلام إيران قريباً وسريعاً.
ثلاثة عوامل ظاهرة للعيان ترمي بعكس هذا المنحى؛ أولها قتل المرشد، الذي يشكل لدى إيران والإسلام الشيعي عموماً ذهاباً أبعد وأعمق في القتال الجمعي والفردي. فقد قُتل تسعة منهم في مظاهرة مناوئة للسفارة الأمريكية في باكستان، وتم بعث حزب الله لقصف دولة الاحتلال من جديد في أول خرق له منذ وقف الحرب الرسمي أمام آلاف الخروقات، لكن الأهم من ذلك أن يبعث قتل المرشد الروح في تخصيب ما تبقى من القنبلة النووية، التي قالت عنها أمريكا إنها باتت على بُعد أسبوع واحد من أن ترى النور.
ثانيها تجاوز إيران وامتصاصها للصدمة، فسرعان ما أعلنت عن مقتل قائدها، أمر لا نعرفه في تاريخنا العربي والإسلامي القمعي والرجعي. صاحب هذا الاعتراف تطوراً ملحوظاً في مستوى الرد وتوسعه، حتى طال كثيراً من الأهداف الأمريكية وأهداف دولة الاحتلال بما في ذلك قبرص وأربيل، وتجاوز القواعد العسكرية إلى الأمنية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية كالسفارات والمطارات والبواخر، وقد قيل إنها لم تستخدم صواريخها الباليستية ولا مسيراتها المشهودة بعد.
أما ثالث هذه العوامل فهي غزة، التي لم ترفع الراية البيضاء، وصمدت في وجه دولة الاحتلال وأمريكا ومعظم دول أوروبا الغربية سنتين قمريتين. ومعروف للجميع أن إيران ليست غزة، وأن ربع مليون شهيد وجريح فيها إنما يعادل نحو عشرة ملايين إنسان في إيران. النموذج الغزي سيشكل بالضرورة صورة تاريخية ساطعة وملهماً حديثاً للقيادة والشعب الإيرانيين، رأوه وعاينوه وشاهدوه بأم أعينهم، لم يقرأوه في كتب التاريخ كما فعلوا عن مأساة علي في “الجمل” وصفين، والحسين بن علي وكربلاء قبل ألف وخمسمائة سنة، بل عن علي خامنئي وحسن نصر الله وإسماعيل هنية ويحيى السنوار، والعشرات إن لم يكن المئات من القادة والعظماء وحتى العلماء، في ظل خداعات تمت في وقت مفاوضات تجري على الطاولات في عواصم عالمية، وعقوبات لها أول وليس لها آخر.
كل إيراني مسؤول، له موقع مسؤولية سياسية أو غير سياسية، يسأل نفسه هذا السؤال: لماذا لا يستطيع ترامب الاقتراب من روسيا والصين لا بالسلاح ولا بالكلام، في حين يتطاول على إيران كل هذا التطاول عبر كل تاريخ ثورتها الحديث؟ الجواب: لأنها لا تملك سلاحاً نووياً.
![]()

