المسار: تمثّل مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن الحرب على إيران نقطة ارتكاز في المشهد الإقليمي المتوتر، إذ تعكس انتقال الصراع من مرحلة الضربات المفتوحة إلى مساحة اختبار سياسي يُراد منه إما انتزاع تنازل سريع من طهران أو تحميلها مسؤولية إفشال الفرصة الأخيرة، ثم إمكانية انفجار الحرب مرة أخرى بطريقة أكثر كثافة.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة ، أن واشنطن بلغت حدًّا من الإرهاق السياسي والعسكري، ما جعل إنتاج مخرج سريع ضرورة ملحّة بعد أن تحوّل الصراع إلى عبء ثقيل على الإدارة الأمريكية.
ويشيرون إلى أنه رغم استمرار الضربات، فإن تراجع حدّتها واتساع الوساطات الإقليمية يمنحان المهلة طابع “الاستراحة المشروطة” بانتظار توازنات اللحظة.
ومع ذلك، يرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن المهلة تبقى ورقة ضغط مفتوحة على كل الاتجاهات: قد تُفضي إلى تفاهم محدود حول الملف النووي، أو تُستخدم لتبرير تصعيد أشد، بينما تبقى المنطقة معلّقة على قرار أمريكي نهائي قد يحدد شكل المرحلة المقبلة بأكملها.
خطوة ترمب.. “استراحة محارب”
يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي د. حسين الديك أن مهلة الأيام الخمسة المعلنة من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في خضم التصعيد الإقليمي الجاري ليست “خديعة”، بل “استراحة محارب” تعكس وجود مفاوضات حقيقية تجري خلف الأبواب المغلقة.
ويوضح الديك أن قيادة الجيش الباكستاني تتصدر جهود الوساطة، نظراً لما تملكه باكستان من ثقل استراتيجي وعلاقات متشابكة تمتد بين السعودية وإيران والولايات المتحدة، إلى جانب أدوار تركية ومصرية فاعلة، مشيراً إلى أن هذا الثلاثي – باكستان وتركيا ومصر – يشكل العمود الفقري لمسار التفاوض الحالي.
مؤشر على تفاهمات مبدئية
ويرى الديك أن تراجع حدة الضربات المتبادلة رغم وجودها ونوعيتها، مؤشر واضح على وجود تفاهمات مبدئية، موضحاً أن غياب الموجات الصاروخية الكثيفة كما جرى في الأيام السابقة يعزز فرضية التهدئة المؤقتة.
ويشير الديك إلى أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واتصالات شخصيات أمريكية بارزة معه، تعطي دلالة إضافية على وجود تحركات سياسية غير معلنة.
ويلفت الديك إلى أن مصادر أمريكية تحدثت بأن السقف التفاوضي المطروح يتضمن تصوراً لتشكيل حكومة انتقالية في إيران يقودها الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، من دون إشراك رموز التيار المحافظ، تكون مهمتها إدارة مرحلة انتقالية محدودة.
المطالب الأمريكية
وتشمل المطالب الأمريكية، وفق الديك، إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية دائمة في إيران، وإنهاء العداء بين طهران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب وقف كامل البرنامج النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب بمستوياته المختلفة، وقطع العلاقات مع الأذرع والوكلاء الإقليميين، فيما يعتبر الديك أن تحقق هذه المطالب سيُعد “استسلاماً سياسياً” من قبل إيران، وليس مكسباً.
ويشير الديك إلى أن إيران، من حيث المبدأ، لا ترفض المفاوضات، بل سبق أن قدمت تنازلات واسعة في اتفاقيات جنيف، بينما كان الرفض من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بضغط من بنيامين نتنياهو الذي قدّم تقديرات استخباراتية رجّحت انهيار النظام الإيراني بعد اغتيال قيادته السياسية والعسكرية، وهي تقديرات ثبت خطؤها بعد إعادة النظام إنتاج نفسه سريعاً.
إمكانية استهداف محطات الطاقة
ويطرح الديك أربعة سيناريوهات محتملة بعد انتهاء مهلة الأيام الخمسة: الأول، تصعيد واسع يفي فيه ترمب بتهديده عبر ضرب أكبر محطة طاقة في إيران، وليس الضربات بصورة غير مباشرة كما حدث، ما سيدفع طهران لرد قاسٍ يستهدف منشآت الطاقة والاقتصاد في الخليج، مع احتمالية انخراط دول خليجية والحوثيين في المواجهة.
ضربة محدودة وإمكانية عملية عسكرية واسعة
الطرح الثاني، وفق الديك، ضربة أمريكية محدودة ذات طابع رمزي تقابلها إيران برد موضعي يبقي وتيرة الحرب الحالية كما هي. ويشير الديك إلى الطرح الثالث، وهو تجاهل ترمب للمهلة والعودة للتخطيط لعملية عسكرية واسعة لفتح مضيق هرمز أو لإنهاء الحرب.
إمكانية إبرام اتفاق مفاجئ
أما الطرح الرابع، بحسب الديك، فهو التوصل لاتفاق مفاجئ عبر قناة خلفية بوساطة باكستانية أو تركية أو قطرية أو مصرية وربما روسية، أو من خلال اتصال مباشر بين طهران وواشنطن، يشمل ضمانات لوقف البرنامج النووي وتسليم اليورانيوم المخصب وتجميد برنامج الصواريخ الباليستية.
ويشير الديك إلى أن “سلوك ترامب غير قابل للتنبؤ”، ما يجعل كل الخيارات مفتوحة بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة.
لحظة دون التفوّق العسكري الحاسم
يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. رائد أبو بدوية أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع للحرب الجارية وحدودها الواقعية، مشدداً على أن اللحظة الحالية ليست لحظة تفوّق عسكري حاسم، بل لحظة “سقف” وصلت إليها واشنطن في خياراتها.
ويوضح أبو بدوية أن الولايات المتحدة تدرك أن تغيير النظام في إيران ليس خياراً مطروحاً، وأن بنك الأهداف العسكرية آخذ في التقلص، فيما تتصاعد كلفة أي ضربة إضافية، خصوصاً مع دخول مضيق هرمز إلى قلب الحسابات الاستراتيجية.
ويرى أبو بدوية أن هذه المهلة لا تُعدّ تمهيداً لضربة جديدة بقدر ما تشكل نافذة اضطرارية لإنتاج مخرج سياسي، حيث تُستخدم لغة التهديد في سياق الضغط وليس كغاية بحد ذاتها.
خشية من استخدام طهران أوراقها الحساسة
ويؤكد أبو بدوية أن واشنطن تخشى أن يؤدي أي تصعيد كبير إلى دفع طهران نحو استخدام أوراقها الأكثر حساسية وفي مقدمتها ورقة هرمز، الأمر الذي قد يدخل الاقتصاد العالمي في صدمة يصعب احتواؤها في ظرف دولي هش أصلاً.
إدارة ترمب وإنجاز سريع قابل للتسويق
وعلى المستوى الداخلي الأمريكي، يشير أبو بدوية إلى أن الإدارة الحالية تبحث عن إنجاز سريع قابل للتسويق سياسياً، وليست في وارد الانخراط بحرب مفتوحة ذات كلفة اقتصادية وانتخابية مرتفعة.
التوصل إلى اتفاق محدود تحت الضغط
وبحسب أبو بدوية، فإنه من هنا، تبدو المهلة محاولة لفرض إيقاع تفاوضي سريع: إمّا تقديم تنازل محسوب من جانب إيران، أو تحميلها مسؤولية إفشال “الفرصة الأخيرة”.
وعن السيناريوهات المتوقعة بعد انتهاء المهلة، يرى أبو بدوية أن السيناريو الأرجح هو التوصل إلى اتفاق محدود تحت الضغط، يتركز على الملف النووي باعتباره النقطة الأكثر إلحاحاً وقابلية للتفاهم، فيما تُترك الملفات الأكثر تعقيداً—مثل الصواريخ والنفوذ الإقليمي—خارج إطار الاتفاق مؤقتاً.
ويشير أبو بدوية إلى أن مثل هذا التفاهم لن ينهي الصراع، لكنه سيجمّده ويحول دون انفجاره في لحظة حساسة.
ووفق أبو بدوية، سيبرز في هذا السياق ملف تأمين الملاحة في مضيق هرمز بوصفه إنجازاً دبلوماسياً للإدارة الأمريكية، كونه يخفف خطر التصعيد ويجنب الاقتصاد العالمي، وخصوصاً الأمريكي، صدمة طاقة واسعة.
ويؤكد أبو بدوية أن هذا السيناريو يخدم مصالح الطرفين بشكل غير معلن: يمنح واشنطن فرصة إعلان نجاح دبلوماسي سريع، ويوفر لطهران مخرجاً من الضغط دون تقديم تنازلات استراتيجية شاملة، ويعيد الطمأنينة إلى الأسواق الدولية، ويقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة.
لحظة ضغط قصوى
ومع ذلك، لا يستبعد أبو بدوية سيناريوهات أخرى، مثل ضربة محدودة يعقبها تفاوض أو تصعيد أوسع، كما حدث باستهداف مصادر الطاقة.
ويشير أبو بدوية إلى أن مهلة ترمب ليست مهلة تسبق الحرب بل مهلة لتفاديها، وهي “لحظة ضغط قصوى تهدف إلى إنتاج اتفاق سريع يمنع الوصول إلى نقطة تصبح فيها الحرب أكبر من قدرة الجميع على السيطرة”.
تجميد انتقائي لأداة محددة من أدوات التصعيد
يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا يمكن اعتبارها انفراجة حقيقية، بل تمثّل “تجميدًا انتقائيًا” لأداة محددة من أدوات التصعيد، دون المساس بجوهر القدرة العسكرية الأمريكية.
ويوضح حرفوش أن التقارير المتقاطعة تشير إلى أن ترمب أجّل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية فقط، بعد حديثه عن “محادثات مثمرة”، بينما لم يشمل هذا الإرجاء الأهداف العسكرية أو البحرية أو مواقع الصواريخ الباليستية أو القاعدة الصناعية الدفاعية؛ ما يعني أن “بنك الأهداف” ما يزال مفتوحًا، وأن المنطق العسكري لم يُعلّق بل أعيد ترتيب أولوياته.
المهلة “نافذة اختبار”
ويرى حرفوش أن المهلة تبدو أقرب إلى “نافذة اختبار” منها إلى فترة تهدئة، فواشنطن تعرضها كفرصة للدبلوماسية، بينما تنفي طهران أي وجود لاتصالات مباشرة، وتصف الأحاديث الأمريكية حول المفاوضات بأنها “أخبار كاذبة” أو توظيف سياسي واقتصادي للأزمة، حيث أن هذا التناقض بين الروايتين يكشف أن المهلة تُستخدم كأداة إدارة صراع.
ويعتقد حرفوش أن هذه المهلة تحمل رسالتين: الأولى إلى إيران، بأن باب التفاهم لم يُغلق لكن تحت سقف ضغط عسكري واقتصادي مستمر؛ والثانية إلى الحلفاء والأسواق الدولية بأن واشنطن منحت الدبلوماسية فرصتها قبل اللجوء إلى ضربة جديدة.
المشهد لا يزال صدامياً
ويشير حرفوش إلى أن استمرار الضربات المتبادلة وتقارير الهجمات الصاروخية يحدّ كثيرًا من احتمال وجود انفراج حقيقي، فالمشهد لا يزال صداميًا رغم التعليق الجزئي.
وعن السيناريوهات المتوقعة بعد انتهاء المهلة، يقدّم حرفوش أربعة مسارات محتملة، أولها “التهدئة المشروطة”: أي استمرار الوساطات غير المباشرة عبر أطراف إقليمية مثل عُمان ومصر وباكستان، وتمديد التجميد الجزئي مقابل خطوات إيرانية تتصل بالممرات البحرية أو الملف النووي أو مستوى الاشتباك الإقليمي، ويعتبر هذا السيناريو ممكنًا وإن ظل هشًا.
السيناريو الثاني وفق حرفوش، هو “التصعيد المنضبط”، أي انتهاء المهلة دون اتفاق جوهري، ثم عودة واشنطن لضرب البنية التحتية للطاقة مع تفادي الانزلاق إلى حرب برية شاملة، ويكتسب هذا المسار وزنًا لأن التعليق كان محدودًا أصلًا، ولأن المعلومات تشير إلى استمرار العمليات ضد الأهداف العسكرية الإيرانية.
التدحرج الإقليمي الواسع
أما السيناريو الثالث بحسب حرفوش، فهو “التدحرج الإقليمي الواسع”، وهو الأخطر من بين السيناريوهات، حيث قد تتوسع دائرة الضربات والردود لتشمل إسرائيل والممرات البحرية وقواعد أمريكية، خاصة إذا رأت طهران أن التصعيد يستهدف جوهر قدراتها الاستراتيجية.
وتشير حساسية مضيق هرمز وتداخل خطوط الطاقة العالمية بحسب حرفوش، إلى أن أي ضربة عميقة قد تشعل اشتباكًا يتجاوز قدرة الأطراف على احتوائه.
تسوية ناقصة
ويشير حرفوش إلى أنّ السيناريو الرابع هو “تسوية ناقصة تحت ضغط السوق”، حيث أثبتت حركة أسعار النفط أن الأسواق أصبحت لاعبًا مباشرًا في توجيه القرار السياسي، وفي ظل هذه التقلبات، قد تُفرض صفقة مؤقتة تخفف التصعيد دون معالجة جذور النزاع.
ويرى حرفوش أن مهلة ترمب ليست ورقة من أجل السلام، بل “ورقة ضغط مُغلّفة بلغة الفرصة الأخيرة”، وقد تتحول إلى ممر تهدئة أو إلى تبرير سياسي وقانوني لضربة أشد، فيما تبقى المنطقة معلّقة بين تصعيد محسوب وتسوية مؤقتة تؤجل الانفجار فقط.
إيران وتجاوز الصدمة
يؤكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة، د. قصي حامد، أن مسار الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى اتجه في منحى مغاير تمامًا لما خططت له واشنطن وتل أبيب، موضحًا أن الهدف الأساس من الضربة الأمريكية واغتيال المرشد الإيراني كان إحداث اضطراب داخلي يقود إلى اهتزاز النظام وصولًا إلى انهياره، لكن طهران حافظت على تماسكها الداخلي وتجاوزت الصدمة.
ويوضح حامد أن إيران تعاملت مع الحرب بمستوى من الندية انعكس في طبيعة الردود العسكرية، فلم تكتفِ بضرب أهداف إسرائيلية، بل وسّعت نطاق الرد ليشمل القواعد والمواقع العسكرية الأمريكية في الخليج، في خطوة هدفت إلى تشكيل ضغط مزدوج على واشنطن.
هذا الضغط وفق حامد، حمل مسارين أساسيين: أولهما زعزعة الاستقرار الأمني في دول الخليج بما يؤثر على بيئة الاستثمار والاقتصاد، وثانيهما نقل الأزمة إلى نطاق عالمي بحيث تتحول تداعيات الحرب إلى أزمة اقتصادية تطال أوروبا والدول العربية والغربية والولايات المتحدة، ما يجعل العامل الاقتصادي عنصراً مركزياً في استراتيجية طهران للردع.
الإدارة الأمريكية أمام مأزق استراتيجي
ويشير حامد إلى أن هذه التطورات وضعت الإدارة الأمريكية أمام مأزق استراتيجي دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى إصدار مهلة الأيام الخمسة، وهي مهلة قد تحمل “خديعة استراتيجية” هدفها الضغط على إيران ودفعها إلى طاولة تفاوض بشروط أمريكية مرتفعة، في مقابل وجود مطالب إيرانية لا تقل سقفًا.
التعامل الجدي مع التهديدات
ويوضح حامد أن طهران تعاملت بجدية مع التهديدات الأمريكية، وردّت برسالة واضحة مفادها بأن استهداف منشآت الطاقة الإيرانية سيقابله استهداف مماثل في إسرائيل والدول العربية، في ظل إغلاقها لمضيق هرمز، ما يضع العالم أمام أزمة وقود عالمية.
ويعتقد حامد أن واشنطن أخذت هذه التهديدات على محمل الجد، لأنها قد تقود إلى تصعيد يصعب التراجع عنه، خاصة إذا تحولت الضربات إلى استهداف المفاصل الاقتصادية في المنطقة.
ويشير حامد إلى أن تمديد المهلة يأتي في سياق شراء الوقت من أجل نشر قوات المارينز، في محاولة السيطرة على مضيق هرمز.
التهدئة المشروطة أو التصعيد الواسع
وفي تقييمه لمسار الحرب، يقدّم حامد ثلاثة سيناريوهات: الأول “التهدئة المشروطة”، حيث قد تتوقف العمليات العسكرية بوساطات دولية دون تحقيق الولايات المتحدة أهدافها، مقابل نجاح إيران في الصمود وإفشال هدف إسقاط النظام.
ويشير حامد إلى أنّ السيناريو الثاني وهو “التصعيد العسكري الواسع”، خصوصًا إذا حاولت واشنطن السيطرة على مضيق هرمز بما قد يستجلب تدخل أطراف أخرى مثل الحوثيين والتأثير على باب المندب ومسارات الطاقة الدولية، لكن هذا الخيار أقل ترجيحًا.
أما السيناريو الثالث وفق حامد، فهو “الضغط العسكري والاقتصادي المستمر” مع إبقاء الباب مواربًا لمحاولات دبلوماسية لا يتوقع أن تُفضي لاتفاق شامل في الظروف الراهنة.
ويشير حامد إلى أن الولايات المتحدة تستخدم المسار العسكري لتحقيق أهداف سياسية تتمثل في إظهار إيران كطرف مُنهك، فيما تراهن طهران على أن صمودها هو مفتاح القوة في أي مفاوضات مستقبلية، مرجّحًا أن النظام الإيراني يقترب أكثر من تحقيق أهدافه مقارنة بالأهداف الأمريكية المعلنة.
مربع الانسداد المفخخ
يوضح أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن التمديد الأمريكي لمهلة التهديدات العسكرية خمسة أيام إضافية ينقل المواجهة الدائرة مع إيران إلى “مربع جديد” يمكن وصفه بـ”مربع الانسداد المفخخ”، وهو تعبير يعكس حجم الإرباك الأمريكي في اختيار السيناريو الأقل كلفة في هذه المرحلة الحساسة من الحرب. ويرى دياب أن واشنطن باتت أمام مفترق استراتيجي حاد، إذ تتأرجح خياراتها بين توسيع الحرب حتى النهاية—بما يحمله ذلك من تداعيات طاقوية واقتصادية وبورصية وضغوط على دول الخليج والداخل الأمريكي—وبين القبول بتسوية أو استراتيجية خروج تحفظ الحد الأدنى من مصالحها.
ويبيّن دياب أن “الانسداد” ناجم عن تضارب المصالح الذي يصعب التوفيق بينه: فمن جهة، هناك مؤشرات الاقتصاد والنفط والبورصات العالمية ومصالح الشركاء الخليجيين، وهي عوامل تدفع نحو التهدئة؛ ومن جهة أخرى، يوجد المؤشر الإسرائيلي ومصالح تل أبيب التي تضغط في اتجاه الإبقاء على الولايات المتحدة داخل الحرب حتى تحقق إسرائيل أهدافها الاستراتيجية.
ويرى دياب أن التطورات المتسارعة خلال 25 يوماً من الحرب جعلت من المستحيل الجمع بين المصلحتين، ما يفرض على واشنطن اختيار واحدة من المسارين أو القبول بتسوية وسطية محدودة.
ويعتقد دياب أن “تفخيخ” هذا الانسداد يكمن في استحالة قبول الولايات المتحدة بالمطالب الإيرانية لإنهاء الحرب، لأن ذلك سيُفسَّر كهزيمة للهيبة الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم، وهو أمر لا يمكن لواشنطن تحمّله.
مخاطر توسيع الحرب
وبحسب دياب، فإن توسيع الحرب يحمل مخاطر أشد، إذ لا توجد لدى الولايات المتحدة صورة واضحة عمّا قد تخفيه إيران من قدرات إضافية بعد أن فاجأت خصومها ثلاث مرات خلال الحرب، وآخرها استخدام الصواريخ الانشطارية.
كما يقلق واشنطن وفق دياب، احتمال دخول أطراف إقليمية أو دولية على خط التصعيد—مثل الصين وروسيا وباكستان وحتى الهند—إلى جانب احتمال تحرك الحوثيين نحو إغلاق باب المندب، وهو ما قد يضيف تعطيلاً جديداً لـ12% من تجارة الطاقة العالمية فوق الـ20% المرتبطة بمضيق هرمز، ما يعني تعميق أزمة اقتصادية دولية غير مسبوقة.
موجات التململ داخل دول الخليج
ويشير دياب إلى أن الأمريكيين لا يجدون حتى الآن تجاوباً إقليمياً قوياً يساند رؤيتهم للحرب، إذ تتصاعد موجات التململ داخل دول الخليج، الحليف الاقتصادي والنفطي الأهم للولايات المتحدة.
إسرائيل والضغط في الاتجاه المعاكس
وبحسب دياب، فإنه في الوقت نفسه، تواصل إسرائيل الضغط في الاتجاه المعاكس؛ حيث أن اجتماع الائتلاف الحاكم في تل أبيب كان طارئاً وسرياً، ويرجّح أنه ناقش آليات منع أي اتفاق تعتبره إسرائيل مضراً بمصالحها.
ووفق دياب، تتمسك تل أبيب بثلاثة خطوط حمراء: الحفاظ على حرية الحركة العسكرية، وإبقاء الملف اللبناني خارج أي تفاهمات، وعدم السماح بطرح أي التزام—ولو رمزي—نحو تسوية سياسية تخص القضية الفلسطينية.
ويرى دياب أن الأيام الخمسة المقبلة تمثل “المرحلة الأخطر منذ بدء الحرب”، إذ ستكشف الوجهة النهائية للقرار الأمريكي: هل ستختار واشنطن “أمريكا أولاً” عبر مراعاة الاقتصاد والطاقة، أم “إسرائيل أولاً” عبر الاستجابة لضغوط تل أبيب؟ مؤكداً أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل المنطقة في المرحلة المقبلة.
انعطافة حاسمة في مسار الحرب
يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، أن مهلة الأيام الخمسة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه إيران تمثل انعطافة حاسمة في مسار الحرب، موضحًا أنها تحمل وجهين محتملين، إلا أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في محاولة واشنطن إيجاد مخرج سريع من حرب باتت خاسرة سياسيًا وعسكريًا.
ويشير نمر إلى أن الإدارة الأمريكية أدركت أنها تورطت في صراع لم يحقق أيًا من أهدافه المعلنة، سواء إسقاط النظام الإيراني أو منع وصول الصواريخ إلى القواعد الأمريكية وإسرائيل، الأمر الذي وضع ترامب تحت ضغط داخلي متصاعد، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
إغلاق مضيق هرمز نقطة تحول كبرى
وبحسب نمر، فإن إغلاق مضيق هرمز شكّل نقطة تحول كبرى في الأزمة، بعد أن فشلت محاولات الولايات المتحدة في حشد دولٍ للمشاركة في عملية فتح الممر البحري، سواء في آسيا أو أوروبا، إذ رفضت هذه الدول الانخراط في عمل عسكري واسع في منطقة شديدة التعقيد.
ويؤكد نمر أن ترمب يدرك أن محاولة الولايات المتحدة منفردة إعادة فتح المضيق ستكون مكلفة للغاية، وقد تنتهي بسقوط قتلى وخسائر كبيرة تؤدي إلى “هزيمة استراتيجية” يصعب تبريرها أمام الداخل الأمريكي والعالم.
ويوضح نمر أن الحرب أدت إلى ارتفاع أسعار النفط وإرباك الأسواق العالمية دون أن تحقق واشنطن مكاسب ملموسة، ما عزز القناعة الأمريكية بضرورة البحث عن تسوية سياسية تحفظ لترمب إمكانية الادعاء بتحقيق “انتصار”، ولو في ملف نووي محدود.
تحركات دبلوماسية غير معلنة
ويشير نمر إلى تحركات دبلوماسية غير معلنة بوساطات مصرية وتركية وباكستانية لفتح قناة تفاوضية يمكن عبرها إعلان وقف الحرب أو التوصل لترتيبات مؤقتة، خصوصًا مع استعداد إيران لإبداء مرونة في قضيتي تخصيب اليورانيوم ونقل جزء من المخزون عالي التخصيب إلى دول حليفة مثل روسيا أو الصين.
المهلة مناورة لتهدئة أسواق الطاقة
ويرى نمر أن هناك سيناريو يتمثل في أن تكون المهلة مجرد مناورة لتهدئة أسواق الطاقة عبر الإيحاء بقرب المفاوضات، خاصة بعد أن لوحظ انخفاض أسعار النفط مباشرة عقب تصريح ترامب.
ويشير نمر إلى وجود معارضة إسرائيلية واضحة لأي مسار يؤدي إلى وقف الحرب، إذ فوجئت تل أبيب بإعلان المفاوضات، وتخشى أن يكشف ذلك فشلها في تحقيق أهدافها، خصوصًا بعد استمرار وصول الصواريخ من إيران وحزب الله رغم التصريحات الإسرائيلية المتكررة.
محاولة أمريكية لإيجاد مخرج
ويرجّح نمر السيناريو الأول المتمثل في محاولة الولايات المتحدة لإيجاد مخرج سريع من الحرب كمكسب سياسي محدود أصبح هدفًا أمريكيًا ملحًا بعد أن تحولت المعركة إلى عبء ثقيل على واشنطن وحلفائها.
المصدر: جريدة القدس

