الكاتب: حسن رباح
المسار: يعيش لبنان اليوم في أجواء معركةٍ شرسةٍ وتحولاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ كبرى. فالمشهد السياسي اللبناني الحالي الذي تظهر عليه حالة الارتباط والرضوخ للضغوط الخارجية، يجعل من الضروري طرح تساؤلاتٍ جوهريةٍ حول خللٍ بنيويٍّ في التعاطي مع التحديات الوجودية. الرسالة إلى لبنان الرسمي واضحة ومباشرة: «السيادة ليست هديةً تُقدَّم على مائدة تفاوض تحت النار، بل هي حقٌّ يُنتزع بقوة الإرادة».
الدولة والسيادة: بين النظريات والتطبيق
لفهم عمق الأزمة اللبنانية، لا بدّ من العودة إلى مفاهيم العلوم السياسية والقانون الدولي.
تُعرَّف الدولة بأنها كيانٌ سياسيٌّ وقانونيٌّ يتشكّل من ثلاثة عناصر أساسية: الشعب، والجغرافيا، والسلطة السياسية. الشعب هو العنصر البشري الذي يسكن على هذه الجغرافيا باستمرارية، والجغرافيا هي النطاق المحدّد على الخريطة، أما السلطة السياسية فهي التي تشرف على إدارة الشؤون الداخلية والخارجية. ولكن، هذه العناصر لا تكفي لقيام دولةٍ حقيقية، فهناك عنصرٌ أساسيٌّ وهو «السيادة».
السيادة ليست هديةً تُقدَّم على مائدة تفاوض تحت النار، بل هي حقٌّ يُنتزع بقوة الإرادة
فالسيادة هي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بحريةٍ تامّة، وتحديد سياساتها داخليًا وخارجيًا، وحماية حدودها وثرواتها دون إملاءاتٍ من أحد.
عندما نقوم بعملية إسقاطٍ لهذا المفهوم على الواقع اللبناني، نجد أنفسنا أمام دولةٍ تُنتهك سيادتها يوميًا، ليس فقط بالاعتداءات الإسرائيلية، بل أيضًا بالتدخلات الأمريكية السافرة التي تملي على السلطة سياساتها وخياراتها الاستراتيجية.
الحكومة الحالية: تطويق قوة لبنان (المقاومة)
في ظل الواقع الذي نعيشه، يظهر التوجّه الحكومي بشكلٍ مثيرٍ للريبة. فبدلًا من أن تتبنّى الحكومة اللبنانية استراتيجيةً وطنيةً شاملةً تستند إلى كل عناصر القوة المتاحة لمواجهة العدوان، نراها تأخذ مسارًا يهدف إلى تطويق قوة لبنان الحقيقية، وهي المقاومة.
المقاومة، التي وُلِدت نتيجة وجود عدوٍّ يحتل الأرض وينتهك السيادة، أثبتت عبر عقودٍ من الزمن قدرتها على ردعه وحماية لبنان، تتعرّض اليوم لحملةٍ ممنهجةٍ للتشكيك في شرعيتها ودورها. هذا المسار الحكومي المريب الذي صدّر القرارات بحق المقاومة بحجة تثبيت حصرية السلاح وقرار السلم والحرب بيد الدولة، هو استجابةٌ للضغوط الأمريكية التي تضع نزع سلاح المقاومة كشرطٍ مسبقٍ لأي تسويةٍ أو دعمٍ دولي.
لذا، فإنّ تطويق المقاومة في هذه اللحظة المصيرية الحرجة هو بمثابة تجريد لبنان من درعه الواقي. وأمام عدوٍّ لا يعترف إلا بلغة النار والقوة، لا يمكن للبنان أن يحمي سيادته وهو ضعيف. فقوّة لبنان ليست في ضعفه، كما كان يُروِّج البعض، بل في إرادته على المقاومة والصمود وإيلام العدو. بالتالي، أيّ محاولةٍ لضرب هذه المعادلة هي تفريطٌ مجانيٌّ بأمن لبنان ومستقبله.
استجداء التفاوض مع عدوٍّ يلفظ أنفاسه
من أكثر الخطوات الصادمة في الأداء الرسمي اللبناني هو السعي نحو استجداء التفاوض مع كيانٍ يعيش أسوأ أزماته الوجودية. إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الأمس؛ فهي تعاني من أزماتٍ داخليةٍ عميقة، وعزلةٍ دوليةٍ تتزايد مع الأيام، واستنزافٍ عسكريٍّ واقتصاديٍّ غير مسبوق.
وهذا الكيان، الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت ضربات محور المقاومة من إيران إلى العراق واليمن وفلسطين ولبنان، يبحث عن مخرج نجاةٍ سياسيٍّ ينقذه من مأزقه. وفي مفارقةٍ عجيبة، نجد أن لبنان الرسمي، بدلًا من استثمار هذا الضعف الإسرائيلي لفرض شروطه، يرضخ للضغوط الأمريكية ويسارع إلى طاولة المفاوضات. الإدارة الأمريكية، الشريك الأساس في العدوان، تسعى لإنقاذ حليفتها إسرائيل من خلال فرض تسوياتٍ مجحفةٍ على لبنان، تخدم مصلحة إسرائيل فقط.
إن استجداء التفاوض في ظل هذه الظروف هو خطأٌ استراتيجيٌّ فادح. التفاوض الحقيقي لا يكون تحت النار والتهديد، ولا يكون استجابةً لإملاءات وسيطٍ غير نزيهٍ أو محايد، وخاصةً أنّ هناك تجارب سابقة معه، وآخرها في معركة «أولي البأس» ونقضه لكل تعهداته بتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، إذ أعطى للعدو الضوء الأخضر بضرب لبنان كيفما شاء طيلة 15 شهرًا. التفاوض يجب أن يستند على إرادةٍ وطنيةٍ صلبةٍ ترفض التنازل عن أي شبرٍ من الأرض أو أي حقٍّ من حقوق السيادة.
التفاوض الحقيقي لا يكون تحت النار والتهديد، ولا يكون استجابةً لإملاءات وسيطٍ غير نزيهٍ أو محايد
رفض لبنان بأن يكون ضمن الاتفاق الإقليمي الهادف إلى خفض التصعيد في المنطقة يعكس قصر نظرٍ سياسي، وعجزًا في قراءة المشهد الواقعي، أو التفافًا على إنجازات المقاومة بأمرٍ وهندسةٍ أمريكية. لبنان ليس جزيرةً معزولة، وأمنه مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمن المنطقة. فمحاولة عزل لبنان عن محيطه وعن حلفائه في المحور، بحجة «الحياد» أو «النأي بالنفس»، هي في الواقع انبطاحٌ في الحضن الأمريكي-الإسرائيلي.
إن المصلحة الوطنية العليا تقتضي أن يكون لبنان جزءًا فاعلًا في أي ترتيباتٍ إقليميةٍ تضمن أمنه واستقراره، وأن يستثمر علاقاته مع محور المقاومة لتعزيز موقفه التفاوضي، بدلًا من التنكّر لهذه التحالفات في لحظة الشدة.
مشهد 17 أيار لن يتكرر
في ظل هذه التحديات والضغوط، قد يحلم البعض أنّ لبنان سيُجبر مرةً أخرى على توقيع اتفاقية ذلٍّ تشبه اتفاق 17 أيار 1983. ذلك الاتفاق المشؤوم، الذي وُلد في ظل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، حاول فرض وصايةٍ إسرائيليةٍ على لبنان وانتقاصٍ لسيادته.
ولكن، لمن يحفظ التاريخ جيدًا، وللواهمين في الداخل والخارج، نقول بصوتٍ عالٍ: مشهد 17 أيار 1983 لن يتكرر في عام 2026. فلبنان اليوم يمتلك من عناصر القوة والوعي ما يجعله عصيًا على إجباره على الركوع. الشعب اللبناني، الذي أسقط اتفاق 17 أيار بإرادته ومقاومته، لن يسمح بتمرير أي مشاريع استسلاميةٍ جديدة، مهما اختلفت مسمياتها وأشكالها.
إن المشهد الذي سيتكرر حتمًا هو مشهد 25 أيار 2000، يوم التحرير والانتصار. يومها، أُجبِر جيش الاحتلال الإسرائيلي على الانسحاب خائبًا مذلولًا، دون قيدٍ أو شرط. ذلك الانتصار لم يكن منحةً من أحد، بل كان ثمرة دماء الشهداء وصمود المقاومين وإرادة شعبٍ رفض الخنوع.

