تدمير الاحتلال الشوارع والطرق في غزة يحاصر الحياة اليومية

المسار : تحولت الحركة اليومية في قطاع غزة إلى معاناة شاقة بعد أن أدى القصف الإسرائيلي والحصار المستمر إلى تدمير شبكة الطرق ووسائل النقل بشكل واسع، ما يجبر السكان على قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام عبر الأنقاض والحطام للوصول إلى أعمالهم أو العيادات أو أقاربهم.

ووفق معطيات صادرة عن وزارة النقل والاتصالات في غزة، فإن نحو 70% من المركبات المسجلة في القطاع – أي ما يزيد على 50 ألف سيارة أجرة وحافلة وشاحنة ومركبة خاصة – دُمرت أو أصبحت غير صالحة للاستخدام بحلول أواخر عام 2025.

كما تعرضت شبكة الطرق لأضرار أو دمار كامل بنسبة تتراوح بين 68% و85%، في حين فقدت مناطق مثل خان يونس أكثر من 90% من طرقها نتيجة القصف المتكرر.

وتشير التقارير إلى أن القوات الإسرائيلية استهدفت الطرق الرئيسية والتقاطعات الحيوية مرات عديدة، ما أدى إلى تقسيم القطاع إلى مناطق شبه معزولة، حيث أصبح الانتقال بين الأحياء يتطلب طرقاً ملتوية أو ساعات طويلة من المشي.

انهيار شبكة النقل

لم تعد الطرق في غزة تربط بين الأحياء كما كانت في السابق، كما لم يعد النقل يضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية أو العمل أو الغذاء.

وحتى الطرق التي لا تزال صالحة للمرور نظرياً أصبحت مسدودة بالأنقاض أو المركبات المدمرة أو البنية التحتية المنهارة تحت سطحها.

كما أدى القصف إلى تدمير شبكات المياه والصرف الصحي في عدد من المناطق، ما تسبب في غمر الشوارع بالمياه الملوثة وتحويل التنقل إلى مهمة محفوفة بالمخاطر الصحية.

وفي كثير من المناطق أصبحت الطرق أشبه بمناطق خراب، حيث يمتزج الإسفلت المتشقق بالركام والمعادن الملتوية وبقايا المباني المدمرة.

الحصار يعمّق الأزمة

لم يقتصر انهيار نظام النقل في غزة على القصف الجوي وحده، بل تفاقم أيضاً بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر الذي يقيّد دخول الوقود وقطع الغيار والإطارات والبطاريات والآليات الثقيلة.

وبسبب هذا الحصار، تعجز الورش المحلية عن إصلاح العديد من المركبات التي نجت من القصف، إذ أصبحت قطع الغيار الأساسية مثل الفلاتر والأحزمة وأنظمة الفرامل نادرة للغاية.

كما أدى نقص الوقود إلى ارتفاع أسعاره إلى مستويات تفوق قدرة معظم العائلات، ما أجبر كثيرين على التخلي عن استخدام السيارات حتى إن كانت لا تزال صالحة للعمل.

ويلجأ بعض الميكانيكيين إلى حلول مرتجلة وخطرة لإبقاء المركبات قيد التشغيل، ما يؤدي إلى تلف المحركات وإطلاق أبخرة سامة في المناطق المكتظة بالسكان.

بدائل نقل غير آمنة

مع اختفاء وسائل النقل الرسمية، يعتمد السكان على بدائل بدائية وغير آمنة تشمل عربات “التوك توك” التي تفتقر إلى معايير السلامة، والعربات التي تجرها الحيوانات، أو شاحنات البضائع المكتظة التي تُستخدم لنقل الركاب رغم عدم تصميمها لذلك.

لكن حتى هذه الوسائل لا تغطي كل المسافات، إذ يضطر كثير من السكان إلى إكمال رحلاتهم سيراً على الأقدام عبر طرق مدمرة وغير مستوية.

ويصف سكان القطاع المشي عبر هذه الطرق بأنه مهمة مرهقة بدنياً، خاصة مع استمرار القصف البعيد وانهيار المباني وانتشار الغبار والدخان في الهواء.

أحياء معزولة بالكامل

تواجه البلديات في غزة صعوبة كبيرة في إزالة الأنقاض بسبب نقص الوقود وتعطل المعدات الثقيلة.

ونتيجة لذلك بقيت أحياء كاملة معزولة فعلياً، ليس بسبب نقاط التفتيش العسكرية، بل بسبب الدمار الذي جعل الطرق غير صالحة للاستخدام.

وبات السكان يخططون أيامهم بناءً على المسافة التي يستطيعون قطعها سيراً على الأقدام، وليس وفق احتياجاتهم الفعلية.

وأثر انهيار شبكة النقل بشكل مباشر على قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية الصحية.

فكثير من المرضى يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى العيادات والمستشفيات، بينما يتخلى آخرون عن العلاج بسبب عدم قدرتهم على تحمل مشقة الطريق.

ويضطر بعض الآباء إلى حمل أطفالهم لمسافات طويلة للوصول إلى المراكز الطبية، في حين يبقى كبار السن وذوو الإعاقة عالقين في منازلهم معتمدين على مساعدة الآخرين.

وفي ظل هذا الواقع أصبحت القدرة على المشي لمسافات طويلة فوق الأنقاض عاملاً حاسماً يحدد من يستطيع الحصول على الرعاية الصحية ومن لا يستطيع.

خسائر اقتصادية واسعة

لم يقتصر تأثير انهيار النقل على الحركة اليومية للسكان، بل امتد أيضاً إلى الاقتصاد المحلي.

فقد خسر عشرات الآلاف من السائقين مصادر رزقهم بعد تدمير سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات أو تعطلها.

كما أدى تراجع النقل التجاري إلى تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار السلع الأساسية.

وأصبح العمال يتأخرون عن الوصول إلى أعمالهم أو يعجزون عن الوصول إليها تماماً، بينما يضطر الطلاب إلى المشي لساعات للوصول إلى مدارسهم أو التوقف عن الدراسة.

أما العائلات النازحة فتواجه تكاليف نقل باهظة، إذ يدفع البعض مئات أو آلاف الدولارات لنقل أمتعتهم لمسافات قصيرة.

حركة السكان ضحية للحرب

تشير تقديرات حكومية في غزة إلى أن الخسائر في قطاع النقل تجاوزت ثلاثة مليارات دولار، بما في ذلك تدمير أكثر من ثلاثة ملايين متر طولي من الطرق.

ويرى مسؤولون محليون أن استهداف التقاطعات والجسور والطرق الرئيسية أدى إلى قطع الروابط بين الأحياء والمحافظات، ما أعاق حركة سيارات الإسعاف وقوافل المساعدات الإنسانية.

واقترحت السلطات المحلية خططاً طارئة لإعادة فتح الطرق الحيوية التي تربط المستشفيات ومراكز الإيواء ونقاط توزيع المساعدات.

لكن تنفيذ هذه الخطط يبقى محدوداً بسبب نقص الوقود والآليات الثقيلة واستمرار الحصار.

وعليه لم تعد وسائل النقل في غزة مسألة تقنية أو مسألة راحة، بل أصبحت عاملاً يحدد حدود الحياة اليومية، فهي التي تحدد من يستطيع الوصول إلى الطبيب، ومن يستطيع العمل أو الدراسة، ومن يضطر إلى البقاء في مكانه.

ومع استمرار الحصار وتدمير الطرق، أصبحت الحياة في القطاع تُقاس اليوم ليس بالمسافة بين الأماكن، بل بمقدار الألم والإرهاق الذي يتطلبه الوصول إليها.

Share This Article