المسار :ضمن أعمال الجلسة التمهيدية الثانية للكونفرنس الوطني العام الخامس، قدّم الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الرفيق فهد سليمان مداخلة شاملة تناولت بالتحليل والتشريح مسار النظام السياسي الفلسطيني وأزمة المشروع الوطني، في ظل واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود، حيث تتداخل تداعيات الحرب الإسرائيلية المفتوحة على قطاع غزة مع استمرار الانقسام الداخلي وتراجع فاعلية المؤسسات الوطنية وتصاعد الهجمة الهادفة إلى تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وقدمَ أمين عام الجبهة قراءة سياسية عميقة لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية، انطلقت من مراجعة تجربة السلطة الفلسطينية وتطوراتها، مروراً بالأزمة التي أصابت المشروع الوطني الفلسطيني، وصولاً إلى التحديات الراهنة التي تواجه الشعب الفلسطيني في معركته من أجل الحرية والاستقلال والعودة.
وفي معرض استعراضه لتجربة السلطة الفلسطينية، توقف فهد سليمان عند مشاركة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في حكومتي سلام فياض، موضحاً أن تلك المشاركة جاءت استناداً إلى تقدير سياسي للمرحلة آنذاك، ورغبة في الإسهام ببناء مؤسسات السلطة الفلسطينية على أسس مهنية وقانونية أكثر رسوخاً. وأشار إلى أن تجربة فياض مثّلت محاولة للحد من مظاهر الفساد والزبائنية وتعزيز البناء المؤسسي، إلا أنها اصطدمت ببنية سياسية وإدارية مثقلة بمراكز النفوذ ومصالح القوى المتحكمة بمفاصل القرار، ما حال دون تحقيق الأهداف المنشودة بصورة كاملة.
وانتقل فهد سليمان إلى جوهر الأزمة الفلسطينية، مؤكداً أن المعضلة المركزية التي تواجه الحركة الوطنية تتمثل في غياب التوافق الوطني حول تعريف واضح وموحد للمشروع الوطني الفلسطيني وأهدافه الاستراتيجية. وأوضح أن موجات التضامن العالمية غير المسبوقة التي اجتاحت مختلف دول العالم دعماً للشعب الفلسطيني خلال حرب الإبادة على غزة، ورغم أهميتها السياسية والأخلاقية الكبيرة، بقيت تتركز في إدانة الاحتلال وفضح جرائمه، دون أن تنجح الحركة الوطنية الفلسطينية في تحويل هذا التعاطف العالمي إلى التفاف سياسي حول أهداف المشروع الوطني الفلسطيني، نتيجة غياب الخطاب الوطني الموحد والرؤية السياسية الجامعة.
وأكد أن الجبهة الديمقراطية تواصل التمسك برؤية واضحة للمشروع الوطني الفلسطيني، تنطلق من اعتبار الصهيونية مشروعاً استعمارياً استيطانياً إحلالياً يستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتاريخه، وترتكز على برنامج وطني يجمع بين الأهداف المباشرة والحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم وفق القرار 194، وتحقيق المساواة القومية والمدنية الكاملة لفلسطينيي الداخل. وشدد على أن هذه الأهداف ليست بدائل لبعضها البعض، بل تشكل منظومة نضالية واحدة تتكامل في إطار مشروع التحرر الوطني الفلسطيني.
وفي سياق قراءته للتطورات السياسية الفلسطينية، تناول أمين عام الجبهة التباينات التي حكمت مواقف القوى الفلسطينية من البرنامج الوطني المرحلي، مشيراً إلى أن اتفاق أوسلو شكّل نقطة انعطاف كبرى في الحياة السياسية الفلسطينية، إذ اعتبرته حركة فتح إطاراً لتحقيق البرنامج الوطني، بينما رأت فيه قوى أخرى مدخلاً للتفريط بالحقوق الوطنية. كما توقف عند الوثيقة السياسية التي أصدرتها حركة حماس عام 2017، معتبراً أنها عكست درجة من التقاطع مع البرنامج الوطني المرحلي، قبل أن تتراجع الحركة لاحقاً عن العديد من مضامينها تحت تأثير التطورات اللاحقة.
كما خصص جانباً مهماً من مداخلته لتقييم تجربة حركة حماس في قطاع غزة، موضحاً أن الحركة راهنت على تحويل القطاع إلى قاعدة ارتكاز للمقاومة المسلحة، واستطاعت خلال سنوات طويلة بناء قوة عسكرية كبيرة فرضت نفسها على معادلات الصراع مع الاحتلال. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن الحصار الإسرائيلي الخانق والحروب المتكررة أدخلا الحركة في معادلة شديدة التعقيد بين متطلبات المقاومة وضرورات إدارة حياة أكثر من مليوني فلسطيني تحت ظروف استثنائية. ورأى أن عملية السابع من أكتوبر شكّلت حدثاً مفصلياً قلب معادلات الصراع وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، لكنها في الوقت نفسه فتحت الباب أمام مرحلة جديدة مليئة بالتحديات السياسية والاستراتيجية والمخاطر الكبرى.
وفي معرض نقده للأطروحات التي تدعو إلى استبدال البرنامج الوطني الفلسطيني بمشروع يقوم على مقاومة نظام الفصل العنصري والمطالبة بالمساواة ضمن دولة واحدة، أكد فهد سليمان أن مثل هذه الطروحات تنطوي على تسليم ضمني بنتائج المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، وتتجاوز جوهر القضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب يخوض معركة ضد الاستعمار والاحتلال. وشدد على أن النضال ضد التمييز العنصري يمثل جزءاً أساسياً من نضال فلسطينيي الداخل، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن النضال الوطني من أجل إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
وفي تشخيصه لأزمة النظام السياسي الفلسطيني، أكد الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن الانقسام المستمر منذ سنوات طويلة لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى عامل بنيوي يهدد وحدة الحركة الوطنية وقدرتها على مواجهة التحديات. وأشار إلى أن حركة فتح باتت أكثر انشغالاً بالدفاع عن السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في مواجهة الاستهداف الإسرائيلي المتواصل، فيما تواجه حركة حماس تحديات وجودية غير مسبوقة فرضتها الحرب الأخيرة على غزة وما نتج عنها من متغيرات سياسية وميدانية عميقة.
وتوقف عند قضية الوحدة الوطنية باعتبارها المدخل الرئيسي لإنقاذ الحالة الفلسطينية من أزمتها الراهنة، مؤكداً أن إعادة بناء الوحدة لا يمكن أن تتم عبر حلول إجرائية أو ترتيبات تقنية معزولة عن السياسة، بل تتطلب أولاً الاتفاق على برنامج وطني جامع يعيد الاعتبار للمصالح العليا للشعب الفلسطيني ويوحد قواه ومؤسساته في مواجهة الاحتلال ومشاريعه.
وفيما يتعلق بالأوضاع الكارثية في قطاع غزة، شدد فهد سليمان على أن المهمة الوطنية العاجلة تتمثل في حماية صمود السكان ومنع تهجيرهم، وتأمين شروط البقاء والحياة الكريمة، وإطلاق عملية إعادة إعمار شاملة، وإعادة بناء المؤسسات المدنية والخدمات الأساسية التي تعرضت للتدمير الممنهج. كما دعا إلى إيجاد صيغ وطنية انتقالية قادرة على إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني في القطاع بعيداً عن أي مشاريع أو ترتيبات تسعى إلى تكريس الاحتلال أو فرض وقائع سياسية جديدة على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية.
وأكد في ختام مداخلته أن الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين تواصل نضالها من أجل الدفاع عن المشروع الوطني الفلسطيني، والعمل على إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية وائتلافية، باعتبارها الممثل الشرعي والجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات■
الإعلام المركزي
3/6/2026

