| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن (JISS) 26/3/2026
ما حدث في إيران غيّر الشرق الأوسط إلى الأبد
بقلم: افرايم عنبار
عملية “زئير الأسد”، التي تُنفذ بالتزامن مع عملية “الغضب الملحمي” التابعة للجيش الأمريكي، هي استمرار للحرب ضد إيران في حزيران 2025 (عملية “الأسد الصاعد”). تستهدف العملية الحالية القيادة السياسية والعسكرية للجمهورية الإسلامية، وبرنامجها النووي، ومنظومتها الصاروخية، ومنذ حزيران أُضيف إليها هدف طموح يتمثل في إضعاف النظام، لخلق فرصة للشعب الإيراني للانتفاض ضده وإسقاطه. وتعكس هذه العملية مفهومًا أمنيًا مستعدًا لشنّ ضربة استباقية، أو حتى ضربة قاضية.
الحرب ضرورية أحيانًا لمواجهة الأنظمة الشريرة والعدوانية. رجال الدين الذين يحكمون إيران يتبنون رؤية كارثية للإسلام الشيعي المتشدد باعتباره حاكم العالم، ويرون في القيود الأخلاقية للغرب ضعفًا. لإيران تاريخ طويل من الخداع الموثق جيدًا. ويتجسد عدوانها في شعارات “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”، وفي وكلائها من الميليشيات الإرهابية في أنحاء الشرق الأوسط – حزب الله في لبنان، وحماس والجهاد الإسلامي في غزة، والحوثيون في اليمن، والميليشيات الموالية لإيران في سوريا والعراق. جميعها تُقوّض الحكومة المركزية وتهدف إلى تدمير إسرائيل. وقد امتد نفوذ إيران إلى أوروبا وأمريكا الشمالية، بما في ذلك مؤامرات اغتيال دونالد ترامب ومساعديه. وهي الدولة الأبرز في العالم الراعية للإرهاب. حققت القوات الجوية الأمريكية والإسرائيلية تفوقًا جويًا، وتُدمر أهدافًا دون مقاومة تُذكر، وفقًا للخطة الموضوعة. ورغم أنه من السابق لأوانه تقديم تقييم نهائي للعملية الحالية، إلا أن العديد من التداعيات واضحة للعيان.
الخطأ الإيراني
نشهد اليوم تعاونًا عسكريًا أمريكيًا إسرائيليًا هو الأوثق والأكثر تميزًا على الإطلاق. وقد عزز انضمام إسرائيل إلى منطقة مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) منذ كانون الثاني 2021 العلاقات بين الجيشين، وتُمثل عملية التخطيط والتنفيذ المشتركين للعملية الحالية ذروة هذا التعاون. وقد أثبتت إسرائيل مجددًا أهميتها الاستراتيجية لواشنطن، على عكس تردد دول أخرى في الشرق الأوسط أو أوروبا، تُعتبر حليفة للولايات المتحدة، في المشاركة في الحرب. ويُشكل التقارب الجغرافي الوثيق بين القدس وواشنطن رصيدًا سياسيًا وردعيًا هامًا لإسرائيل.
ومع ذلك، يُعدّ الموقف من الحرب في الولايات المتحدة مثيرًا للجدل، حيث ينشر كارهو إسرائيل هناك نظريات مؤامرة تزعم أن اليهود شجعوا الرئيس دونالد ترامب على شنّ الحرب على إيران. وقد فاقم تراجع التأييد الشعبي الأمريكي، الذي بدأ بسبب حرب غزة، من حدة المشكلة.
مع ذلك، فإن الأداء العسكري الإسرائيلي في الحرب وتفوقها المذهل في مجال الاستخبارات يتركان انطباعًا قويًا في المنطقة وخارجها. وتُثبت تكنولوجيا الدفاع الإسرائيلية ضد التهديدات الجوية فعاليتها. ففي الأيام الأولى للحرب، حققت أنظمة الدفاع الإسرائيلية متعددة الطبقات معدل اعتراض بلغ نحو 90 في المئة ضد الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. ومع انتشار تكنولوجيا الصواريخ في أنحاء العالم وتزايد احتمالات استخدامها في النزاعات المسلحة، ستسعى دولٌ أكثر إلى امتلاك قدرات لحماية البنية التحتية والمواطنين. وسيلجأ بعضها إلى الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
إن استعداد إيران لمهاجمة دول الخليج العربي، وتركيا حليفتها في حلف الناتو، وقبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، يزيد من ترسيخ صورة إيران كتهديد، ويزيد من العداء تجاهها في أوساط الدول الأخرى. كما أن الهجوم على أذربيجان، مُصدِّرة الطاقة، وإغلاق مضيق هرمز، يُعطِّلان سوق الطاقة العالمية، ويرفعان أسعار النفط. إن توسيع نطاق الحرب، في محاولة لزيادة مخاطر استمرارها، بهدف الضغط لإنهاء الحرب، يُعدّ مقامرة من غير المرجح أن تنجح. ويُفاقم تصعيد إيران التوترات التاريخية بين السنة والشيعة. وفي الوقت نفسه، لا يُسهم سلوك طهران إلا في زيادة عزلتها في المنطقة والعالم.
إذا استمر النظام، فسيكون من الصعب عليه استعادة العلاقات مع جيرانه. إضافةً إلى ذلك، سيظل الصراع الإيراني الإسرائيلي سمةً بارزةً في النظام الإقليمي، وسيُفاقم حالة عدم الاستقرار.
يُضعف الوضع الراهن لإيران “المحور الشيعي” المناهض لأمريكا، وهي عملية بدأت مع حرب السيوف الحديدية عقب مجزرة حماس في أكتوبر 2023، وحرب الأيام الاثني عشر في حزيران 2025. وقد يكون لهذا تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط، إذ أنشأت إيران شبكات إرهابية في المجتمعات الشيعية في أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.
لا يزال مستقبل النظام الشيعي الثوري غامضًا. على أي حال، فإن فكرة قدرة الشعب الإيراني المعارض للنظام على الإطاحة بآيات الله هي فكرة متفائلة للغاية، طالما أن النظام قادر على استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين ومستعد لذلك. فبدون معارضة مسلحة، سيبقى النظام قائمًا، وإن كان ضعيفًا. ومن المرجح أن يؤدي استخدام جيوش قائمة على الأقليات (الأكراد والبلوش) إلى إثارة المشاعر القومية الفارسية ومخاوف انقسام الدولة، مما سيساعد النظام على البقاء.
الفراغ الاستراتيجي والمحور السني الراديكالي
لا يبشر تراجع قوة إيران بخير بالنسبة لشرق أوسط مستقل. فالمنطقة لا تزال تعاني من صراعات خطيرة، حيث يبقى استخدام القوة أداة شائعة في ترسانة القادة. إضافة إلى ذلك، تعاني بعض الحكومات من الضعف وتواجه صعوبة في كبح جماح الميليشيات المسلحة. وسيظل الشرق الأوسط مصدرًا للإرهاب الإسلامي والأزمات العنيفة. وفي أعقاب هجمات إيران على جيرانها، سيزداد إدراك الجميع لهذا التهديد.
لقد أدت هزائم إيران ووكلائها إلى فراغٍ يملؤه الآن محورٌ سنيٌّ متطرفٌ لا يقل خطورة، يتجسد في تركيا المدعومة من قطر. يُمثل الرئيس رجب طيب أردوغان وكثيرٌ من أعضاء حزبه نسخةً تركيةً من جماعة الإخوان المسلمين، وهي حركةٌ متطرفةٌ معاديةٌ للغرب، تغذيها الحنين إلى عظمة الإمبراطورية العثمانية. كما تطمح تركيا أردوغان إلى امتلاك قدراتٍ نووية. لطالما نظرت الولايات المتحدة إلى تركيا كحليفٍ مهم، ويرى الرئيس ترامب في أردوغان زعيماً قوياً وودوداً. إلا أن هذا التقييم يتجاهل في الغالب سلوكاً تركياً لا يتوافق مع مكانتها كحليفٍ للغرب.
رغم فشل محاولات أردوغان في ثني الولايات المتحدة عن مهاجمة إيران، وعدم قبول واشنطن لعرضه التوسط بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن هذا العرض لاقى ترحيباً من الدول السنية التي تخشى قيادة إيرانية جديدة قد تنظر إلى إسرائيل كحليف كما في السابق، ما قد يعزز نفوذ إسرائيل. في هذه الحالة، سيُقرب منطق الحفاظ على توازن القوى العديد من الدول من تركيا، إحدى أقوى دول الشرق الأوسط.
وتحظى قدرات تركيا وطموحاتها بدعم مالي سخي من قطر، التي تمول أنشطة جماعة الإخوان المسلمين حول العالم منذ سنوات. وتُعدّ قناة الجزيرة التابعة لها المنصة الإعلامية الرئيسية للدعاية المتطرفة عالمياً. وعلى عكس إيران، تُصوَّر قطر في واشنطن كحليف، رغم دعمها المستمر للحركات الإسلامية والعناصر المعادية للغرب. لقد أخفق الغرب في التمييز بين تركيا وقطر.
لا يزال الشرق الأوسط، مهد الحضارة الغربية، ساحة صراعٍ لها. وتستمرّ المواقف المعادية للغرب، المتجذّرة في الإسلام الراديكالي، في الانتشار في جميع أنحاء المنطقة. وعندما تقترن هذه المواقف برسائل اليسار المتطرف، تجد آذاناً صاغية حتى في بعض أجزاء الغرب. ويُعدّ التعاطف غير المسبوق مع حماس، وهي منظمة إسلامية متطرفة، مثالاً صارخاً على هذا التخبط الأخلاقي.
سابقة قطع رؤوس القيادات وتداعياتها العالمية
شكّلت الغارة الجوية الإسرائيلية، التي قطعت رؤوس قيادتي إيران السياسية والعسكرية، سابقةً لاغتيال رئيس دولة. وتُعدّ هذه السابقة بمثابة جرس إنذار لرؤساء الدول المتمردين، لا سيما بعد اختطاف الولايات المتحدة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد يصبح قطع رؤوس القيادات السياسية أداةً أكثر شيوعاً. ولا تزال الآثار طويلة المدى لقطع الرؤوس غير واضحة، لكنّ مثل هذه العملية تُصعّب الأمور على الجانب المُستهدف فوراً، ومع تعمّق الانطباع بوجود اختراق استخباراتي عميق، فإنها تُثير الإحباط والشكوك الداخلية. علاوة على ذلك، أظهر الهجوم الدور الحاسم للاستخبارات في الحروب الحديثة.
لطالما شكّل البرنامج النووي الإيراني تحدياً لنظام معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. فقد قامت طهران بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من مستوى التخصيب اللازم لصنع القنابل، وتسعى سراً إلى تطوير أسلحة نووية. إن تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية يعزز نظام معاهدة عدم الانتشار، ويشكل رادعاً قوياً للدول الساعية إلى امتلاك أسلحة نووية في المنطقة، مثل تركيا والسعودية ومصر، فضلاً عن دول خارج الشرق الأوسط.
إن استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية يُشكك في الثقة العمياء بأولوية الدبلوماسية، وفي النفور الواسع النطاق من العمل العسكري. وقد ساهم الغزو الروسي لأوكرانيا العام 2022، والإخفاقات الدبلوماسية التي أعقبت الحرب، في تغيير التفكير الغربي حيال هذه القضية؛ وبعد فشل الجهود الدبلوماسية الأمريكية في انتزاع تنازلات من إيران، تُسرّع العملية العسكرية الحالية من وتيرة هذا التغيير.
تُثير الهجمات على إيران تساؤلات حول مصداقية حلفائها، الصين وروسيا. فقد امتنع كلاهما مجدداً عن التدخل، تاركين إيران تتحمل وطأة الهجوم، مما يُثير شكوكاً جدية حول قدرتهما على العمل كشريكين استراتيجيين، لا سيما في دول العالم الثالث. في المقابل، تقف الولايات المتحدة بحزم إلى جانب إسرائيل، مُشيرةً إلى أنها لا تزال قوة عظمى فاعلة في النظام الدولي. إن قدرة واشنطن على التدخل عسكرياً في مناطق بعيدة عنها دون معارضة تُذكر تُثبت أن العالم ليس متعدد الأقطاب كما يعتقد الكثيرون. هذه الحقيقة ينبغي أن تكون مصدر طمأنينة لمن يسعون إلى الحرية والتسامح.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
هل تنازلنا عن تفكيك المشروع النووي وبرنامج الصواريخ وتغيير النظام؟
بقلم: اوري مسغاف
أمس قضيت ساعتين في استوديو “اخبار 12″، الذي يعطيني لحسن الحظ، فرصة للظهور. لقد غادرت وأنا في حالة دهشة. 26 يوم في خضم حرب دموية مدمرة، تتغير اهدافها كل بضعة ايام، وما زال الاكاديميون وخبراء الامن يحدثوني عن “انجازات عملياتية مدهشة” و”تحسن وضعنا بشكل كبير”. البث ينقطع باستمرار بسبب تحديثات حول عمليات اطلاق الصواريخ من ايران نحو المركز، وقصف حزب الله الوحشي في الشمال. ويجلس الى جانبي المحامي ايلان بومباخ، الذي يمثل الحكومة وحزب الليكود بشكل خاص في سلسلة الالتماسات للمحكمة العليا، ويبالغ في وصفه لـ “الايام التاريخية”. أنا أنظر اليه واتساءل اذا كانت المشكلة عندي أو عنده.
بعد اقل من سنة على عملية “شعب كالاسد” نحن نجد انفسنا من جديد في مواجهة مباشرة مع ايران وحزب الله. مواجهة نحن الذين بدأنا فيها، وتم جر الولايات المتحدة اليها. ولكن، خلافا للولايات المتحدة، اسرائيل تتعرض لقصف مستمر. اليورانيوم المخصب مدفون في عمق الارض، تهديد الصواريخ الذي “تم التخلص منه منذ اجيال” يشل اسرائيل، من تل ابيب الكبرى وحتى ايلات. لم يتم اسقاط النظام، بل تم استبدال قادته باصوليين آخرين، يتغذون على روح الانتقام، وقد تم حشرهم في الزاوية. مطار بن غوريون مغلق امام معظم الاسرائيليين، باستثناء من لهم حظ، ومعظمهم من الحريديين وابناء عائلة نتنياهو الذين يسافرون الى واشنطن وبودابست. لا يوجد تعليم، ثقافة أو رياضة. الجليل يشتعل، الاقتصاد في حالة مزرية، الشركات تنهار. الحكومة توافق على تجنيد 400 الف جندي احتياط لغزو لبنان مرة اخرى. تنبيه: لا يوجد مثل هذا العدد. لقد استنزف نظام الاحتياط الى الحد الاقصى. اما النظام الاساسي فقد انهار تماما بعد سنتين في غزة وفي لبنان. وانا اصمم على طرح سؤال: كيف تحسن وضعنا الى هذا الحد.
في مرحلة معينة وبخني احد الموجودين في الاستوديو. انا اجبته بان طرح الاسئلة والتشكك هو جوهر العمل المدني بالنسبة لي. أنا اتساءل وهذا يعني أنني مواطن. هذا ما يتميز به المواطن عن التابع. التابع هو شخص يقومون بتجنيده، للجبهة أو للجبهة الداخلية، يركض الى الملجأ والى الغرفة الآمنة تحت وعود ضبابية واهداف متغيرة. يجبون منه طوال حياته الضرائب لتمويل قطاعات تتهرب من الخدمة. يشرحون له بانه اذا تم اطلاق صفارة الانذار اثناء سفره في السيارة فيجب عليه الوقوف على جانب الشارع وان ينبطح على الارض ويغطي رأسه. وتشرح قيادة الجبهة الداخلية هذه التعليمات، في الدقائق التي تم تخصيصها لاصابة الصاروخ في مفترق محنايم، الذي قتلت فيه نورئيل دوفين (27 سنة)، التي حرصت في الواقع على تنفيذ التعليمات، لكن مثلما اوضح الناطق بأسف، ليس دائما يكفي ذلك لانقاذ الحياة.
قبل بدء البث لفت انتباهي عنوان رئيسي في موقع “واي نت”: “الحرب على فتح مضيق هرمز”. هل هذا هو هدف الحرب الحالية؟ هل تنازلنا عن المشروع النووي وبرنامج الصواريخ وتغيير النظام؟ هل اصبح مضيق هرمز هو محور فيلادلفيا الجديد لنا؟ (بالمناسبة، كيف هو حقا؟). الحقيقة هي ان مضيق هرمز كان مفتوح امام الملاحة قبل الحرب. وأنا اشك في ان ترامب كان يعرف عن مكانه قبل الحرب. أنا ارغب في معرفة اذا كان نتنياهو قد اوضح له خطر اغلاق المضيق قبل جره الى الحرب.
عنوان رئيسي آخر هو “لقد بدأ هدم القسم في مستشفى سوروكا الذي اصيب بصاروخ ايراني في عملية “شعب كالاسد”. هذا يذكرني بمشهد الصيد بواسطة القاء قنابل صغيرة محظورة في المياه في فيلم “متستسيم”، عندما سأل آفي دوفيدكا: “هل أنت تقوم باعداد واحدة اخرى؟ اجابه: لم أنته بعد من اخراج السمك من القصف السابق”؟.
لقد سافر ترامب في هذا الاسبوع في خضم حرب مصيرية لزيارة في ضيعة غرايسلاند، وتحدث بشكل متبجح عن اعجابه بالفيس بريسلي. وفي اليوم التالي قال: “ايران قدمت لنا هدية كبيرة ثمينة. لقد وصلت اليوم. هذا جعلني اعتقد اننا نتباحث مع الاشخاص المناسبين. هذه هدية ترتبط بالنفط والغاز”.
هذا هو الشخص المجنون الذي راهن عليه رئيس الحكومة في 7 اكتوبر عندما قام بشن هجوم على ايران ووكلائها، بتشجيع من المعارضة ووسائل الاعلام في اسرائيل. يمكن للمرء أن يفقد عقله.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
اخلاء 15 عائلة من بيوتها في سلوان، وتحويل الشقق الى جمعية مستوطنين
بقلم: نير حسون
لقد تم اخلاء 15 عائلة فلسطينية من بيوتها في حي بطن الهوى في سلوان في اليومين الاخيرين. وقد صدر امر الاخلاء من المحكمة بعد صراع قانوني طويل، وتم نقل ملكية بيوتهم الى جمعية عطيرت كوهانيم الاستيطانية. لقد تركت اربع عائلات بيوتها بنفسها، في حين تم اخلاء العائلات الـ 11 الاخرى بواسطة قوات الشرطة ومقاولين خاصين، ليصل عدد من تم اخلاءهم 65 شخص. وقد اندلع حريق في احد البيوت وتم اعتقال احد السكان الفلسطينيين للاشتباه في اشعال النار. في السنة الماضية صدر 35 أمر اخلاء لعائلات في الحي، ومن المقرر تنفيذها كلها في الاشهر القادمة.
يقول يعقوب الرجبي، الذي تم اخلاءه مع عائلته: “لقد جاءوا في الساعة التاسعة صباحا ودخلوا الى البيت، واخذوا الاولاد والنساء وانزلونا الى الشارع. بعد ذلك جاء رجال انفاذ القانون وبدأوا في اخلاء كل شيء. هذا هو البيت الذي ولدت فيه وتزوجت فيه وولد اولادي فيه وقضيت فيه كل حياتي”. وحسب السكان فقد انتقلوا بشكل مؤقت للعيش في بيوت لاقاربهم، بهدوء وأمان، اذا صح التعبير.
يعتبر اخلاء هذه العائلات جزء من المعركة القانونية المستمرة منذ عقود بين جمعية عطيرت كوهانيم ومئات سكان بطن الهوى. في 2001 اصبح اعضاء الجمعية أمناء على وقف بنفنستي، وهو وقف اقامه متبرعون للاستيطان اليهودي في نهاية القرن التاسع عشر بعد شراء ارض في سلوان لتوطين يهود اليمن. القرية اليمنية صمدت هناك حتى العام 1938. في حينه قامت القوات البريطانية باخلائها بذريعة عدم امكانية حمايتها وتم هدم البيوت فيها. مع ذلك بقيت الارض مسجلة باسم الوقف.
معظم سكان الحي العرب، الذين يعيشون فيه منذ ستينيات القرن الماضي، يقولون بانهم قاموا بشراء الارض بدون معرفتهم أنها بملكية يهودية. وتستند جمعية عطيرت كوهانيم في صراعها الى قانون الترتيبات القضائية والادارية الصادر في 1970. هذا القانون يسمح لليهود بالمطالبة بممتلكاتهم في شرقي القدس، ولكنه لا يسمح بذلك للفلسطينيين الذين تركوا وراءهم ممتلكات كثيرة في غربي المدينة.
اضافة الى اخلاء حي بطن الهوى، يتوقع اخلاء حي آخر في سلوان في الاشهر القريبة القادمة، وهو حي البستان القريب. وتعيش في هذا الحي الآن حوالي 60 عائلة. ومنذ 7 اكتوبر هدمت البلدية 35 بيت في الحي، ويتوقع هدم 60 بيت آخر في الاسابيع القادمة. سبب اخلاء وهدم حي البستان هو خطة اسرائيل لاقامة حديقة وطنية – حديقة الملك – ضمن حديقة مدينة داود الوطنية التي تديرها جمعية العاد غير الحكومية.
منظمة “بتسيلم” قالت في اعقاب اخلاء العائلات: “تحت غطاء الحملة الاسرائيلية – الامريكية على ايران تقوم اسرائيل بتوسيع نطاق التطهير العرقي في شرقي القدس، وتشريد العائلات الفلسطينية. ويعتبر اخلاء 11 عائلة الذي يجري في الوقت الحالي بداية موجة لعملية التهجير الجماعي”. وقالوا في المنظمة ايضا: “هذا واقع من العنف الممأسس والمنهجي، وتعبير واضح على سياسة اسرائيلية تهدف الى هندسة التوازن الديمغرافي و”تهويد” الحي، من خلال استغلال القوانين المميزة. وتهدف هذه الخطوات الى توسيع الوجود والسيطرة الاسرائيلية في احد اكثر المناطق حساسية، سياسيا ودينيا في المنطقة، وهي تشكل عامل رئيسي في التطهير العرقي الواسع الذي يحدث حاليا في كل ارجاء الضفة الغربية”.
وقالوا في جمعية “عير عاميم” ان “هذه احد اكبر عمليات الاخلاء في شرقي القدس. وللاسف الشديد، قد تحدث عمليات اخلاء اخرى في سلوان في القريب”. واكد افيف تترسكي، العضو في الجمعية، بان “طرد مئات السكان من قرية سلوان، والمستوطنة التي تهدد أمن كل الحي، هي جريمة يجب وقفها”.
——————————————
يديعوت أحرونوت 26/3/2026
تكلفة الحرب الإيرانية، التي تتفاقم يومًا بعد يوم
بقلم: يوغاف يسرائيلي
سُجّلت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال الأسبوعين الأولين من عملية “زئير الأسد” بمستويات مرتفعة للغاية. في سيناريو حربٍ يستمر عامًا كاملًا، تُعادل هذه الانبعاثات إجمالي الانبعاثات الكربونية السنوية لأقل 84 دولة انبعاثات في العالم مجتمعة. كان المصدر الرئيسي لهذه الانبعاثات هو تدمير المباني بالقصف، إلا أن الهجمات على منشآت النفط، وطلعات الطائرات المقاتلة، وإعادة تزويد الترسانات بالأسلحة، ساهمت أيضًا في الأثر البيئي للحرب.
وجد ثلاثة باحثين أن الأطراف المتحاربة أطلقت، خلال الأسبوعين الأولين من عملية “زئير الأسد” – من اندلاع القتال في 28 فبراير إلى 14 آذار – ما يقرب من 5.6 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون وغازات دفيئة أخرى. وذكر موقع “لايف ساينس” أن أسباب ذلك تشمل استخدام الطائرات المقاتلة والسفن، وقصف البنية التحتية كمنشآت تخزين النفط ومبانٍ مختلفة، وإعادة تزويد الترسانات بالأسلحة.
للمقارنة، لو استمرت هذه الانبعاثات بنفس المعدل لمدة عام، لكانت تعادل الانبعاثات الكربونية السنوية لأقل 84 دولة انبعاثات في العالم مجتمعة. كما أن الانبعاثات في الأسبوعين الأولين من القتال أعلى من الانبعاثات الكربونية السنوية لأيسلندا، والتي بلغت 4.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2024.
كان المصدر الأكبر لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن القتال في إيران خلال الأسبوعين الأولين هو تدمير المنازل والمدارس والمنشآت الأخرى، إذ سيتطلب الأمر إزالة الأنقاض وإعادة بناء البنية التحتية بعد انتهاء الحرب، وذلك وفقًا لتحليل الدكتور فريدريك أوتو لاربي من جامعة لانكستر، والدكتور باتريك بيغر من معهد المناخ والمجتمع (معهد أبحاث مناخية واقتصادية)، والدكتور بنجامين نيمارك من جامعة كوين ماري في لندن. وقد حسب الباحثون الثلاثة أن هذه الانبعاثات غير المباشرة بلغت حوالي 2.7 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لجزر المالديف.
كما ذُكر، ساهمت القنابل التي استهدفت منشآت تخزين النفط ومصافي التكرير وناقلات النفط في منطقة الخليج العربي في إجمالي الانبعاثات. ووجد الباحثون أن ما بين 2.5 و5.9 مليون برميل من النفط انفجرت خلال الأسبوعين الأولين من القتال. ونتيجة لذلك، انطلقت 2.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون وغازات دفيئة أخرى في الغلاف الجوي، وهو ما يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لمالطا.
وكان الوقود ثالث أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، حيث بلغ إجمالي انبعاثاته حوالي 583 ألف طن خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، وهو رقم مماثل للانبعاثات السنوية لغرينلاند. وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على أكثر من 6000 هدف في إيران باستخدام طائرات مقاتلة وقاذفات خلال الفترة المدروسة، مما استلزم تزويد الطائرات بالوقود بكميات تتراوح بين 150 و270 مليون لتر.
وفي الأسبوعين الأولين من الحرب، خسرت الولايات المتحدة ثلاث طائرات مقاتلة من طراز إف-15 وطائرة تزويد بالوقود من طراز كي سي-135. خلال الفترة نفسها، أفادت التقارير أن إيران خسرت 28 طائرة و21 سفينة ونحو 300 منصة إطلاق صواريخ. وكان إنتاج الأسلحة البديلة رابع أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، بإجمالي 190 ألف طن من هذه الغازات، أي ما يعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية لتونغا.
وقدّر الباحثون أن الولايات المتحدة وإسرائيل أطلقتا 9000 صاروخ في أول 14 يومًا من الحرب. في المقابل، أطلقت إيران 1000 صاروخ ونحو 2000 طائرة مسيّرة خلال الفترة نفسها. وكما هو الحال مع الطائرات والسفن ومنصات إطلاق الصواريخ، من المرجح أن تعمل الأطراف المتحاربة على تجديد هذا الترسانة، التي تشمل أيضًا صواريخ اعتراضية. ووفقًا للتحليل، بلغت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة نحو 61 ألف طن، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لمصنع أسمنت صغير.
ودخلت الحرب الآن أسبوعها الرابع، ما يعني أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري المباشرة وغير المباشرة قد تجاوزت بكثير ما يشير إليه التحليل. يعتقد الباحثون أنه بالنظر إلى المعدل المقلق للهجمات على منشآت النفط في المنطقة، فإن الانبعاثات ستزداد حتمًا.
وأشار الباحثون في تحليلهم إلى أنه في حال انضمام دول أخرى إلى الحرب، فإن ذلك سيؤدي حتمًا إلى زيادة كبيرة في الانبعاثات. كما لم يغفلوا الوضع المعقد حول مضيق هرمز، والذي قد يؤدي، بحسب قولهم، إلى زيادة عمليات التنقيب أو بناء بنية تحتية تعتمد على الوقود الأحفوري (الغاز والفحم والنفط) في سعي الدول لتأمين إمداداتها المستقبلية من الطاقة.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
بينما يدعي ترامب ان الحرب حسمت، ترفع القيادة الايرانية سقف مطالبها
بقلم: عاموس هرئيلِ
هناك فجوة كبيرة بين الطلبات الامريكية، كما جاءت في وثيقة الادارة الامريكية التي تتكون من 15 بند والتي بثتها قناة “اخبار 12″، وبين ما يبدو انه اقصى تنازل مستعدة القيادة في ايران لتقديمه في الوقت الحالي. أمس نشرت وسائل الاعلام الايرانية انتقادات لاذعة للاقتراح الامريكي بالصيغة الحالية، ولكن لم يصدر أي رد رسمي عن النظام حتى الآن.
في الايام القادمة وحتى انتهاء المهلة الجديدة التي حددها الرئيس الامريكي دونالد ترامب في نهاية الاسبوع، ستبذل محاولات لتضييق هذه الفجوة. في نفس الوقت سيتم نشر قوة من مشاة البحرية الامريكية قرب الخليج الفارسي استعدادا لاختراق محتمل عبر مضيق هرمز أو السيطرة على جزيرة خارج. ورغم ان حرب برية واسعة النطاق غير مطروحة، الا ان الامريكيين سيكون لديهم اكثر من 50 الف جندي في المنطقة تحت تصرفهم.
لقد دخلت الولايات المتحدة الى الحرب بتشجيع قوي من اسرائيل، وبخطة جزئية فقط، وربما بفهم محدود لآلية صنع القرار في طهران. ويبدو ان ترامب اعتقد ان هذه ستكون فنزويلا اخرى – ضربة خاطفة ومدهشة، يعقبها نجاح شبه مؤكد.
في ظهوره العلني المتكرر يخلق الرئيس الامريكي واقع بديل لمستمعيه لا يمت بأي صلة بما يحدث على ارض الواقع. فبالنسبة له ايران مهزومة تماما وجيشها مدمر وحكومتها تم استبدالها “مرتين أو ثلاث مرات” بعد اغتيال اسرائيل لكبار مسؤوليها (ترامب، بالنظر الى الماضي، ينسب الفضل لنفسه في ذلك). الرئيس الآن يتحدث عن هدية ثمينة زعم ان الايرانيين قدموها له في مجال الطاقة، وهي كما يبدو السماح لعدد من ناقلات النفط بعبور مضيق هرمز. واضاف ترامب بانه لو كان من هواة المقامرة لراهن على اتفاق وشيك.
يبدو ان القيادة الجديدة في طهران تنظر للامر بشكل مختلف. فهي تظهر حاليا تصميم قوي، بينما تضع في نفس الوقت طلبات بعيدة المدى للاتفاق. يطالب الايرانيون بتعويض الخسائر التي تكبدوها وضمانات بعدم تعرضهم لهجوم آخر. لقد قالت المتحدثة باسم البيت الابيض كارولين ليفت أمس بان الحملة اصبحت قريبة من تحقيق اهدافها. مع ذلك، يتوقع جولة اخرى من الضربات الشديدة قبل موافقة ايران على أي حل وسط، هذا اذا وافقت اصلا. قد يتكرر هنا سيناريو الجهود المبذولة للتوصل الى حل وسط قبل بدء الحرب في 28 شباط. حتى في حينه جرى الحديث عن مفاوضات جدية من اجل التوصل الى اتفاق، ولكنها توقفت فجأة بسبب هجوم اسرائيلي – امريكي. في غضون ذلك تستمر الغارات الجوية كالعادة، باستثناء التزام الولايات المتحدة، الذي فرض ايضا على اسرائيل، بالامتناع عن استهداف البنى التحتية الوطنية في ايران اثناء المفاوضات. وشهد اليومين الاخيرين زيادة في عدد الصواريخ التي اطلقت من ايران نحو اسرائيل، مع تخطيط دقيق نسبيا لهذه الرشقات، في محاولة لازعاج السكان المدنيين في اسرائيل بقدر الامكان. وتشير الفحوصات التي اجراها الجيش الاسرائيلي في هذا الاسبوع الى ان الضربات المباشرة في ديمونة وعراد اثارت الشعور بالقلق لدى الكثيرين وزادت التساؤل حول استمرار الحرب التي يبدو أنها طالت.
هذا يتزامن مع قصف حزب الله الصاروخي المتواصل تقريبا على المستوطنات في الشمال، الذي يصل احيانا الى منطقة حيفا والكريوت. وتزيد الضربات المتكررة في الشمال من الضغط على الحكومة وعلى الجيش من اجل التحرك. ويبدو ان رؤساء البلديات والمجالس المحلية في خط المواجهة اصبحوا يائسين بشكل متزايد. هذه المرة خلافا للحملة ضد حزب الله في 2024 طلب منهم عدم الاخلاء. ولكن الدولة لا تخصص بما فيه الكفاية من معدات الحماية للمستوطنات، وما زال تعامل الحكومة مع احتياجات السكان ضعيف وبطيء.
ينشر الجيش بالتدريج المزيد من القوات في جنوب لبنان، استعدادا لعملية برية اوسع، قد تصل حسب بعض التصريحات، الى نهر الليطاني. وفي خطوة غير مسبوقة فقد طردت الحكومة في لبنان هذا الاسبوع السفير الايراني من بيروت. وما زالت حكومة بيروت تأمل ان تنجح الجهود الدبلوماسية في اقناع اسرائيل بعدم توسيع العملية. ويبدو في الوقت الحالي ان الزخم الدبلوماسي في لبنان عاجز عن استباق التصعيد العسكري.
رسوم العبور الايرانية
تتمثل الميزة الرئيسية التي يتمتع بها الايرانيون في الضربة التي تعرض لها قطاع النفط العالمي بالفعل والتي قد تتفاقم. وقد تضرر موقع للبنى التحتية في قطر هاجمته ايران مؤخرا بشدة. وتتناول الحلول المطروحة للنقاش حاليا مسالة التعويضات التي ستحصل عليها ايران مقابل رفع الحصار عن مضيق هرمز، الذي كان مفتوح بالكامل عشية الحرب. وتطلب ايران بالفعل بمعاملة حقوقها في المضيق معاملة حقوق مصر في قناة السويس، أي أنها تطالب برسوم عبور ثابتة. ويهدد الايرانيون ايضا باغلاق باب المندب، كما يبدو بمساعدة الحوثيين في اليمن.
يتم ذكر مصر وتركيا والباكستان كوسطاء يشاركون في المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وايران. في المقابل، توقفت سلطنة عمان عن الوساطة، التي شاركت في جولات الوساطة التي فشلت. وهناك تقارير تقول بأنه سيتم عقد اجتماع مباشر في اسلام اباد، عاصمة الباكستان، مع انه مشكوك فيه ان يكون ذلك في الايام القريبة القادمة.
رئيس اركان الجيش في الباكستان، عاصم منير، يقوم بنقل الرسائل بين الطرفين. منير، الذي يعتبر بحكم الوضع الخاص للجيش في بلاده الشخص الاقوى في الباكستان، التقى مؤخرا مع ترامب، وهو يتواصل بشكل مباشر معه، ولا يجد صعود الباكستان، القوة النووية بحد ذاتها، وتحسين علاقاتها مع ايران، لا يجد استحسان في اسرائيل. ولكن يبدو أن سيطرة اسرائيل على مجريات الامور محدودة جدا. وسيبقى قرار التوقيع على الاتفاق وكيفية توقيعه في يد ترامب. وقد يضطلع نائب الرئيس جي دي فانس، الذي كان يمثل في البداية موقف متشكك اكثر في الادارة بشان استمرار الحرب، بدور اكثر اهمية في استئناف المفاوضات اذا تم احراز تقدم.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/3/2026
ثورة الحرس الثوري
بقلم: د. راز تسيمت
في خضم الاحتجاجات الطلابية التي اندلعت في جامعة طهران في تموز 1999 عقب قرار السلطات إغلاق صحيفة إصلاحية، وقّع عشرات من كبار ضباط الحرس الثوري رسالةً إلى الرئيس آنذاك، محمد خاتمي. حذّروا فيها الرئيس من نفاد صبرهم، وطالبوه باتخاذ خطوات فورية وحاسمة لقمع المظاهرات، بل وهدّدوا بالتدخل إذا لم يقم بواجبه الإسلامي والوطني. كان من بين الموقعين على الرسالة محمد باقر قاليباف، القائد السابق لسلاح الجو التابع للحرس الثوري، ورئيس مجلس الشورى حاليًا، ومحمد باقر ذو القادر، الذي عُيّن هذا الأسبوع خلفًا لعلي لاريجاني أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
قاليباف، المولود عام 1961 في مدينة مشهد، طيار سابق وحاصل على دكتوراة في الجغرافيا السياسية. يُعتبر حاليًا الرجل الأقوى نفوذًا في الساحة الداخلية الإيرانية، والمرشح الأبرز لقيادة المفاوضات مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس. شغل قاليباف عددًا من المناصب الأمنية العليا، بما في ذلك قيادة قوات الأمن الداخلي. وبين عامي 2005 و2017، شغل منصب رئيس بلدية طهران. ترشح قاليباف لرئاسة إيران عدة مرات، لكنه لم يوفق.
ومثل قاليباف، برز ذو القادر (72 عامًا) أيضًا من قلب الحرس الثوري. كان يُعتبر أحد كبار قادة الحرس الثوري خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث شغل منصب قائد قيادة رمضان، المسؤولة عن العمليات الإيرانية في العراق خلال الحرب. ثم شغل منصب رئيس أركان الحرس الثوري ونائب قائده. بعد تقاعده، شغل عدة مناصب في وزارة الداخلية والقضاء، إلى أن عُيّن في السنوات الأخيرة أمينًا لمجلس تحديد مصالح النظام. ويُعتبر مقربًا جدًا من حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري. انضم طائب إلى الحرس الثوري في أوائل الثمانينيات، وعمل نحو عقد من الزمن في وزارة الاستخبارات، ثم عاد إلى الحرس الثوري في أواخر التسعينيات. في عام 2008، عُيّن ذُو القادر قائدًا لقوات الباسيج، ولعب دورًا محوريًا في قمع أحداث الشغب عام 2009. بعد ذلك بفترة وجيزة، أصبح رئيسًا لجهاز استخبارات الحرس الثوري.
حتى بعد نقله من منصبه في صيف عام 2022، على ما يبدو بسبب فشله في إحباط عمليات الموساد داخل إيران وتنفيذ أعمال إرهابية ضد السياح الإسرائيليين في الخارج، استمر طائب في لعب دور محوري في مكتب الزعيم الإيراني ويعتبر أحد الشخصيات الرئيسية في الدائرة الأقرب إلى الزعيم الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، منذ خدمتهما المشتركة القصيرة في الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق.
لم يعد الحرس الثوري مجرد هيئة عسكرية أمنية فحسب
خلال العقد الأول الذي أعقب الثورة، لم يكن الحرس الثوري لاعباً سياسياً مؤثراً. إلا أن مكانته تعززت لاحقاً بشكل ملحوظ، ليصبح عنصراً محورياً ليس فقط في النظام العسكري الأمني، بل أيضاً في النظامين السياسي والاقتصادي. وقد وصف القائد السابق للحرس الثوري، محمد علي جعفري، المنظمة بأنها هيئة ليست عسكرية فحسب، بل سياسية وأيديولوجية أيضاً. وعلى مر السنين، أبدى الحرس الثوري دعمه لترشيحات سياسيين محافظين موالين لقيم الثورة الإسلامية في الحملات الانتخابية. علاوة على ذلك، ومنذ وفاة الخميني عام 1989، شهدت النخبة السياسية الإيرانية تحولات، تجلت، من بين أمور أخرى، في تزايد حضور قدامى محاربي الحرس الثوري في الساحة السياسية. وكان علي خامنئي الشخصية المحورية التي ساهمت في تحويل الحرس الثوري إلى قوة مؤثرة. في الوقت نفسه، واصل الحرس الثوري الإيراني توسيع نطاق انخراطه الاقتصادي، لا سيما من خلال مؤسسة الإنشاءات التابعة له، والتي أُنشئت في نهاية الحرب الإيرانية العراقية للمساهمة في إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية المتضررة. ومنذ تأسيسها، أُسندت إليها مئات المشاريع الاقتصادية الكبرى في مجالات النفط والغاز والنقل والسدود ونقل المياه والاتصالات، وتوظف حاليًا آلاف الشركات والمقاولين.
ومع ذلك، وطالما كان علي خامنئي ممسكًا بزمام السلطة، كانت العلاقة بينه وبين الحرس الثوري علاقة تكافلية. فقد كان بحاجة إليهم لضمان استقرار نظامه، بينما كانوا بحاجة إليه كمصدر للشرعية وكجهة ترعى مصالحهم التنظيمية والاقتصادية. علاوة على ذلك، كان بإمكانهم التمتع بأفضل ما في كلا العالمين، كمنظمة تحافظ على مسافة نسبية من إدارة السلطة ولا تتدخل فيها إلا عند الضرورة. على الرغم من أنه من السابق لأوانه تقييم تداعيات وفاة خامنئي، إلا أنه يبدو أن اختفاءه عن الأنظار وانتقال السلطة إلى ابنه – الذي يُرجح أنه عُيّن إلى حد كبير بفضل أنشطة الحرس الثوري في دعم ترشيحه سرًا – قد مهّدا الطريق لتحوّل إيران إلى حكم عسكري استبدادي بقيادة الحرس الثوري.
هل سيُفضّلون حماية مصالحهم الشخصية؟
من الصعب التكهن بالسياسة التي ستتبناها القيادة الإيرانية الجديدة. فمن جهة، يُعرّف العديد من قدامى المحاربين في الحرس الثوري، ولا سيما من بين قدامى حرب إيران والعراق، الذين نشأوا في إيران ولم يتعرضوا إلا قليلًا للتعليم والتأثير الغربي، أنفسهم بالجناح المحافظ الراديكالي. تُعتبر حرب السنوات الثماني صدمة راسخة في الذاكرة الوطنية الإيرانية، عززت لدى الإيرانيين، وخاصة قدامى المحاربين، شعورًا بالظلم من جانب دول العالم، التي دعمت معظمها، بما فيها أغلب الدول العربية، العراق. لقد ولّدت دروس الحرب لدى خريجيها رغبةً جامحةً في بذل كل ما في وسعهم لمنع تكرار هذه الصدمة.
وفي مجال السياسة الخارجية، غالباً ما يتبنون نهجاً متشدداً ومتحدياً تجاه الغرب، انطلاقاً من رؤيةٍ ترى أن الغرب في تراجع، وأن على إيران انتهاج سياسةٍ عدوانية لتعزيز قوتها العسكرية وتوسيع نفوذها الإقليمي. وقد يؤثر هذا الموقف على سياسة إيران في قضايا خارجية رئيسية، بما في ذلك برامجها النووية والصاروخية، وطموحاتها الإقليمية، ونهجها تجاه الولايات المتحدة وحلفائها في العالم العربي وإسرائيل.
من جهة أخرى، ينتمي أعضاء المنظمة إلى خلفيات سياسية واجتماعية واقتصادية متنوعة، ولذا تختلف آراؤهم السياسية أيضاً. علاوة على ذلك، قد يكون النظام العسكري الاستبدادي أكثر التزاماً بالمصالح التنظيمية للحرس الثوري الإيراني من التزامه بالمفاهيم الأيديولوجية الثورية، مما يتيح قدراً أكبر من البراغماتية والمرونة. إضافةً إلى ذلك، قد يُجبرهم انخراطهم المتزايد في إدارة شؤون الدولة اليومية على تقديم تنازلات.
في خضم الاحتجاجات التي اندلعت في إيران أواخر عام 2025، توقع الخبير الاقتصادي والمحلل السياسي سعيد ليلاز أن تشهد إيران قريباً تغييراً في الحكومة، يتمحور حول قائد جديد يبرز من داخل النظام نفسه، ويُحدث تحولاً جذرياً في السياسة الداخلية والخارجية، بما في ذلك إصلاحات اقتصادية وتحسين العلاقات مع الغرب. وأشار إلى تطلعات شعبية لقائد قوي وفعال، على غرار نابليون بونابرت، يُنقذ البلاد من الأزمة الراهنة.
كما أشار المؤرخ المقرب من النظام الإيراني، عبد الله شهبازي، إلى استيلاء ضباط سابقين في الحرس الثوري على القيادة العليا. وفي معرض حديثه عن تعيين ذو القادر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي، استعرض شهبازي ماضيه كعضو في مجموعة من النشطاء المحافظين والراديكاليين في الجمهورية الإسلامية. أحد رجال الدين المقربين من هذه الجماعة هو آية الله محمد مهدي مير باقري، الذي أثار ضجة عامة في أكتوبر 2024 عندما أعلن في مقابلة تلفزيونية أن تحقيق هدف الحرب بين الكفار والمؤمنين يستحق ذلك حتى لو كان ثمنه موت نصف سكان العالم.
أكد شهبازي، مع ذلك، على ضرورة عدم النظر إلى هذه الجماعة على أنها ناشطون متطرفون ذوو رؤية عالمية مسيحانية. وأوضح أن أعضاء هذه الجماعة، الذين تتراوح أعمارهم الآن بين الستين والسبعين ويشغلون مناصب رفيعة، قد جمعوا ثروات طائلة على مدى العقود القليلة الماضية. ولذلك، فإن رغبتهم في الحفاظ على مصالحهم أقوى من أي رؤية كارثية أو أيديولوجية. وقدّر أن بعضهم على الأقل سيسعى إلى التفاوض مع الولايات المتحدة، بقيادة قاليباف، لوضع الجمهورية الإسلامية على مسار يضمن أمنهم الشخصي والاقتصادي، وربما تحويلها إلى نظام سياسي تحت سيطرتهم الرسمية.
دراسة تبعث الأمل في الغرب
يُؤمل أن يُمثل استيلاء الحرس الثوري على القيادة الإيرانية وتحويل الجمهورية الإسلامية إلى حكم عسكري استبدادي مرحلة انتقالية قصيرة قدر الإمكان نحو تبني نموذج حكم أكثر ديمقراطية وليبرالية وموالية للغرب. كشفت الأبحاث التي تناولت الموجة الثالثة من التحول الديمقراطي في أمريكا اللاتينية خلال ثمانينيات القرن الماضي أن الأنظمة التي تسيطر عليها القوات المسلحة تميل إلى أن تكون أقل استقرارًا من الأنظمة الاستبدادية الأخرى. فهي أقل مناعة ضد الأزمات الاقتصادية لأن قادتها مؤهلون لتحقيق الأهداف العسكرية، ويفتقرون إلى مهارات إدارية مدنية فعّالة، كما أنها أكثر عرضة للانقسامات والصراعات بين الضباط، لا سيما في أوقات الأزمات. هذه النقاط الضعيفة قد تدفعها أحيانًا إلى الموافقة على نقل السلطة إلى مؤسسات مدنية ديمقراطية، أو قد يؤدي عدم كفاءتها في الحكم إلى تعزيز المعارضة الشعبية، التي تنجح في نهاية المطاف في إحداث تغيير سياسي. إلى حين حدوث هذا التغيير المرتقب، سيتعين على النخبة الحاكمة في طهران، بقيادة الحرس الثوري، أن تقرر ما إذا كان سبيل الحفاظ على بقاء النظام ومصالحه بعد الحرب هو عبر المفاوضات، أو التوصل إلى حلول وسط – ولو جزئية ومؤقتة – مع الولايات المتحدة مع رفع العقوبات الاقتصادية، والتركيز على حل مشاكل الجمهورية الإسلامية وتثبيت القيادة الجديدة، أو عبر التطرف، واستعادة القدرات العسكرية الاستراتيجية، وربما حتى امتلاك أسلحة نووية.
——————————————
يديعوت احرونوت 26/3/2026
اختبار النتيجة
بقلم: ايتمار آيخنر
بعد 26 يوما تعرضت فيها ايران لهجوم بلا توقف، فان كل نقطة تنتهي فيها الحرب ستضع إسرائيل في وضع افضل بلا قياس حيال ايران، بالنسبة لليوم ما قبل بدء حملة “زئير الأسد”. ومع ذلك فان تصنيفا داخليا في السيناريوهات المختلفة يجد أيضا النقطة الأكثر إشكالية: انهاء من طرف واحد للحرب بقرار امريكي بلا اتفاق.
من ناحية إسرائيل فان مدى النجاح او الفشل لسيناريوهات انهاء الحرب سيقاس على أساس خمسة معايير: هجر البرنامج النووي، لجم كبير للقدرات الباليستية، انهاء الدعم لمنظمات الوكلاء برئاسة حزب الله، خلق آليات رقابة ناجعة تضمن الا تخادع طهران، خلق ظروف لتغيير الحكم. هكذا بحيث أن السيناريو الأكثر تفاؤلا هو ذاك الذي يلبي بشكل واضح الشروط الأربعة الأولى ويسمح لاحقا بانهاء حكم آيات الله. اتفاق لا يلبي الشروط الأربعة هو اقل جودة لإسرائيل لانه يترك ثغرة للعودة الى القتال والى انتعاش سريع للنظام الإيراني.
إضافة الى ذلك هام جدا الوقوف من وراء الطلب لانهاء العقوبات فقط في نهاية المسيرة وبشكل متدرج. في إسرائيل يعتقدون انه محظور ان تتلقى ايران منذ البداية مليارات الدولارات التي ستستخدم على الفور لترميم القدرات النووية، الصواريخ والدفاع الجوي. اذا ما أتيح للايرانيين الحصول على مداخيل كبيرة منذ الان فانهم لن يلبوا شروط الاتفاق مهما يكن.
كما ان على الأمريكيين ان يفرضوا على ايران نظاما جديدا في مضيق هرمز للتأكد من الا يكون ضرر او حاجز في تدفق النفط. يشير ترامب انه حصل من ايران منذ الان على “هدية” ولم يفصل. لكن اغلب الظن يدور الحديث عن ناقلات نفط تبحر في الخليج الفارسي ويمكنها أن تخفض او توازن أسعار النفط. هذه هي المعايير الأكثر أساسية لاتفاق جيد. كل تنازل او مرونة يعملان في صالح النظام الإيراني الحالي ويشجعان العودة الى القتال آجلا ام عاجلا. اتفاق جيد يجب أيضا ان يحل موضوع اليورانيوم المخصب الذي يخفيه الإيرانيون. أي ان يوافق النظام على تسليم مخزون اليورانيوم المخصب الذي لديه الى طرف ثالث. هذا يضمن تصفير حقيقي للبرنامج النووي ويعيد ايران الى زمن طويل الى الوراء.
من ناحية الصواريخ الباليستية، اتفاق جيد هو اتفاق لا تستطيع فيه ايران تطوير صواريخ الى مدى بعيد من الف والفين كيلو متر بل الى ثلاثمائة كيلو متر في اقصى الأحوال. ولعل هذا يفي بتعريف الصواريخ للدفاع عن النفس.
السيناريو التالي الافضل جودة من ناحية إسرائيل هو سقوط النظام عقب احتجاج شعبي متجدد. بعده قبول املاءات الرئيس ترامب من قبل النظام في ايران لضمان بقائه.
في السيناريو الاشكالي لانهاء الحرب يعلن ترامب من طرف واحد انه انتصر والحرب انتهت – بلا اتفاق – ويأمر إسرائيل بوقف القصف. المشكلة في هذا السيناريو هي انه بغياب اتفاق سيكون صعبا إعادة الاقتصاد الى الحياة الطبيعية وفتح مطار بن غوريون حين يكون بوسع ايران ان تطلق الصواريخ متى شاءت. لكن في هذا السيناريو أيضا ستبقى لدى إسرائيل والولايات المتحدة حرية عمل بحيث أنه اذا ما بدأت ايران بترميم منظوماتها فانهما ستحتفظان لنفسيهما بحق القصف.
وأكثر من ذلك، في هذا السيناريو أيضا ستوجد ايران في نقطة درك اسفل عسير في تاريخها منذ الثورة الإسلامية، دون فرص حقيقية للخروج من الضائقة الاقتصادية حيال استمرار الاضطراب الجماهيري. فانهاء الحرب سيجد ايران مع مشاكل في مجال الطاقة، تفاقم الفقر، بلا صناعات امنية تؤدي وظائفها، بلا قدرة حقيقية للإبقاء على استراتيجية الدعم المالي للوكلاء، فيما ان سلاحي البحرية والجوية لديها مشطوبان، منظومات الدفاع الجوية تبخرت والقدرة على استئناف انتاج الصواريخ والبرنامج النووي محدودة جدا في ضوء الاختراق الاستخباري والتفوق الجوي الإسرائيلي المطلق.
هذا التحليل لا يتضمن موضوع القتال ضد حزب ا لله في لبنان والذي يمكنه أن يعقد الصورة العامة في حالة عدم وجود اتفاق يلزم ايران بالتوقف عن مساعدة المنظمة الشيعية. صحيح أن هذا لا يمكنه ان يؤدي الى مساعدة مكثفة حتى في سيناريو خروج امريكي من طرف واحد من الحرب لكن في المدى القصير سيتعين على إسرائيل أن تواصل الحرب وليس واضحا كيف ستتطور. احتمال التورط معروف منذ الان، معروف، وليس محبوبا.
——————————————
معاريف 26/3/2026
عامل ثالث يدخل المشهد: إيران تخشى منح أردوغان الجائزة الكبرى
بقلم: جلعاد موراغ
كيف ستؤثر تركيا وباكستان على الحوار بين إيران والولايات المتحدة وإمكانية إنهاء الحرب؟ يوضح الدكتور هاي إيتان كوهين يانروجيك، الخبير في الشؤون التركية في مركز دايان في جامعة تل أبيب: “ليس سراً أن تركيا تعارض الحرب بشدة منذ بدايتها. فهي تريد استمرار النظام القائم. ولا ترغب في رؤية أي إدارة جديدة موالية للغرب أو إسرائيل في إيران. من وجهة نظر تركية، قد يُضعف ذلك موقفها في ميزان القوى في الشرق الأوسط. ولذلك، تُفضل تركيا إيران ضعيفة، لأنها ستستمر في جذب انتباه الغرب، وخاصة إسرائيل، ما يُبقيها منشغلة بمشكلة إيران”.
وحسب قوله: “لهذا السبب يريدون إنهاء الحرب. لكن، حسب انطباعي، فإنّ باكستان هي المحرك الرئيسي لهذه الخطوة، بينما تدعمها تركيا من وراء الكواليس. تاريخيًا، لا يرغب الإيرانيون في اعتبار تركيا “منقذة إيران” نظرًا للتنافس المستمر بين البلدين. لذلك، يُفضّل الإيرانيون باكستان على تركيا. لكن في نهاية المطاف، إذا نجحت تركيا في إنهاء الحرب عبر المفاوضات، فمن المرجح أن نرى الأتراك على طاولة المفاوضات في نهاية الحرب، وسيعتبرون أنفسهم من الدول المستفيدة من هذه الخطوة. من السابق لأوانه الجزم بذلك الآن”.
ثم يتابع: “تركز تركيا على الحفاظ على حصتها الاقتصادية في قطر. ويزعجها بشدة قصف قطر، لذا فهي تبذل قصارى جهدها لإنهاء الحرب الحالية. تُعد قطر رصيدًا لتركيا لأن اقتصادها هش للغاية، وقد ضخت قطر على مر السنين أموالًا طائلة في الاقتصاد التركي. لم يتحسن الوضع الاقتصادي في تركيا، لذا فإن محنة قطر ستؤثر بشكل كبير على اقتصادها”.
إلى أي مدى يأخذ الأمريكيون قطر في الحسبان في الوساطة؟
بحسب ما فهمت، فإن مجرد سماعنا أن المحادثات ستُعقد على الأرجح في باكستان يعني أن الأمريكيين يرون باكستان لاعبًا مهمًا. نعلم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهتم بإنهاء الحرب عبر المفاوضات. ونعلم جميعًا أنه يريد تحقيق أقصى قدر من المكاسب دون دفع ثمن باهظ. ربما يدرك أنه إذا اندفع في قضية مضيق هرمز، فسيلحق ضررًا هائلًا بإيران، وربما سيلحق ضررًا أيضًا بالاقتصاد الأمريكي والعالمي. لذلك، من المرجح أنه سيفعل كل ما في وسعه لاستخدام باكستان كطرف فاعل”.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
حقيقة واضحة وحاسمة: لسنا سوى وقود لمدافع شخصين.. أحدهما كذاب والآخر مريض نفسياً
بقلم: يوسي كلاين
لسنا في أوكرانيا. لن نصمد أمام حرب استنزاف تمتد ست سنوات، وهي كما نفترض، المدة اللازمة لإسقاط النظام في إيران، حتى لو قالوا لنا ألف مرة بأننا شعب الأبطال الذي يتمتع بصلابة الفيلة. وسائل الإعلام تعرف ذلك، وهي تفصل بين تقارير الدمار والخسائر البشرية هنا وبين الهجمات في طهران. يسألون كيف سيصمد الإيرانيون لشهر آخر من الحرب، ولا يتساءلون إذا كنا نحن سنصمد. لا يسألون إذا كان عشرات الآلاف من المشردين والمصابين والقتلى هم سبب لإنهاء الحرب. ففي النهاية، هذا السؤال هو علامة على الضعف وخيانة.
لا يسألون كيف سنصمد أمام الاستنزاف المتواصل، لأنهم لا يكترثون بذلك. نحن وقود للمدافع في هذه الحرب. ليس من واجب من هو وقود للمدافع أن يسأل، بل عليه أن يصمت ويدعو بأن يسقط الصاروخ على غيره. لا أحد يهتم بصغائر الأمور مثل صحته وقدرته على العمل. قدرته على التحمل لم تؤخذ في الحسبان عند اتخاذ قرار شن الحرب.
لا تثقوا بوسائل الإعلام. لأنها لا ترى البيوت المدمرة والمصابين المتباكين سوى قصص إنسانية، يجب أن يعالجها الأخصائيون الاجتماعيون وليس الضباط. هذه حرب ديلوكس، حسب رأيها. ومئات المصابين ليسوا سوى ضربة خفيفة في الجناح. شكوى السقوط في الطريق أثناء الجري للاحتماء، أمر تافه عندها. لن تسمح بتشويه الشعور بنشوة الحرب بسبب المذابح في الضفة الغربية. هي مقطوعة عن الواقع. أنا لا أصدقها ولا أثق بنزاهتها. هي مجرد صفحات متنقلة للرسائل.
كيف يتم التعامل مع الأسئلة الصعبة. وسائل الإعلام لا تتعامل معها. فكل انتقاد يعتبر خيانة، وكل شك يعتبر تحريضاً، وكل من يتساءل وكأنه يطعن الوطن في ظهره. ليس النقاش بين الآراء، بل بين الخونة والمخلصين.
من الذي يحدد الخائن والمخلص؟ من يحدد من يستطيع لي عنق القانون وتغييره؟ من يقرر من يطالب بالوحدة ومن الذي يفعل كل ما في استطاعته لتقويضها، من يرسل رجال الشرطة للبحث عن الخونة في الإنترنت؟ هذا ما يقرره نائب المفتش اودي رونين، رئيس قسم التحريض في الشرطة، الذي يلاحق كل من يسأل في الإنترنت عن هدف الحرب. احذروا. الشرطة السرية “الشتازي”، تلاحقكم. إذا استبدلتم بـ “زئير الأسد” “صوت الفأر” فقد يقوم باعتقالكم وتفتيشكم بشكل دقيق. انتظروا. وزيرة التعليم سيرغب أيضاً في التدخل في ملاحقة الخونة. سيطلب من الطلاب إبلاغ المعلمين عن أي “تصريحات مثيرة للجدل” تصدر عن الآباء والأصدقاء.
محظور تحويل وجود الشرطة السرية إلى حقيقة واقعة، والحرب إلى روتين. الروتين الذي يريدون فرضه علينا هو حرب ينتصر فيها الطيارون في إيران، ونحن نخسرها في الداخل. في هذا الروتين، يتم الاستخفاف بمن يتذمرون بسبب صافرتي إنذار في الليل. في هذا الروتين يضخمون الأمور مثلما في رياض الأطفال: أي نجاح عظيم، وكل عملية جبارة. في هذا الروتين يعدّ الجذر ق.ت.ل مثيراً للحيرة: هل “قتلنا” أربعة أشخاص من عائلة بني عودة، هل قتلناهم، صفيناهم، أم ماتوا “فحسب”.
لا يجب تطبيع الحرب. التعليم في زمن الحرب غير طبيعي، العمل في زمن الحرب غير طبيعي. مستحيل تعيش حياة روتينية مع أربع صافرات إنذار في اليوم. الحكومة تريد تطبيع الحرب لأنها لا تعرف كيفية وقفها. مستحيل تلقي الصواريخ دون معرفة لماذا وإلى متى. إرهاقنا هو الترياق عندهم. هم يصادرون وقتنا. “ليستغرق الأمر ما يستغرق”، هذا ما قاله رئيس الأركان الذي لم ينبس ببنت شفة عن المدنيين المصابين والبيوت المدمرة.
صحيح، علينا النزول إلى الملجأ والتحصن في مبنى الشركة، والانبطاح على الأرض. ليس استسلاماً بل غضب. ليس غضباً لأننا لا نعرف، بل بسبب ما نعرفه: المعرفة المريرة بأننا وقود المدافع لأشخاص مشكوك فيهم، واحد منهم مصاب بجنون العظمة وآخر كذاب. إذا كان هؤلاء هم القادة، فلماذا لا نثور؟ لأننا أقلية، لأن الأغلبية لا تريد الثورة، لأنها مستعدة لقبول دولة دينية قومية مسيحانية، أو لأنها لا تهتم. هذه هي الأغلبية التي تطالب الإيرانيين بالخروج إلى الشوارع باسم التقدم والتنور. لا تقدم ولا تنور في الدول التي يحكمها سياسيون فاسدون ورجال دين متطرفون. دول تهدد بتدمير بعضها بعضاً، وتهدد كل العالم بالقنابل النووية.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
رؤية إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية تذكرني بصرخة جدتي اليائسة: هذه مسؤوليتنا جميعاً
بقلم: عيريت كينان
في طفولتي كنت أسمع من جدتي، التي ولدت في أوكرانيا في 1903، عن أعمال الشغب التي اندلعت ضد اليهود في أعقاب الثورة الشيوعية. لقد رافقتها هذه الذكريات للأحداث حتى آخر يوم في حياتها، وأنا لا أنسى كيف وقفت في آخر حياتها عندما اختلط الماضي مع الحاضر أمام النافذة وصرخت بصوت يفطر القلب: “تبا، تبا”. هذه الصرخة هي نداء استغاثة يطلقه الضحايا في كل مكان، ويتردد صداها في نفسي اليوم على خلفية المذابح العنيفة التي ينفذها اليهود ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، التي تخضع لسيطرة إسرائيل.
تخيلوا الرعب الذي يسود ليلاً ونهاراً عندما تقتحم عصابات المشاغبين الأحياء السكنية وهي مسلحة بالعصي والسكاكين، وأحيانا بسلاح ناري حصلت عليه من الجيش، ظاهرياً لحماية نفسها، وتقوم بالضرب والإحراق والتدمير والنهب والإهانة والقتل. لو حدث شيء مشابه لليهود فهل تصمتون؟
يتم تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم على يد مشاغبين ومجرمين يهود من المستوطنات والمزارع والبؤر الاستيطانية، الذين يعتدون عليهم كل يوم دون رادع. العنف لا يحدث في فراغ، بل ينفذ غالباً رفقة القوات العسكرية، دون أي تدخل. لا توجد اعتقالات أو تحقيقات ناجعة أو محاكمات. وتوصف هذه الأحداث بأنها “احتكاك”، وكأنها تحدث بين طرفين متساويين، ويستمر النظام في العمل وكأنها حالات استثنائية، مع أنها نمط متكرر.
هذه ليست أحداثاً معزولة. فعندما يحدث العنف بانتظام ودون تطبيق للقانون أو ردع أو تغيير، ف لا يعتبر هذا فشلاً، بل سياسة. كانت جدتي تؤمن بأننا الأفضل، وأننا لن نتصرف كما تمت معاملتنا. عندما أتذكرها هي وأبي اللذين ناضلا من أجل إقامة الدولة، للإيمان بأننا نستحقها، يغرقني الخزي وأتساءل: هل نستحق حًقا هذه المعجزة التي ضحى كثيرون من أجلها، وما زالوا يضحون بأرواحهم؟
المسؤولية عما يحدث في الضفة الغربية هي مسؤولية كل شخص في الشعب الإسرائيلي. فالضرائب تمول مجرمي التلال، والشعب يسمح للحكومة بالتلاعب بالجرائم وتسمح للجيش بالتمكين منها، بل وتشجيعها أحيانا. ليست صواريخ إيران هي التي ستدمر دولة إسرائيل، بل انحطاط الأخلاق في الداخل. لن يصمد أي ادعاء بالدفاع عن النفس، لا سيما أمام أنفسنا وضمائرنا. والادعاء بأنه “لا خيار آخر” هو ادعاء فارغ. فالعار يلطخ جبهة كل الشعب.
أنا على يقين من أن أغلبية المواطنين الإسرائيليين روحهم ممزقة بسبب هذا العنف القبيح. ولكن الأغلبية تصمت. البعض عاجزون والبعض، مثل كثير من أصدقائي في الاحتجاج على الانقلاب، يعتقدون أن النضال على كل الجبهات مستحيل في الوقت نفسه. مع ذلك، لا ترف للاستسلام للعجز، ولن تقوم ديمقراطية حقيقية هنا ما لم يوقف الشعب هذا الجنون العنيف والمتهور في المناطق المحتلة. هذه مظاهر مترابطة لنظام السلطة نفسه، ويجب إدارة هذين المجالين بالتوازي.
لا قيمة لحياتنا هنا إلا إذا نجحنا في وقف الفظائع واجتثاث النظرة الدونية للفلسطينيين من جذورها، باعتبارهم بشراً أدنى ولا أهمية لحياتهم. إذا واصلنا التصرف كأوغاد أو سمحنا للمشاغبين وأنصارهم بالتصرف على هذا النحو، فسيضيع المبرر الأخلاقي لوجودنا هنا.
الكلمات في هذه الأيام لا تهز الأنظمة، مثلما كان ذلك في أيام إميل زولا وكتابه “أنا أتهم” ضد الحكومة الفرنسية، التي أدانت درايفوس البريء بتهمة الخيانة. ولكن عندما يقف عشرات، بل مئات الآلاف، وراء هذه الكلمات تصبح حقيقة واقعة ولها تأثير ملموس. لا خيار أمامنا إلا التكاتف في صرخة جماعية، “أنا أدين” الحكومة والجيش، صوت يسمع في أرجاء البلاد ويهزها حتى تتوقف عن هذه الفظائع:
ندينكم بسبب السماح بسفك دماء الفلسطينيين الذين يعيشون تحت حكم إسرائيل في الضفة الغربية، وتجاهل العنف المتواصل ضدهم ومحاولة طردهم.
ندينكم بالتقاعس في إنفاذ القانون، التحقيق والملاحقة القضائية وتحويل هذا العنف إلى روتين يومي لا رادع له. نحن نطالب بتحرك فوري: أوقفوا العنف، حماية السكان، التحقيق مع المسؤولين ومحاكمتهم.
نطالبكم بالاعتراف أننا كائنات أخلاقية، لنا إرادة، وإرادة الحق تقول “كفى!”. الصمت تواطؤ، لا تقفوا مكتوفي الأيدي.
——————————————
هآرتس 26/3/2026
بث معاد في لبنان
بقلم: أسرة التحرير
إعلان وزير الدفاع إسرائيل كاتس عن مناورة برية في جنوب لبنان دليل على تعميق خطير للسياسة التي سبق أن أثبتت نفسها كفاشلة. الأحد من هذا الأسبوع، أعلن كاتس بأنه هو ورئيس الوزراء أمرا الجيش الإسرائيلي “بتدمير كل الجسور على نهر الليطاني”. وأشار كاتس إلى أن الجيش الإسرائيلي سيسمح لسكان جنوب لبنان بالإخلاء شمالاً إلى ما وراء نهر الليطاني، وأنه هو ونتنياهو أمرا الجيش بالإسراع في تدمير البيوت اللبنانية في القرى المجاورة للحدود (وفقاً لنموذج بيت حانون ورفح في غزة).
إن دعوة السكان اللبنانيين للتحرك شمالاً ونية تدمير البيوت في قرى الحدود وفقاً لنموذج غزة، تنذر بالشر. هذه خطوة ستقطع جنوب لبنان عن باقي أجزاء الدولة، وستشل بنى تحتية مدنية وستثبت سيطرة عسكرية إسرائيلية في المنطقة. حتى لو امتنعت إسرائيل عن تسمية هذا، فالنتيجة واضحة: خلق ظروف لبقاء طويل، أي عودة إلى الحزام الأمني تحت اسم آخر. في تقويم الوضع الثلاثاء، شدد كاتس النبرة: “المبدأ واضح: يوجد إرهاب وصواريخ – لا توجد بيوت ولا يوجد سكان، والجيش الإسرائيلي سيكون في الداخل”. وأضاف بأن مئات آلاف سكان جنوب لبنان ممن نزحوا شمالاً لن يسمح لهم بالعودة جنوب الليطاني حتى ضمان الأمن الكامل لسكان الشمال.
يدور الحديث عن إغماض عيون مقصود تجاه الواقع. حزب الله في جنوب لبنان ضعف، وبناه التحتية تضررت. وأساس التهديد على دولة إسرائيل لا ينبع من المجال الذي تركز عليه المناورة الآن، بل من مناطق واقعة شمال الليطاني. توسيع العملية إلى منطقة يتواجد فيها حزب الله بشكل محدود نسبيا لا يضمن الأمن، وربما يخلق احتكاكاً متواصلاً دون جدوى استراتيجية.
كما أن إضراراً ممنهجاً للجسور والمعابر يشوش حياة المدنيين هناك. يدور الحديث عن خطوة ستعطي حزب الله فرصة لترميم شرعيته في لبنان ويعرض نفسه كمقاوم للاحتلال، وكل هذا في الوقت الذي تآكلت فيه مكانته. لإسرائيل تجربة؛ ما دام هناك واقع يعتبر كاحتلال، فهناك بالمقابل من سيملأ فراغ المقاومة. ما الذي يمكنه أن يخرج من القرى المدمرة في جنوب لبنان ومئات الآلاف الذين طردوا من بيوتهم غير جولة أخرى من العنف؟
إن التشبيه بغزة مثير للحفيظة. فأي نموذج ناجح في غزة ترغب إسرائيل في استعادته في لبنان؟ ناهيك عن أن لبنان اليوم ليس ذاك الذي في العقود الماضية. الرئيس، جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، نزعا الشرعية العسكرية لحزب الله ويعملان على استقرار الدولة. ضرب البنى التحتية المدنية وإهانة القيادة اللبنانية للسيطرة على أرض لبنانية يضعفان هذه المحافل ويقلصان احتمال المضي بتسوية. كما أنهما يدفعان بالجيش الإسرائيلي إلى الغرق مرة أخرى في الوحل اللبناني.
—————-انتهت النشرة—————–

