“سوسن فقوعة”.. زهرة نادرة تعيد رسم ملامح السياحة البيئية شرق جنين

المسار: في أقصى الشمال الشرقي من الضفة الغربية المحتلة، وتحديدًا في بلدة فقوعة شرق جنين، تتفتح واحدة من أندر الأزهار البرية في فلسطين، “سوسن فقوعة”، لتتحول من مجرد نبات موسمي إلى أيقونة طبيعية وثقافية تعكس هوية المكان، وتسهم في تنشيط الحركة السياحية البيئية في المنطقة.

وتُعد سوسن فقوعة، وهي إحدى أنواع السوسن الجبلي النادر، من النباتات التي تنمو في ظروف بيئية خاصة، حيث تحتاج إلى تربة صخرية ومناخ محدد، ما يجعل وجودها محصورًا في مناطق جغرافية ضيقة، من بينها التلال المحيطة ببلدة فقوعة.

ومع حلول فصل الربيع، تتزين المرتفعات بهذه الزهرة ذات الألوان البنفسجية الداكنة، لتشكل لوحة طبيعية تجذب الأنظار والعدسات على حد سواء.

ويقول الباحث في التاريخ الفلسطيني مفيد جلغوم، إن “سوسن فقوعة ليست مجرد زهرة برية، بل تمثل جزءًا من الإرث الطبيعي الفلسطيني، وتحمل دلالات ثقافية ووطنية عميقة، إذ ارتبطت بالأرض والهوية والصمود”.

ويضيف أن “خصوصية هذه الزهرة، وندرتها، جعلتا منها رمزًا محليًا لبلدة فقوعة، وساهمتا في تسليط الضوء عليها إعلاميًا وسياحيًا”.

وبحسب جلغوم، فإن الاهتمام بسوسن فقوعة لم يكن حاضرًا بالشكل الكافي في السابق، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا، سواء على صعيد التوثيق البيئي أو الترويج السياحي، حيث بدأت مؤسسات محلية ونشطاء بتنظيم زيارات ميدانية ومسارات مشي تمر عبر مناطق انتشار الزهرة، ما أتاح للزوار فرصة التعرف عليها عن قرب.

هذا الحراك أسهم في إدراج بلدة فقوعة ضمن خريطة المسارات السياحية في الضفة الغربية، لا سيما في مجال السياحة البيئية، التي تشهد اهتمامًا متزايدًا من قبل فئات مختلفة، سواء من الفلسطينيين أو من الزوار الأجانب.

ويؤكد جلغوم أن “الطبيعة البكر التي تتمتع بها فقوعة، إلى جانب موقعها الجغرافي المطل على الأغوار الشمالية، يمنحها مقومات سياحية واعدة”.

استفادة مجتمعية

ولا يقتصر أثر سوسن فقوعة على الجانب الجمالي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية وتنموية، إذ بدأت بعض العائلات والمبادرات المحلية بالاستفادة من هذا الموسم عبر تنظيم جولات إرشادية، وبيع منتجات محلية للزوار، ما يعزز من صمود السكان في وجه التحديات الاقتصادية.

في المقابل، يلفت مختصون إلى أهمية حماية هذه الزهرة من مخاطر الانقراض، خاصة في ظل التغيرات المناخية والاعتداءات على الأراضي، بما في ذلك التوسع الاستيطاني والرعي الجائر.

ويشدد الناشط سيف زين الدين على ضرورة “وضع خطط حماية بيئية تضمن استدامة وجود سوسن فقوعة، باعتبارها ثروة طبيعية وطنية لا تقدر بثمن”.

ويشير إلى أن الحفاظ على هذه الزهرة لا ينفصل عن الحفاظ على الأرض نفسها، في ظل ما تتعرض له المناطق الحدودية من ضغوط مستمرة، ما يجعل من سوسن فقوعة شاهدًا حيًا على العلاقة العضوية بين الإنسان الفلسطيني وأرضه.

ومع تزايد الاهتمام الإعلامي والبحثي بهذه الزهرة، باتت فقوعة مقصدًا موسميًا للزوار والمهتمين بالطبيعة، الذين يتوافدون خلال فترة الإزهار لالتقاط الصور، والمشاركة في الفعاليات البيئية، والاستمتاع بالمشهد الطبيعي الفريد.

في المحصلة، لم تعد سوسن فقوعة مجرد زهرة نادرة تنمو في أطراف بلدة مهمشة، بل أصبحت عنوانًا لهوية متجددة، وبوابة لتعزيز السياحة البيئية، وفرصة لإعادة الاعتبار لمناطق ريفية تمتلك الكثير من المقومات غير المستغلة، في مشهد يعكس كيف يمكن للطبيعة أن تكون رافعة للتنمية والصمود في آن واحد.

المصدر: قدس برس

Share This Article