المسار : مع ساعات مساء اليوم، ثاني أيام عيد الفطر، أتمّ الفلسطيني المقدسي أحمد حامد بكيرات، من بلدة “صور باهر” في القدس المحتلة، مهمة مؤلمة تمثّلت في هدم جزء من منزله ذاتيًا، تنفيذًا لقرار إسرائيلي هدم صدر بحقه الأحد الماضي، ومنحه مهلة عشرة أيام للتنفيذ، وذلك تفاديًا لتحمّله تكاليف الهدم الباهظة التي تفرضها بلدية الاحتلال.
وجاءت عملية الهدم في وقت كان من المفترض أن يقضيه بكيرات مع عائلته في أجواء العيد، إذ حاول وقف القرار أو تأخيره، بعد أن دفع سابقًا مخالفات تزيد على عشرة آلاف دولار، إلى جانب استمراره في إجراءات الترخيص، إلا أن ذلك لم يحُل دون صدور قرار الهدم، ما اضطره إلى تنفيذه بنفسه لتجنّب أعباء مالية إضافية.
ويُعد هذا المشهد من الحالات المتكررة بصمت مؤلم داخل أحياء القدس وضواحيها، حيث يُجبر فلسطينيون على هدم منازلهم بأيديهم تحت وطأة قرارات بلدية الاحتلال وغراماتها الباهظة.
وتُقدَّم هذه السياسة، المعروفة بـ”الهدم الذاتي”، رسميًا باعتبارها إجراءً قانونيًا بحق “البناء غير المرخّص”، لكنها في الواقع، وفق حقوقيين، تتحول إلى أداة ضغط نفسي ومالي لإجبار الفلسطيني على تدمير منزله بيده، في ظل شبه استحالة الحصول على تراخيص بناء في القدس.
وقال بكيرات في شهادته: الأصعب من قرار الهدم نفسه هو أن تُجبر على تنفيذه بيدك. هذا البيت بنيته بعد سنوات من التعب، وفي أيام العيد، بدل استقبال الضيوف، كنت أهدم جدرانه. وأضاف: “لو لم أفعل ذلك، لفرضت عليّ البلدية تكاليف الهدم، وربما السجن إن لم أدفع”.
ولا تقتصر هذه الحالات على “صور باهر”، بل تمتد إلى أحياء مثل “سلوان، وجبل المكبر، والعيسوية”، حيث يعيش آلاف المقدسيين تحت تهديد دائم بإخطارات الهدم.
وفي هذا السياق، قالت أم محمد بياتنة (50 عامًا) من حي جبل المكبر: “تسلّمنا إخطارًا بهدم منزلنا بحجة عدم الترخيص. حاولنا لسنوات الحصول على رخصة، لكن دون جدوى. في النهاية، اضطر زوجي إلى هدم غرفة أبنائنا بيده. كانت لحظة قاسية، وكان الأطفال يبكون بينما كنا نهدم”.
من الناحية القانونية، أوضح المحامي المقدسي رائد صب لبن أن “سياسة الهدم الذاتي تُستخدم كأداة للالتفاف على الكلفة السياسية والقانونية لعمليات الهدم المباشر”. وأضاف: “بدل أن تأتي الجرافات وتنفذ الهدم، يُدفع المواطن إلى تنفيذ القرار بنفسه، ما يُظهر الأمر وكأنه إجراء إداري، بينما هو في الحقيقة شكل من أشكال الإكراه”.
وأشار صب لبن إلى أن بلدية الاحتلال تفرض على من يرفض الهدم الذاتي تكاليف مضاعفة تشمل أجور الجرافات والعمال والقوات المرافقة، وقد تصل إلى مبالغ باهظة، فضلًا عن الغرامات المتراكمة، ما يدفع العائلات إلى اختيار الخيار الأقل ضررًا.
من جهته، رأى الباحث في الشأن المقدسي عبد الكريم سدر أن هذه السياسة تتجاوز البعد الفردي لتصل إلى أهداف ديمغرافية أوسع، موضحًا أن “الهدف لا يقتصر على معاقبة البناء غير المرخّص، بل يمتد إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس ومنع توسعه الطبيعي”.
وأضاف: “الهدم الذاتي يخلق حالة من الإحباط والانكسار النفسي، لأنه يحوّل الضحية إلى منفّذ للعقوبة، وهو ما يترك آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي، خاصة لدى الأطفال الذين يشاهدون منازلهم تُهدم أمام أعينهم”.
بدورهم، يعتبر سياسيون فلسطينيون أن هذه الإجراءات تندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى تغيير الواقع في المدينة المقدسة. وقال عضو في مجلس محلي بالقدس -فضّل عدم ذكر اسمه- إن “ما يجري هو تضييق ممنهج على الفلسطينيين، سواء عبر سحب الهويات أو الهدم أو القيود على البناء، بهدف فرض واقع ديمغرافي جديد”.
في المقابل، تواصل بلدية الاحتلال تبرير هذه الإجراءات باعتبارها “تطبيقًا للقانون”، مشيرة إلى أن البناء دون ترخيص يُعد مخالفة تستوجب الإزالة. إلا أن منظمات حقوقية دولية ومحلية تؤكد أن نظام التخطيط ذاته تمييزي، إذ يمنح المستوطنات تسهيلات واسعة، في مقابل فرض قيود صارمة على الفلسطينيين.
وبين ضغوط القانون ومرارة الفقد، يبقى “الهدم الذاتي” أحد أكثر السياسات إيلامًا في القدس، حيث يتحول البيت رمز الأمان إلى ساحة مواجهة يومية، ويُجبر صاحبه على أن يكون الجلاد والضحية في آن واحد.
المصدر … القدس برس

