المسار :في زمن الحروب، يُفترض أن يكون الصحفي شاهدًا على الحقيقة، لا هدفًا لها. لكن ما يجري اليوم يكشف عن واقع مقلق، حيث تتحوّل الكاميرا إلى تهمة، والصحافة إلى خطر يستوجب التصفية.
لم تعد الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين مجرد انتهاكات عابرة في سياق الحروب، بل تحوّلت إلى سياسة ممنهجة تستهدف الحقيقة ذاتها. فالجريمة البشعة التي أودت بحياة الإعلاميين علي شعيب، وفاطمة فتوني، وشقيقها المصوّر محمد فتوني على طريق جزين في جنوب لبنان، ليست حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلة دامية عنوانها إسكات الصوت الحر.
ما جرى في لبنان يؤكد بوضوح أن الصحفي لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل أصبح هدفًا عسكريًا بحد ذاته. هذا الاستهداف المتعمّد ينسف كل الادعاءات المرتبطة بـ«أخلاقيات الحرب»، ويكشف سعي الاحتلال إلى طمس الرواية الحقيقية عبر تصفية شهودها.
ولعل الأخطر أن هذه الجريمة تأتي امتدادًا مباشرًا لما يجري في قطاع غزة، حيث سقط نحو 260 صحفيًا خلال حرب الإبادة، في واحدة من أكثر الحملات دموية بحق الإعلام في التاريخ الحديث. هذا الرقم الصادم لا يعكس فقط حجم الخسارة البشرية، بل يكشف عن استراتيجية واضحة: القضاء على من ينقل الصورة، حتى تُرتكب الجريمة في صمت.
إن إفلات دولة الاحتلال من العقاب، على مدى سنوات طويلة، لم يكن مجرد خلل في منظومة العدالة الدولية، بل تحوّل إلى ضوء أخضر لارتكاب المزيد من الجرائم. فحين لا يُحاسَب القاتل يتمادى، وحين تغيب العدالة تُستباح الحقيقة. وما نشهده اليوم هو نتيجة مباشرة لهذا الإفلات المزمن، حيث تتكرر الجرائم بالأسلوب ذاته، في ظل غياب أي رادع دولي حقيقي.
ورغم هذا المشهد القاتم، فإن الرسالة التي يحاول الاحتلال فرضها عبر الاغتيال لن تتحقق. فقد أثبتت التجربة أن اغتيال الصحفيين لا ينجح في إسكات الحقيقة، بل يضاعف حضورها. كل صحفي يسقط يخلّف وراءه عشرات الأصوات التي تواصل الطريق، مؤمنة بأن الكاميرا والكلمة سلاحان في وجه القمع.
إن استهداف الصحفيين هو استهداف مباشر لحق الشعوب في المعرفة، ومحاولة بائسة لإعادة صياغة الواقع وفق رواية القاتل. غير أن الحقيقة، مهما تعرضت لمحاولات الطمس، تبقى عصيّة على الاغتيال.
إن استهداف الصحفيين، وفقًا للقانون الدولي الإنساني، يُعدّ جريمة حرب مكتملة الأركان، لا تسقط بالتقادم، وتستوجب المساءلة أمام المحاكم الدولية المختصة. فالصحفيون يُصنَّفون كمدنيين يجب حمايتهم في أوقات النزاع، وأي اعتداء متعمد عليهم يشكّل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف وقواعد القانون الدولي.
إن استمرار هذا النمط من الجرائم دون محاسبة لا يهدد حياة الصحفيين فحسب، بل يقوّض منظومة العدالة الدولية برمّتها، ويفتح الباب أمام شرعنة استهداف الحقيقة في كل نزاع حول العالم. وعليه، فإن المسؤولية لم تعد أخلاقية فقط، بل قانونية أيضًا، تقع على عاتق المجتمع الدولي ومؤسساته القضائية لوضع حد لهذا الإفلات المزمن من العقاب.
لا لطمس الحقيقة،
ولا لإفلات القتلة من العدالة،
فالصحافة ستبقى، رغم الدم، شاهدةً على الجريمة… حتى يُحاسَب مرتكبوها.

