المسار : عُقدت يوم الجمعة الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة بدت أقرب إلى جسّ النبض المتبادل واستكشاف نوايا كل طرف في ظل مناخ ثقيل من انعدام الثقة، حيث لم تعد هذه المفاوضات مجرد مسار دبلوماسي تقليدي يُعنى بالملف النووي أو تخفيف العقوبات، بل تحوّلت إلى ساحة صراع مفتوحة تُدار فيها معركة إرادات معقّدة، تمتد من طاولة التفاوض إلى الميدان، حيث تُستخدم أدوات الضغط العسكري والأمني والاقتصادي كوسائل تفاوض غير معلنة.
في هذا الإطار، يظهر أن واشنطن تسعى منذ اللحظة الأولى إلى تقويض أوراق القوة الإيرانية قبل الوصول إلى أي اتفاق محتمل، هذه المقاربة المدعومة إسرائيليًا، لا تقتصر على العقوبات، بل تشمل العمل على إضعاف بيئات النفوذ الإيراني أو تحييدها تدريجيًا، من مضيق هرمز، حيث تحمل التحركات البحرية رسائل ردع مبطّنة، إلى ساحات كلبنان والعراق، حيث تتداخل العمليات الأمنية مع محاولات إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، يبدو واضحًا أن الميدان بات امتدادًا مباشرًا لمسار التفاوض.
في المقابل، تدرك طهران أن الدخول إلى المفاوضات من موقع ضعف يعني تقديم تنازلات مسبقة، لذلك تعتمد سياسة امتصاص الضغوط مع الحفاظ على الحد الأدنى من عناصر القوة، لا تنظر إيران إلى هذه الضغوط كوقائع منفصلة، بل كجزء من عملية تفاوض طويلة، تراهن فيها على عامل الزمن وعلى قدرة خصومها على تحمّل كلفة الاستمرار، وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن لقاءات مباشرة وإن بقي محدودًا، كمؤشر على إدراك متبادل بأن القنوات التقليدية لم تعد كافية، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحقيق اختراق فعلي، بقدر ما يعكس إدارة للأزمة أكثر من كونه حلًا لها.
أزمة الثقة بين الطرفين ليست طارئة، بل هي نتاج تراكم طويل من الاتفاقات المنهارة والوعود غير المنفذة، فواشنطن ترى في طهران طرفًا يوظّف التفاوض لكسب الوقت وتعزيز نفوذه، بينما تنظر إيران إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا غير موثوق ومخادع، وقادرًا على التنصل من التزاماته وفق تبدّل الإدارات والحسابات السياسية الداخلية، وبين هذين التصورين، تصبح المفاوضات شديدة الهشاشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار جدي.
ما يزيد المشهد تعقيدًا هو تشابك الملفات، فالمفاوضات لم تعد محصورة في البرنامج النووي، بل باتت تتداخل مع ملفات الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وأمن الممرات البحرية، وحتى التوازنات الداخلية في عدد من دول المنطقة، هذا التوسّع يرفع من سقف التعقيد، ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة، كما يزيد من احتمالات التعثر.
إلى جانب ذلك، يسهم دخول أطراف إقليمية ودولية في تعقيد المشهد أكثر، فبعض هذه الأطراف يدفع نحو التصعيد لتحسين شروط التفاوض، فيما يسعى آخرون إلى تهدئة مرحلية تحول دون انفجار شامل، وبين هذه التناقضات، تتحول المفاوضات إلى ساحة لتصفية الحسابات غير المباشرة، أكثر منها مسارًا حقيقيًا لتسوية النزاعات.
على الأرض، تبدو انعكاسات هذا الصراع واضحة في العراق ولبنان والخليج، حيث تتجلى في عمليات أمنية وتوترات سياسية وضغوط اقتصادية متزايدة، ما يؤكد أن ملامح أي اتفاق محتمل لا تُرسم فقط في الغرف المغلقة، بل تُفرض أيضًا عبر الوقائع الميدانية.
ورغم ذلك، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد للذهاب نحو مواجهة شاملة، نظرًا لكلفتها الباهظة على الجميع، وهو ما يدفع إلى إبقاء الصراع ضمن حدود “الضغط المضبوط”. غير أن هذا التوازن الهش يحمل في طياته خطر الانزلاق، إذ قد يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انتقال سريع من التصعيد المحدود إلى مواجهة مفتوحة.
في المحصلة، نحن أمام مفاوضات بلا ثقة، تُدار تحت ضغط مستمر، وتُستخدم فيها مختلف أدوات القوة، فالكل يقدم ما لديه من أوراق، فلا أحد يرغب في الحرب، لكن في الوقت نفسه لا أحد مستعد لتقديم التنازلات، وبين هذين الحدّين، يبدو أي اتفاق محتمل أقرب إلى هدنة مؤقتة تعيد تنظيم الصراع بدل أن تنهيه.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما نشهده اليوم هو محاولة جادة لتفادي الانفجار، أم مجرد إعادة ترتيب لشروطه في المرحلة المقبلة؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

