الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 الصحافة الاسرائيل- الملف اليومي

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 9/6/2026 

كان حزب الله حاميًا لإيران، والآن إيران هي حاميته

بقلم: تامير هايمن 

دخت إسرائيل المرحلة الخامسة من الصراع مع إيران. كل مرحلة من هذه المواجهات فريدة من نوعها، لكن المرحلة الحالية، استنادًا إلى تجاربنا من المراحل السابقة، تُشير إلى احتمال حدوث تدهور خطير في العلاقات مع إيران والمحور الشيعي.

موحز الفصول السابقة:

اندلعت الجولة الأولى عقب اغتيال قائد كبير في الحرس الثوري الإيراني في مقر قيادة بدمشق. وشملت ليلة من القصف، وردًا إسرائيليًا تضمن، بعد أسبوعين، تدميرًا رمزيًا لأنظمة الدفاع الجوي. أما الجولة الثانية، فجاءت عقب اغتيال نصر الله في بيروت، وشملت قصفين مكثفين من إيران. وتضمن الرد الإسرائيلي تدمير مواقع إنتاج الصواريخ الباليستية وإلحاق أضرار جسيمة بأنظمة الدفاع الجوي. وكانت الجولة الثالثة مبادرة إسرائيلية – “حرب الأيام الاثني عشر” – تضمنت تدمير المشروع النووي الإيراني. واتضح لاحقًا أن التدمير لم يكن كاملًا، وأن إيران استعادت بعضًا من قدراتها. كانت الجولة الرابعة، حرب الأربعين يومًا، مبادرة إسرائيلية أمريكية مشتركة تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني وصولًا إلى الإطاحة به، ومواصلة تدمير قدرات إيران العسكرية الهجومية.

ما الجديد في هذه الجولة؟

تطبيق سياسة مجتبى خامنئي: هذه أول جولة يقودها منذ البداية. مع انطلاق “هدير الأسد”، كان مصابًا، ولم يكن بكامل طاقته في الأيام الأولى الحاسمة من الحرب. هذه المرة، يمثل هذا أول اختبار له كقائد أعلى بحكم الأمر الواقع، ولعل هذا ما يفسر إصراره على الوفاء بوعده وتنفيذ تهديده. يوجه مجتبى هنا عدة رسائل في آن واحد: رسالة قوة وثقة بالنفس للشعب الإيراني؛ ورسالة حزم وصرامة في المفاوضات تُحمّل إسرائيل مسؤولية تدهور الوضع؛ ورسالةٌ تدعو إلى تغيير المعادلات، حيث عادت قضية “وحدة الساحات” والمحور الشيعي إلى الواجهة بعد أن نال تأبينا سابقٍا لأوانه.

إيران تحمي حزب الله: فبدلاً من أن يحمي حزب الله إيران بردع إسرائيل، باتت إيران تحميه. هذا التحول الاستراتيجي هو مكافأة إيران على ولاء حزب الله، وعلى وقوف نعيم قاسم إلى جانبها دفاعاً عنها، مُلحقاً الضرر بالمصالح اللبنانية، ومُعرّضاً بذلك مكانته في لبنان للخطر. يُشابه هذا سابقة مضيق هرمز: ففي كلتا الحالتين، تُرسّخ إيران قواعد لم تكن سارية قبل الحرب، قواعد تخدم سردية النصر الإيراني. بعبارة أخرى، تسعى إيران إلى إنهاء الحرب ليس فقط بنصرٍ دون خسائر، بل بنصرٍ قائمٍ على إنجازاتٍ جديدة: السيادة على مضيق هرمز و”الردع الموسّع” الذي يشمل لبنان أيضاً.

جولة الردع الموسّعة: مثّلت الجولتان الأوليان إعلاناً للخطوط الحمراء من كلا الجانبين، بهدف إعادة إرساء توازنٍ مستقرٍ للردع. هذه المرة، هدف الردع مشابه، لكن على عكس سابقاته، قد تكون هذه الجولة أطول وتشمل عدة جولات من الضربات. وبهذا المعنى، فهي فريدة وخطيرة. يصعب قياس نجاح الجولات التي تهدف إلى “استعادة الردع” وتحديد الخطوط الحمراء، وبالتالي يصعب معرفة متى وكيف يتم إيقافها. في حرب الأيام الاثني عشر، كان الهدف واضحًا – المشروع النووي؛ وفي حرب الأربعين يومًا – تفكيك القدرات العسكرية وتقويض النظام – وهو إجراء ممكن، حتى وإن لم يتحقق بالكامل. في الحالة الراهنة، الوضع النهائي غير واضح. لن يُعرف مدى اكتمال الردع إلا بعد توقف إطلاق النار، عندما يهاجم الجيش الإسرائيلي بيروت ونرى ما إذا كانت إيران سترد أم لا. لا يمكن معرفة ذلك أثناء الحملة، ولا مقدار الألم الذي يجب أن تتعرض له إيران حتى تصل الرسالة.

قد يُمثل الفصل الخامس تحولاً سلبياً في موازين القوى ضد إيران. فنجاح مجتبى قد يُرسخ حكمه ويُغذي لديه ثقة مفرطة في رؤيته الراديكالية للعالم. إن استعادة وحدة الساحات ومعادلة الردع الجديدة التي تسعى إيران من خلالها إلى الحد من نفوذ إسرائيل في لبنان يُعد تغييراً سلبياً، كما أن خطر جولات طويلة من “الردع”، دون حسم أو استقرار، قد يُشكل تحولاً سلبياً في الميزان الاستراتيجي ضد إيران.

أمر واحد واضح: لم ينتهِ الأمر مع إيران، وكل الإنجازات العملياتية المبهرة التي تحققت حتى الآن لم تُفلح في ترسيخ واقع أمني أفضل لإسرائيل، لا من خلال الردع ولا من خلال الحرب. والخلاصة هي أنه لا يُمكن الحفاظ على واقع “إدارة الصراع” و”معادلات الردع” في مواجهة إيران. إن استقرار الوضع يتطلب ترجمة الإنجازات العسكرية إلى إطار سياسي مُلزم.

——————————————

هآرتس/ ذي ماركر 9/6/2026

التخطيط لاقامة عشرات البؤر الاستيطانية حتى قبل شرعنتها

بقلم: سيمي سبولتر

في حين تستعد اسرائيل للانتخابات، تكمل الحكومة حاليا خطوة واسعة النطاق نحو شرعنة جماعية وتخصيص ميزانيات لبؤر استيطانية غير قانونية خلف الخط الاخضر، بعضها في جيوب في مناطق أ وب. وكجزء من هذه العملية فقد اصدرت الحكومة في الاسبوع الماضي قرار بواسطة استفتاء هاتفي مستعجل، بتخصيص اكثر من 100 مليون شيكل لتخطيط البؤر الاستيطانية. وتنوي في الفترة القادمة الموافقة على قرار آخر سيخصص اكثر من مليار شيكل لاقامة وتطوير البؤر الاستيطانية حتى قبل تسويتها بالكامل، وذلك حسب تعريف “مواقع مؤقتة”.

وقد شمل قرار الحكومة من الاسبوع الماضي بعنوان “التنظيم التخطيطي للمستوطنات” ميزانية تبلغ 125 مليون شيكل لتعزيز “التنظيم التخطيطي الاولي للمستوطنات في المناطق الريفية في يهودا والسامرة، التي قرر مجلس الوزراء السياسي – الامني (الكابنت) تسويتها في كانون الاول 2025”. وجاء في الملاحظات التوضيحية: “يهدف القرار المقترح الى تعزيز التنظيم التخطيطي لعدد من المستوطنات التي تمت تسويتها، اضافة الى المستوطنات التي اقيمت أو التي يجري النظر في اقامتها، حسب قرارات الكابنت والحكومة، وعلى خلفية سياسة الحكومة التي تهدف الى تنمية المناطق المعزولة وتعزيز النقب والجليل”.

يكاد القرار يخلو من اسم المناطق التي من المفروض أن تستفيد من هذه الميزانيات. تدرج المناطق المذكورة بالاسم ضمن ميزانية تبلغ 12 مليون شيكل، من المبلغ الاجمالي المخصص للنقب والجليل. ولكن هذا مجرد تمويه. حيث تظهر مسودة القرار التي حصلت عليها “ذي ماركر” كل اسماء المناطق المستفيدة منها، وهي 69 منطقة، في معظمها هي بؤر استيطانية لم تتم اقامتها حتى الآن.

وتشمل قائمة الـ 69 سلسلة طويلة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي صادق عليها الكابنت في كانون الاول 2025، بعضها في جيوب مناطق أ وب. ولم يتم الاعلان عن قرار الكابنت لبضعة اشهر، الى حين كشفت عنه صحيفة “آي 24” في شهر نيسان، في محاولة لاخفاء هذه الخطوة عن المجتمع الدولي.

على سبيل المثال تشمل القائمة حوالي 30 منطقة لا تحمل حتى أي رمز، وهو الرمز الذي يعطيه المكتب المركزي للاحصاء مع قرار الانشاء. حوالي 20 منها تحمل اسم مثل شاليم وكاديم وغانيم وكيدا وماسول، وهي جزء من القائمة التي صادقت عليها الحكومة في كانون الاول. بالاجمال، تمت المصادقة على اكثر من 50 مركز في جلسات مجلس الوزراء في العام 2025، وجميعها في ظل الحكومة الحالية.

17 مبنى متنقل في كل بؤرة استيطانية

ميزانية التخطيط بمبلغ 125 مليون شيكل ليست الا البداية. في الاسابيع الاخيرة عمل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ومكتب رئيس الحكومة على صياغة قرار يقضي بتخصيص ميزانية لبناء هذه البؤر الاستيطانية بالتوازي مع التخطيط، حتى قبل تسويتها. وحسب القرار قيد الصياغة سيتم تخصيص مئات ملايين الشواقل لهذا الغرض، لبناء 15 مبنى متنقل في كل بؤرة استيطانية، اضافة الى مبنيين متنقلين للمؤسسات العامة. عنوان القرار قيد الصياغة هو “انشاء مواقع مؤقتة في المناطق التي تقرر اقامتها في المناطق الريفية في يهودا والسامرة”.

سيتم تحويل الاموال الى لواء الاستيطان، الذي ستديره وزارة الاستيطان برئاسة الوزيرة اوريت ستروك، وذلك من اجل اقامة وبناء “مواقع سكن مؤقتة ومبان عامة في المناطق المنوي اقامة المستوطنات فيها، لغرض الاقامة المؤقتة واستخدامها من قبل السكان الذين يخططون لبناء بيوتهم أو يفكرون في الاقامة الدائمة في المستوطنات الى حين بناء المساكن الثابتة”.

ويعرف مشروع القانون “المستوطنات” بانها كل المستوطنات التي تقرر اقامتها بحسب سلسلة قرارات حكومية صدرت في السنوات الاخيرة، بما في ذلك القرار ب/216 في 11 كانون الاول 2025، وهو نفس القرار الصادر عن الكابنت الذي تقرر فيه شرعنة 34 بؤرة استيطانية.

اضافة الى ذلك سيخصص قرار الحكومة الذي يجري اعداده مئات الملايين للبنى التحتية، التي ستتولى وزارة الانشاء والاسكان تنفيذها في السنوات الثلاثة القادمة، وسيتم استكمال ايضا تخطيط وتسوية البؤر الاستيطانية. وخصص القرار ملايين الدولارات لـ “مستشارين مجتمعيين وتدريبهم، بهدف دعم نواة الاستيطان الاولية التي تشكلت في كل موقع من المواقع المؤقتة”.

خطوة سموتريتش الرباعية

ينضم تنظيم هذه المراكز الاستيطانية وتخصيص ميزانيات لها الى سلسلة اجراءات صممت لصالح جمهور سموتريتش الهدف قبل الانتخابات. في الاسبوع الماضي وافقت الكنيست بكامل هيئتها بالقراءة الثانية والثالثة على مشروع القانون الذي قدمه عضو الكنيست من حزبه، تسفي سوكوت، الذي يعطي اعفاء ضريبي محدد لـ 58 مستوطنة بمبلغ يصل الى 10 آلاف شيكل للفرد في السنة، وبتكلفة تقديرية تبلغ 130 مليون شيكل سنويا. وقد صممت معايير هذا الاعفاء بشكل خاص للمناطق الموجودة في العنقود الاقتصادي – الاجتماعي السادس وما دونه، الموجودة شرق الخط الاخضر وفي المناطق التي يتم فيها نقل الطلاب بالحافلات المحصنة.

لقد اقرت الكنيست القانون الذي دفع به قدما سوكوت باغلبية 32 صوت مقابل 23، في حين امتنع اعضاء المعارضة عن التصويت، ومعارضة المستشار القانوني للكنيست وشعبة الميزانيات للقانون بذريعة انه تمييزي وتعسفي ويثير اشكالية تشريعية. وخلال عملية التشريع تم ادراج المستوطنات الموجودة على طول خط التماس في المنطقة الشمالية لفترة قصيرة. ولكن بعد طلب رؤساء السلطات توسيع نطاق الاعفاء الضريبي استبعدها سموتريتش من القانون، وهاجمها سوكوت على اعتبار أنهم مبتزين وجامعي اموال حماية، والنتيجة هي اعفاء ضريبي سخي للمستوطنات، بما في ذلك المستوطنة التي يعيش فيها سموتريتش وسوكوت، الذي تمت الموافقة عليه رغم سلسلة من التحذيرات القانونية والميزانية.

اذا تمكن سموتريتش ايضا من تمرير قرار تخصيص مليار شيكل لبناء البؤر الاستيطانية حتى قبل استكمال تسويتها وتخطيطها فسيكون انجز خطوة رباعية المحاور: تخصيص ميزانية للبنى التحتية للبؤر الاستيطانية، ميزانية لتعبيد الشوارع، ميزانية لتخطيط اقامة مستوطنات دائمة – كل ذلك مع مزايا ضريبية سخية للسكان.

——————————————

هآرتس 9/6/2026

طهران تعيد تعريف طبيعة الصراع

بقلم: تسفي برئيل 

يبدو ان جولة الهجمات المتبادلة بين اسرائيل وايران انتهت، واظهر الطرفين القدرة على الرد واثبتا فائدة “سياسة عدم الاحتواء”. مع ذلك، حتى في معادلة الردود هذه التي تهدف الى ترسيخ قوة الردع لكل طرف، هناك رابحون وخاسرون. يسهل سرد الضربات التي حصل عليها بنيامين نتنياهو من دونالد ترامب أو تحليل حدود قوة اسرائيل في مواجهة شبكة المصالح الكبيرة التي تحرك دول المنطقة. مع ذلك، “الحرب التي استمرت لـ 24 ساعة”، والتي تعتبر “جولة” حتمية، تعكس تحول جذري في سياسة ايران.

عندما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية، اسماعيل بقائي، أمس بان “واشنطن لا تستطيع ان تبعد نفسها عن تصرفات اسرائيل”، وان ايران تحمل الولايات المتحدة المسؤولية عن أي خرق لوقف اطلاق النار من قبل اسرائيل، فان هذا ليس فقط تعبير عن البديهيات، بل هو تعريف يعيد صياغة طبيعة الصراع بطريقة جديدة، تعطي الشرعية لرد ايران، ليس فقط على أي هجوم مباشر عليها، بل ايضا على أي هجوم يستهدف وكلاءها.

يحدد هذا التصريح وضع الوكلاء بطريقة تجعلهم جزء لا يتجزأ من رؤية طهران الامبريالية لنفسها. يكمن الاختلاف الجوهري بين التعريفات القديمة لهيكل الردع الايراني، التي كانت حسب تخطيط وتنفيذ قاسم سليماني، وتقسم الادوار بين “الدولة الام” والوكلاء في العراق ولبنان وسوريا (قبل سقوط بشار الاسد) واليمن، وبين التصور الجديد في كونه نتيجة للحرب، ويكمن في فحص دروس اداء هؤلاء الوكلاء وجدواهم.

من بين الاستنتاجات التي يتناولها المعلقون في ايران، ان الغرض من الوكلاء، الذين انشئوا كجدار حماية لايران وكان من المفروض ان يمتصوا ضربات الهجوم والرد نيابة عنها، قد انتهى بعد فشلهم في اثبات الجدارة اثناء الحرب. وحتى قبل الحرب لم ينجح “حزام النار” في تحقيق مهمته بالكامل، بل واجبر ايران احيانا على التدخل المباشر، مثلما في ردها على اغتيال الجنرال محمد زاهدي في نيسان 2024 بقصف اسرائيلي استهدف المبنى قرب السفارة الايرانية في دمشق. ولكن هذه كانت حالات نادرة قدمت فيها ايران نشاطها العسكري كرد فعل وليس كمبادرة.

كما ان اسهام الوكلاء في ترسيخ مكانتها السياسية والاقليمية، مثل استئناف العلاقات بين ايران ودولة الامارات والسعودية الذي جاء في سياق الرغبة في تحييد تهديد الحوثيين، آخذ في التضاؤل. وقد “وقع” الحوثيون على اتفاق عدم اعتداء منفصل مع الولايات المتحدة، أما المليشيات الشيعية التابعة لايران في العراق، فانه رغم قوتها العسكرية فقد اصبحت سلاح ذي حدين يهدد علاقة طهران مع بغداد، بينما في لبنان، معقل ايران العسكري الاكثر نشاطا وربما الاهم، تعمل الحكومة على تطوير قناة سياسية مستقلة وجريئة تهدف الى تجريد حزب الله من شرعيته العسكرية والشعبية.

الاسوأ من ذلك، بالنسبة لايران، هو ان سيطرتها شبه المطلقة السابقة في لبنان تواجه بتحد غير مسبوق، الى درجة انها اضطرت الى تولي زمام الامور نيابة عن حزب الله والتحرك ضد اسرائيل. لا يقتصر التهديد الذي تشكله حكومة لبنان على ايران على مكانة حزب الله ووجوده فقط، بل ان أي خسارة في لبنان قد تؤثر على وضع المليشيات الشيعية في العراق، وبالتالي، على استقرار سيطرة ايران على العراق كله، وبعد ذلك على متانة العلاقة بين ايران والحوثيين الذين يعملون بدورهم حسب اجندة مستقلة.

في هذا السياق يجب النظر الى ردود فعل ايران على الهجوم الاسرائيلي في الضاحية وربط أمن حزب الله بأمن المفاوضات مع الولايات المتحدة باعتبار ذلك اكثر من مجرد اجراء ردع. فهذه الردود تشكل عنصر اساسي في استراتيجية شاملة تعتبر الدول التي يعمل فيها حلفاء ايران جزء لا يتجزأ من “الامبراطورية الايرانية”. أو كما يعبر عن ذلك المسؤولين في ايران معتبرين ان أي هجوم في لبنان يعتبر بمثابة هجوم على ايران. اذا كان يقال في بداية الحرب عن ايران بانها لا تحتاج الا الى عدم الخسارة كي تنتصر، وان بقاء النظام بحد ذاته هو “النصر المطلق”، فان رؤيتها للامبراطورية اصبحت الآن، بعد أن اصبحت تدعي النجاة من الصراع ضد اقوى قوة في العالم واقوى دولة في الشرق الاوسط، اقرب اليها من أي وقت مضى، ولبنان هو حجر الزاوية في هذه الرؤية. ومن اجل تحقيق ذلك فقد استغلت ايران موقعها الجغرافي الذي يعطيها السيطرة على مضيق هرمز وضعف دول الخليج. وبهذه الطريقة تستطيع استبدال نظام الدفاع القديم الذي كان يوفره لها وكلاؤها. فاذا كانت ايران قبل الحرب سعت الى تحسين علاقاتها مع دول الخليج لخلق غطاء سياسي يحميها، فقد اصبح من الواضح لها الان ان تحويل هذه الدول الى ساحة حرب دائمة تهدد اقتصادها، قد حقق لها مكاسب اكثر. فالتهديد الذي يطال آبار النفط ومنشآت الغاز وتحلية المياه والمطارات اجبر هذه الدول على العمل ككابح للهجمات على ايران. وقد انعكس ذلك ايضا في الصراع الاخير مع اسرائيل حيث استخدمت كل هذه الدول كل القوة لوقف التصعيد.

في السياق الموازي نجحت ايران في جعل التهديد للاقتصاد العالمي جزء لا يتجزأ من منظومة ردعها. اضافة الى ذلك اتخذت خطوة ايديولوجية وسياسية لا تقل اهمية. فعلى مدى عقود بنت طهران رؤيتها على اساس الانقسام بين “الشيطان الاكبر” (الولايات المتحدة) و”الشيطان الاصغر” (اسرائيل). وقد خدم هذا الانقسام الاستراتيجية الايرانية بشكل جيد عندما كانت واشنطن والقدس تتصرفان احيانا بشكل منفصل، بل وتختلفان احيانا حول اسلوب العمل ضد طهران. ولكن الحرب الاخيرة سنحت لايران فرصة دمج العدوين في كيان استراتيجي واحد. فبالنسبة لها لم تعد هناك اسرائيل تعمل جنبا الى جنب مع الولايات المتحدة، بل هناك الولايات المتحدة التي تعمل من خلال اسرائيل. مجازيا تتنازل ايران عن التقسيم التاريخي لاعدائها الرئيسيين بين “الشيطان الاكبر” و”الشيطان الاصغر”، ومن الان فصاعدا لا يوجد الا “شيطان واحد” يعمل ضد “ايران العظمى”.

ان “دمج” العدوين، اسرائيل والولايات المتحدة، في لواء واحد يحول ترامب والولايات المتحدة الى جدار دفاع لايران ضد اسرائيل، المحاصرة في داخل شرنقة القيود التي فرضها عليها الرئيس الامريكي. ونتيجة لذلك يصبح أي تهديد لايران تهديد لكل دول المنطقة، ويضع الولايات المتحدة في مازق اختيار مصالحها. وبهذه الطريقة تستطيع ايران الاعتماد على نظام ردع ودفاع مختلف، يحررها من الاعتماد العسكري على الوكلاء، لكنه يعطيهم في نفس الوقت مكانة ركيزة اساسية لترسيخ مكانتها كقوة عظمى.

مع ذلك، الحفاظ على الردع وتعزيزه من خلال استخدام التهديد الجيوسياسي ليس الا عنصر واحد. فمهما كان الردع ضروري ومتطور، الا انه وحده غير كاف لتحقيق الفائدة التي تسعى اليها ايران، وهي الانتقال من مرحلة البقاء الى مرحلة اعادة البناء الاقتصادي، وبعد ذلك ترسيخ مكانة تنافس كتلة الدول الموالية لامريكا. هذا طموح مصمم لترجمة “انتصار البقاء” الى عملة سياسية ونظام اقليمي جديد تتحول فيه ايران من مشكلة تحتاج الى حل الى قوة يجب اخذها في الحسبان.

——————————————

هآرتس 9/6/2026 

هجوم محدود كشف استعداد نظام طهران للمخاطرة، ومدى اعتماد اسرائيل على امريكا

بقلم: عاموس هرئيلِ 

بعد تصعيد جديد استمر لبضع ساعات، يبدو أن هدوء مؤقت قد تحقق من جديد في تبادل الضربات بين اسرائيل وايران. ولكن اطلاق ايران الصواريخ على الجبهة الداخلية الاسرائيلية رغم الرد الجوي، كشف عن تزايد اعتماد اسرائيل على الولايات المتحدة، والارتفاع الحاد في ثقة النظام في طهران بنفسه. كما ان عدم التوصل الى أي اتفاق حقيقي على الجبهة اللبنانية ينذر بعودة المنطقة الى التصعيد.

بدأت الاحداث الحالية اول امس. بعد بضعة ايام على اطلاق حزب الله صواريخ على الجليل وقتل جنود بسبب هجمات طائرات مسيرة مفخخة في جنوب لبنان، قرر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الرد. وما زال من غير الواضح ما دار بينه وبين الرئيس الامريكي دونالد ترامب. ولكن يبدو ان ترامب قد اعطى موافقة ضمنية على الاقل لشن اسرائيل هجوم على الضاحية في بيروت، بعد ان كان قد منعه منعا باتا في الاسبوع الماضي، ازاء تهديد ايران بالرد.

وقد شن سلاح الجو الاسرائيلي هجوم محدود في الضاحية أول أمس، لكن ايران بسرعة نفذت تهديدها واطلقت الصواريخ على شمال البلاد، وردت اسرائيل بمهاجمة اهداف عسكرية في ايران، بما في ذلك مصنع بتروكيماويات، في اشارة على قدرتها على ضرب مواقع البنى التحتية الوطنية هناك.

ايران ردت بدورها باطلاق النار على مركز البلاد، وانضم اليها هذه المرة الحوثيون في اليمن الذين اطلقوا صاروخ بالستي على اسرائيل بعد ان اختاروا عدم التدخل في الحملة الحالية في نهاية شباط الماضي. اسرائيل شنت غارة جوية على ايران أمس بعد فترة قصيرة من دعوة ترامب الاطراف الى وقف اطلاق النار، بل وتصريحه بانه سيتحدث مع نتنياهو بشان هذه المسالة. هل تجاهل رئيس الحكومة طلب/ توجيه الرئيس الامريكي علنا، الذي نفى بعد ذلك (بلطف نسبي) أي معرفة مسبقة له بالهجمات الاسرائيلية في لبنان وايران؟.

يصعب تصديق ان هذا ما حدث. فقد اظهر نتنياهو بالفعل القدرة على التاثير في قرارات ترامب منذ عودته الى البيت الابيض قبل سنة ونصف. من المرجح ان ترامب ادرك بشكل متاخر خطر المازق السياسي الذي وجد نتنياهو نفسه فيه. لو تفاخر رئيس الحكومة علنا بالصواريخ البالستية الايرانية، خلافا لتصريحاته العدائية المتكررة، لكان سيواجه مشكلة مع بعض مصوتي اليمين.

من جهة اخرى، تفريغ الغضب عبر هجوم محدود على ايران تتبعه العودة الى وقف اطلاق النار، ويمكن نتنياهو من التظاهر بانه رد بحزم على عدوان ايران، ويتيح لترامب العودة بسرعة الى ما يهمه حقا، وهو التوصل الى اتفاق ينهي الحرب في ايران شريطة ان يوافق النظام في ايران على التوقيع عليه. هذا كان بالفعل جوهر الرسالة التي ارسلها نتنياهو اليوم: اسرائيل قوية، ايران ضعيفة، نحن “نحطم هيمنة حزب الله”، ولن نسمح لايران بفرض معادلة عمل جديدة علينا.

اعلنت ايران امس في الساعة الثانية ظهرا بان تبادل الضربات مع اسرائيل انتهى بالنسبة لها. ولكن الايرانيين شملوا في بيانهم تهديد بالهجوم من جديد اذا تحرك الجيش الاسرائيلي في لبنان. وبعد ساعة تقريبا استانف حزب الله اطلاق الصواريخ على القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان. يبدو انه حتى مع هدوء الخليج، ما زال لبنان يغلي، وقد يشتعل الوضع في الشمال بطريقة تعيد اشعال المواجهة بين امريكا وايران. اضافة الى ذلك ما زال من غير الواضح ما هي القيود التي فرضها ترامب على تحركات الجيش الاسرائيلي المستقبلية، وبالتالي، لم تحسم اسرائيل أي شيء في لبنان، بينما ما زالت الولايات المتحدة تسعى بجهد للتوصل الى اتفاق مع ايران قد لا يرقى الى مستوى طلبات نتنياهو.

ايضا محنة حزب الله حاضرة في الخلفية، رغم الخسائر التي يلحقها بالجيش الاسرائيلي. حيث يفقد هذا التنظيم الشيعي عشرات المقاتلين كل اسبوع، ويسعى الى فرض اتفاق يمنع اسرائيل من مهاجمته، الامر الذي يتعارض مع وقف اطلاق النار الذي تم التوصل اليه في لبنان في تشرين الثاني 2024، والذي سمح لاسرائيل بالفعل بمواصلة هجماتها في جنوب لبنان كما تريد.

من الجدير بالذكر ايضا دور نتنياهو في هذه الازمة. فبقراره مهاجمة الضاحية لاسباب داخلية – خشية من الانتقادات الداخلية – صعب الامور على ترامب، الذي يتوق الى التوصل الى اتفاق في الخليج، قد لا يكون في متناول اليد. الايرانيون الذين زادت ثقتهم في ظل تصاعد جهود الرئيس الامريكي لانهاء الحرب، مستعدون للمخاطرة بمزيد من التصعيد، لانهم يلمسون تردد، بل وضعف، من ناحية الولايات المتحدة.

لكن بالنسبة لنتنياهو، لا تقتصر الاعتبارات السياسية على احراج عابر فقط. فهو يختبر مرارا وتكرارا مدى قدرته على السيطرة على الاجندة الاقليمية عبر التحركات العسكرية. وقد يخدمه هذا من جديد قبل الانتخابات، مع هيمنة اجندة الامن والشعور بحالة الطواريء الوطنية. ولكن هذه انجازات قابلة للتطوير، لانه يمكن اعتبار حالة الطواريء الامنية ذريعة لتاجيل الانتخابات في اللحظة الاخيرة اذا لم تظهر الاستطلاعات نتائج مرضية لاحزاب الائتلاف.

 ——————————————

معاريف 9/6/2026 

إسرائيل لم تنجح في حسم أي جبهة، بل أصبحت رهينة لإيران وحزب الله

بقلم: بن كسبيت

في ظهوره امام الكاميرات أمس بدا نتنياهو كبالون فرغ الهواء منه. اذا ما قارنتم بجملة خطابات “النصر المطلق” البطولية التي القاها في السنوات الأخيرة مع ما رأيناه منه امس فستفهمون حجم الانكسار. هو لا يزال يتحدث وفي المطلة انطلق انذار عقب تسلل حوامة الى نطاق القرية الزراعية.

نتنياهو يمكن له ان يربت لنفسه على الكتف مرة أخرى.. من سياسة الجولات حيال حماس نقلنا الان الى جولات حيال ايران. من وضع عملت فيه إسرائيل في جنوب لبنان بحرية وقصفت في الضاحية في كل مرة كان هذا لازما، اصبحنا رهائن الإيرانيين الذين اعلنوا بانهم سيردون بصواريخ باليستية على كل جولة في الضاحية. كل هذا يحصل فيما يواصل حزب الله اطلاق الحوامات، المُسيرات والصواريخ، وحماس تتعاظم في غزة وترامب على مسافة خطوة على التوقيع على اتفاق كله هزمة مع ايران. بالفعل، نصر مطلق.

إسرائيل لا يمكنها ان تصمد في جولات حيال ايران. الاقتصاد لن يصمد في هذا. الجمهور لن يصمد في هذا. جهاز الامن سيصعب عليه الصمود في هذا. وكل هذا صحيح لعهد ترامب. هذا العهد سينتهي بعد سنتين ونصف. بعده يأتي الطوفان. كل ما لم ننجح في فعله الان لن نفعله بعد ذلك. والان نحن لا ننجح في الحسم في اي جبهة. الجدول لا يكذب، بل العكس: بعد سلسلة لا نهاية لها من الإنجازات العسكرية الدراماتيكية، التي تقشعر لها الابدان إسرائيل تتراجع في كل الجبهات.

ايران أصبحت اكثر خطرا مما كانت بكثير. نعم، هي ضعفت عسكريا واقتصاديا، لكن النظام يؤمن بانه نجا من الحرب ضد كل الاحتمالات، هو سكر قوة ويتطلع الى الثأر. هم سيفعلون كل ما يمكن كي يحصلوا على القنبلة، حتى لو اضطروا لان يشتروا واحدة من تحت الطاولة من كوريا الشمالية او ان ينظموا لانفسهم تجربة نووية ارتجالية في الصحراء وانهاء الموضوع. هم ملجومون اقل، واعون أقل، مصممون اكثر بكثير. الضربة التي تعرضوا لها امس كانت رمزية ولا تؤثر في احد. وكما يبدو هذا الان، انتهت الحرب لكن التهديد لم يزال. وربما العكس.

في ظهوره امس قال نتنياهو بضعة أمور مذهلة، ان لم نقل بلا أساس. كاد لا يتطرق لترامب الا بثلاث كلمات: “الرئيس ترامب صديقي”. ومثلما يقال: كل كلمة إضافية زائدة.  إذ قبل وقت قصير من ذلك تحدث ترامب مع مراسل “الفايننشال تايمز” وقال له مرة أخرى، المفهوم من تلقاء ذاته: “بيبي سيوقع على كل اتفاق اجلبه. هو لا يقرر. هو لا يقرر. فقط انا اقرر”. لكن الأساس هو أن الصداقة باقية.

لكن كانت له اقوال أخرى. مثل: قبل سنة في حملة الأسد الصاعد، اوقفنا النووي الإيراني. لو لم نعمل في الوقت المناسب وبقوة، لما كنا هنا اليوم. رئيس وزراء إسرائيل قال، بصوته، لو لم تهاجم إسرائيل ايران في حزيران الماضي، حتى حزيران، أي حتى الان، لكنا أُبدنا.

“ما كنا سنكون هنا”، على حد قوله. أي ايران كانت قد أصبحت دولة نووية. إذ لا يمكن التصور انه في غضون سنة واحدة فقط كان يمكنها أن تسد الثغرة في التخصيب. تستكمل مجموعة السلاح، تنجح في انتاج قنبلة بحجم كرة سلة، مع سلسلة تفجير مرتبة، تركبها على رأس متفجر في صاروخ باليستي وتبيد إسرائيل. نعم، نعم: حسب نتنياهو كل هذا كان على الطريق. نجينا بصعوبة. أي هو الذي انقذنا.

كما قال أيضا التالي: مثلما فعلت على مدى عشرات السنين اصر بحزم على حقنا في العمل ضد اعدائنا. هكذا تصرفنا الان أيضا”.

هو مقتنع انه على مدى كل سنواته التي لا تنتهي في الحكم هو “اصر بحزم على حقنا في العمل ضد اعدائنا”. حاولت ان أتذكر متى عمل ضد اعدائنا. حين رتب لحماس 30 مليون في الشهر من قطر؟ حين تجاوز وتملص من ست مرات طالبه الشاباك فيها بتصفية قيادة حماس؟ حين حرر كل القتلة ويحيى السنوار؟ حين هرب من كل جولة مع حماس، حين ضيع فخ المترو لقاء صورة نصر زائفة في “حارس الاسوار”؟ حين احتوى تعاظم قوة حزب الله؟ حين تجاهل خيام حزب الله التي نصبها في أراضينا؟

هذه القائمة طويلة كطول ضحايا 7 أكتوبر. هذا الرجل لم يصطدم ابدا باعدائنا. قدس الوضع الراهن، اكتفى بجولات عابسة انتهت بالليباب، أتاح لكل اعدائنا ان يبنوا حولنا وحوش إرهاب والان هو يتجرأ على ان يكذب ويتبجح. لا يمكن للمرء أن يتصور ذلك.

في اليوم الأخير هو يستحق، مع ذلك، بضع نقاط. فقد هاجم في الضاحية في بيروت بخلاف رأي ترامب وبعد ذلك هاجم أيضا في ايران دون اذن ترامب. غير أنه بعد هذه النقاط تلقى ضربة قاضية. الهجوم في الضاحية كان محدودا. على مكاتب فارغة، وذكر جدا بالهجمات على الثقبان الرملية في غزة في عهد نتنياهو.

كما ان الهجوم في ايران كان مقنونا. السفير الإسرائيلي في واشنطن لايتر شدد على أن إسرائيل لم تضرب أي شيء يرتبط بإنتاج النفط، كي لا تتضرر أسعار النفط. وبينما كان يستعد سلاح الجو لجولة هجمات ثالثة كبيرة، جاء النباح من واشنطن وهذا أيضا انتهى. الستار اسدل على هذه الحرب، وبخلاف ما وعدنا به نتنياهو على مدى طولها الذي لا ينتهي، لا يوجد هنا منتصر. كالمعتاد.

نتنياهو لا يمكنه أن يلوم الا نفسه. فقد جعل نفسه خادم ترامب، واساسا لانه تجرأ على ان يجنده الى الجهاد ضد جهاز القضاء الإسرائيلي ورئيس الدولة كي يفلت من المحاكمة. من رهن نفسه لجهة اجنبية، لا ينبغي له ان يشكو بعد ذلك حين يفهم بانه مرتهن. هنا يبدأ وينتهي كل شيء.

نتنياهو في حالة تضارب مصالح بنيوي منذ رفعت ضده لائحة الاتهام، في السلام، في الحرب، في  الحياة نفسها. رئيس وزراء معقول كان ملزما بان يعثر منذ زمن بعيد على آليات خروج معقولة من الحرب، في نقاط الذروة ليس في نقاط الدرك. نتنياهو لم يرغب في أن ينهي الحرب. رغب في أن يصل الى نهاية الولاية. هو نجح. هذا هو نصره المطلق الذي هو كله هزيمة استراتيجية رهيبة للدولة.

——————————————

يديعوت احرونوت 9/6/2026 

إيران لها الكلمة الأخيرة

بقلم: رونين بيرغمان

الجولة التي بدأها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والتي كان من المفترض أن تنتهي على ما يبدو بتجدد القتال مع إيران، على الأقل من جانب إسرائيل، استمرت 24 ساعة وانتهت بنتيجة هزيلة. لقد كانت هزيمة استراتيجية محرجة، وعبرةً لهذه الحرب الغريبة برمتها.

لعلّ هذه هي الهزيمة الحقيقية: لم تقتصر الهزيمة على خطوة كان يُفترض أنها تهدف إلى صياغة قواعد جديدة، بل انتهت برسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحدود وتوضيح الإيرانيين لما سيحدث في حال عودة إسرائيل إلى بيروت، ولم تسفر الجولة عن أي حسم فحسب، بل حتى الآن، وبعد ساعات من انحسار العاصفة، لا تزال المنظومة التي أوصلتنا إلى هذه المرحلة تُصرّ على عزف نفس النغمة. إنها لا تتعلم، بل تسوّق بضاعتها. لا تبحث عن مكامن الخلل، بل ُتنشئ “رسالة جاهزة”. وفي خضم ذلك، يطلب منا جميعًا قبول أكثر العبارات عبثية في السياسة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة: إذا عدنا إلى نفس الجولة مرارًا وتكرارًا، فسيحدث شيء مختلف في النهاية. لكن الساعات الأربع والعشرين الماضية تُشير إلى عكس ذلك. تقول إنك أحيانًا لا تحتاج إلى لجنة تحقيق لفهم ما حدث. يكفي أن ننظر إلى من بدأ الهجوم، ومن ردّ، ومن توقف، ومن أُجبر في النهاية على الرضوخ دون أن ينطق بكلمة “نصر”.

إنّ الوصف الدقيق للتسلسل الزمني في هذه الجولة يُظهر بوضوح الفشل والعار.

لم يقع الهجوم الإسرائيلي على الضاحية في فراغ. فقد نُفّذ بعد أن اتضح، من خلال تجربة الأسبوع السابق، أن أي هجوم إسرائيلي كبير في الساحة اللبنانية قد يُفضي إلى رد إيراني مباشر. ولذلك، كان على إسرائيل، عند إقدامها على هذه الخطوة، أن تأخذ في الحسبان، وبالفعل فعلت، سيناريو ترى فيه إيران نفسها مُلزمة بالرد. هذا يعني أن الهجوم على الضاحية لم يكن مجرد عملٍ منفرد ضد لبنان أو حزب الله، بل كان خطوة كان من الممكن أن تُعيد – وقد فعلت بالفعل – ربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية. فبدلاً من الاستمرار في سياسة تقسيم الساحات، خلقت إسرائيل فعلياً وضعاً من “توحيد الساحات” بمبادرة منها.

لم يرغب الأمريكيون في فتح جبهة جديدة ضد إيران، ولم يرغبوا في أن تفتح إسرائيل مثل هذه الجبهة. حتى لو كانوا على علم ببعض التحركات الإسرائيلية، يبدو أنهم لم يفهموا تمامًا الديناميكيات التي قد يُشعلها هذا العمل، أو لم يتلقوا صورة كاملة عن العواقب المحتملة. عمليًا، برزت فجوة حادة بين التصور الإسرائيلي للعملية والخط الأمريكي. تصرفت إسرائيل بطريقة أدت إلى رد إيراني، ثم ردت هي الأخرى داخل إيران، وعند هذه النقطة اتضح أن الأمريكيين لم يكونوا مهتمين بالسماح بتصعيد العملية إلى حرب أوسع.

كان الرد الإيراني مركزًا نسبيًا وضمن معادلة محسوبة. أطلقت إيران صواريخ على قواعد، وفقًا لفهمها، كانت مرتبطة بالعمل الإسرائيلي في لبنان. وبذلك، وجهت رسالة واضحة: أي ضربة على الضاحية ستُقابل برد إيراني، وليس فقط عبر وكلاء. لم يكن الهدف من إطلاق النار بالضرورة إشعال حرب شاملة، بل إرساء معادلة. من وجهة نظر إيران، لم تكن القدرة على الرد المباشر، واختيار نطاق إطلاق النار وتوقيته وأهدافه، أقل أهمية من الضرر المادي الناجم. سعت إلى إنهاء الجولة بكلمة أخيرة في يدها – وقد نجحت إلى حد كبير في القيام بذلك.

من يُصدر الأمر؟

بعد إطلاق إيران للصواريخ، شنت إسرائيل هجومًا داخل إيران، وهي خطوة لم تُقدم عليها منذ فترة طويلة. مع ذلك، كانت الأهداف المختارة محدودة نسبيًا: رادارات وأهداف عسكرية على مستوى منخفض نسبيًا، إلى جانب هجوم رمزي على مصنعين. يُمكن فهم هذه الخطوة كمحاولة إسرائيلية للرد دون إعلان حرب شاملة. من وجهة نظر نتنياهو، ربما اعتُبرت هذه الهجمات ردًا ضروريًا لم يتجاوز عتبة الحرب الشاملة. لكن من وجهة نظر الأمريكيين، كان الهجوم على إيران بعد إطلاق الصواريخ جزءًا من ديناميكية تصعيد خطيرة.

قال نتنياهو في بيان مقتضب أدلى به أمس، دون تلقي أسئلة من الصحافيين: “بعد هجوم إيران على إسرائيل، أصدرتُ تعليماتي للجيش الإسرائيلي بمهاجمة أهداف عسكرية واقتصادية في جميع أنحاء إيران. الآن، الوضع تحت السيطرة على هذه الجبهة، لأن النظام الإرهابي في طهران توقف عن مهاجمتنا بعد أن هيّأ نفسه لذلك”. يُظهر هذا أن عامل الوقت وحق الكلمة الأخيرة مهمان لنتنياهو، لكن من المؤسف أن الحقائق لا تُؤيده. انتهت الهجمات الإسرائيلية في الساعات الأولى من الصباح، بينما واصل الإيرانيون إطلاق النار حتى بعد ذلك. وجاءت الطلقة الأخيرة في وقت لاحق من الصباح، وبذلك حددت إيران نهاية الجولة من وجهة نظرها.

هذه تفصيلة بالغة الأهمية: لم تكن إسرائيل هي من أنهت الحادث، بل إيران. هي من حددت متى تتوقف، وعدد الطلقات، ومكان إطلاقها. من منظور معرفي واستراتيجي، تُعد هذه نتيجة إشكالية للغاية بالنسبة لإسرائيل، لأنها تسمح لإيران بتقديم نفسها على أنها ردت، ولم تتراجع، وأنهت الجولة بشروطها الخاصة. كانت لهم الكلمة الأخيرة، وليس لنا. وقد توقفوا لأنهم توصلوا إلى تفاهم مع ترامب بشأن وقف إطلاق النار، والذي فُرض على إسرائيل رغماً عنها.

في الوقت نفسه، كانت إسرائيل تُحضّر لرد آخر، أكثر أهمية بكثير. لم يكن من المفترض أن يكون هذا عملاً منفرداً، بل خطوة واسعة النطاق، كان من الممكن أن تُشعل حرباً شاملة بلا شك. كانت الاستعدادات جارية على قدم وساق، والخطط جاهزة على مكتب نتنياهو، الذي كان في المرحلة النهائية من الموافقات، وكان الطيارون في طريقهم إلى قمرة القيادة، بل إن بعضهم كان داخلها.

ثم، بينما كان منكبًا على الخرائط، ناول أحدهم نتنياهو الهاتفَ بمكالمة لا يمكنه رفضها. تدخل ترامب وأوقف العملية. كانت الرسالة الأمريكية لإسرائيل واضحة: التوقف، وعدم التصعيد، وإلغاء الخطوة. كان المعنى أن إسرائيل، بعد أن أوصلت نفسها إلى نقطة تصعيد، أُجبرت على التوقف ليس بقرار مستقل منها، بل بسبب الفيتو الأمريكي.

كشفت النتيجة مرة أخرى عن مدى اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة. أمرت القيادة السياسية الإسرائيلية الجيش بالاستعداد لتحرك كبير، ولم يغفل المخططون في سلاح الجو والاستخبارات العسكرية عن تقديم خطة ضخمة لنتنياهو، تتضمن أيضًا أهدافًا تتعلق بالبنية التحتية. بعد ليلةٍ عصيبة، تلقى قادة الجيش تعليماتٍ معاكسة تمامًا من القيادة السياسية. هذه خطوةٌ مشروعةٌ تمامًا، ومن حق القيادة السياسية أن تُدلي بتصريحٍ ثم تتراجع عنه فورًا، إن كانت هذه القيادة هي قيادة ذلك البلد. هذه المرة، كما في كل مرةٍ منذ شباط، اكتشف القادة العسكريون أن القيادة السياسية التي تُشرف عليهم موجودةٌ في البيت الأبيض.

من وجهة نظر هيئة الأركان العامة، يُعد هذا وضعًا بالغ الصعوبة: فالقيادة السياسية المحلية تدفع نحو التصعيد، لكن القيادة السياسية الحقيقية التي تُحدد حدود العمل هي القيادة الأمريكية. وبهذا المعنى، أوضح هذا الحدث للجميع – لإيران والولايات المتحدة وإسرائيل والعالم – حدود استقلال إسرائيل عندما يتعلق الأمر بحربٍ شاملةٍ ضد إيران.

صورة فشل مزدوجة

من وجهة نظر إيران، الدرس الرئيسي من الحادثة واضح: الولايات المتحدة لا ترغب في الحرب، وإسرائيل لا تستطيع خوضها بمفردها ضد إرادة أمريكية صريحة. إذا كان هذا هو الفهم الإيراني، فقد نشأت هنا معادلة استراتيجية جديدة وخطيرة لإسرائيل. علاوة على ذلك، فإن الضاحية، وهي منطقة اعترفت بها الولايات المتحدة كهدف مشروع للعمليات بفضل إصرار وزير الدفاع السابق غالانت خلال مناورات “السهام الشمالية” على أن إسرائيل يمكنها الرد على أي انتهاك لوقف إطلاق النار، باتت الآن تتمتع بنوع من الحماية غير المباشرة. إذا كان الهجوم هناك سيؤدي إلى رد إيراني مباشر، ثم تدخل أمريكي لاحتواء إسرائيل، فإن الوضع في لبنان يتغير. لم تعد هذه ساحة منفصلة، ​​بل أصبحت جزءًا من معادلة إيرانية أوسع.

ربما كان حساب نتنياهو هو خلق ديناميكية تصعيدية تجذب الأمريكيين وتسمح لإسرائيل بإكمال ما لم يُنجز في الجولة السابقة مع إيران. ربما كان يُفترض أن عدة أيام من القتال العنيف، حتى لو بدأته إسرائيل بمفردها، ستجر الولايات المتحدة في نهاية المطاف إلى الحملة. إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق، بل على العكس تمامًا. لم يكتفِ ترامب بعدم الانجرار إلى الصراع، بل أوقف إسرائيل. فبدلاً من حربٍ تُكمّل التحرك الإسرائيلي ضد إيران، نشأ وضعٌ معاكس: توقفت إسرائيل، وأطلقت إيران الرصاصة الأخيرة، وأظهر الأمريكيون جهارًا أنهم هم من يحددون حدود هذا الصراع.

يكتسب هذا الحدث أهميةً بالغةً في ظل احتمال تقدّم الأمريكيين نحو اتفاقٍ مع إيران. فإذا كان ترامب، كما أخبر نتنياهو في مكالمتهما الهاتفية أمس، سيوقع بالفعل على مثل هذا الاتفاق، فهذه خطوةٌ لا ترغب بها إسرائيل، وهذه صياغةٌ بالغة الحساسية، وهي بالتأكيد لا تعتبرها إنجازًا استراتيجيًا.

يرسم هذا صورةً مزدوجةً للفشل: فقد فشلت إسرائيل في تجديد الحرب، وفشلت في جرّ الولايات المتحدة إلى صراعٍ أوسع، وأعادت ربط لبنان بإيران، وسمحت للإيرانيين بأن تكون لهم الكلمة الأخيرة، وفي النهاية، قد تجد نفسها أمام اتفاقٍ أمريكي-إيراني تعارضه.

باختصار، من الصعب الإشارة إلى إنجازٍ إسرائيلي واضح. هذا ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل حرج استراتيجي. ففي أقل من يوم، اتضحت حدود القوة الإسرائيلية، وعمق اعتمادها على الولايات المتحدة، وقدرة إيران على صياغة معادلة إقليمية جديدة، والفجوة بين رغبة إسرائيل في التصعيد وتردد أمريكا في السماح بحرب شاملة.

يُعدّ التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة والقدرة على التأثير في السياسة الأمريكية أحد أهم مصادر قوة إسرائيل. وقد أضرّ هذا الحادث بهذه الصورة. لم يرَ العالم هنا تنسيقًا إسرائيليًا أمريكيًا، بل على العكس تمامًا: خطوة إسرائيلية أحبطها الرئيس الأمريكي. حتى لو قُدّمت تفسيرات أخرى لاحقًا، فإن الصورة الاستراتيجية تبدو واضحة: حاولت إسرائيل توسيع نطاق الحرب، وأوقفتها واشنطن. من وجهة نظر أعداء إسرائيل، تُعدّ هذه صورة قيّمة للغاية، فهي تُظهر متى تتوقف إسرائيل، ومن يوقفها، وما هي حدود قوتها.

——————————————

معاريف 9/6/2026 

بعد جولة القتال القصيرة بين إسرائيل وايران كل طرف سيحاول عرض نجاحاته

بقلم: افي اشكنازي

جولة القتال القصيرة بين إسرائيل وايران ستختبر بزجاجة تكبير، وكل طرف سيحاول عرض نجاحاته في الخطوة العسكرية. إسرائيل انطلقت لهجوم في الضاحية في بيروت لانها شخصت هدفا نوعيا كان من الحيوي مهاجمته: تسعة نشطاء من المستوى المتوسط في حزب الله، قادة كتائب، اجتمعوا في شقة خفية. وحسب شعبة الاستخبارات “أمان” فهؤلاء هم قادة ينشغلون في مجال الحوامات المتفجرة لحزب الله.

القرار بالهجوم قام على أساس اختبارين: الأول – فرصة لتأثير تكتيكي على منظومة اطلاق الحوامات على قوات الجيش الإسرائيلي. الخطوة الثانية – محاولة لتغيير الوضع “العالق” في الشمال. واجاد في وصف ذلك صباح امس مصدر عسكري قال: “نحن نعمل منذ بضعة أسابيع بالشكل ذاته، بالطريقة ذاتها، ونحصل على النتيجة غير المرغوب فيها ذاتها. وبالتالي فان القرار بتغيير الطريقة كان واجبا. أحيانا انت تحتاج الى اجراء التفافة طويلة ومعقدة كي تجتاز الحائط التي لا تنجح على مدى بضع محاولات عبوره”.

ما حصل بعد الهجوم في الضاحية هو محاولة إيرانية لتثبيت واقع ومعادلة جديدين هنا تملي فيهما النبرة وتخلق ميزان رعب بين إسرائيل وبين حزب الله وايران. بمعنى محاولة أخرى للربط بين الساحتين: اللبنانية والإيرانية. وكان رئيس الوزراء صائبا إذ بعث امس ثلاث مرات بطائرات سلاح الجو للهجوم في ايران. ضربت سلاح الجو منظومات الدفاع الجوي التي حاول الإيرانيون إعادة بنائها وكذا مصنع بتروكيماويات هام.

وضعت إسرائيل امس الإيرانيين في مكانهم وأوضحت لهم ان سماءهم ليست الحدود لطائرات سلاح الجو الإسرائيلي. لكن في إسرائيل يشجعهم معطى إضافي: في الجيش رفضوا أمس المنشورات الأخيرة التي قالت ان ايران نجحت في ان تخرج كمية كبيرة من منصات الصواريخ الباليستية وتجعلها قابلة للاستخدام.

في ساعات المساء من يوم أمس عاد وزير الدفاع إسرائيل كاتس ليغرد بعد اكثر من يوم من الصمت وكتب يقول: “حكم الضاحية في بيروت كحكم بلدات الشمال. كل هجوم على بلدات الشمال يؤدي الى هجوم في الضاحية. الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل في لبنان ضد تنظيم الإرهاب حزب الله. نحن نرد ردا باتا تهديدات ايران. كل محاولة إيرانية للربط بين لبنان وايران ومهاجمة إسرائيل سيرد عليها بقوة كبيرة كما حصل امس”.

وبالفعل، عملت إسرائيل امس في ساعات المساء وهاجمت بضع مرات مخربين من حزب الله في مجال صور. بالتوازي اطلق حزب الله الصواريخ نحو اصبع الجليل وزرعيت. وحسب الجيش الإسرائيلي سقطت الصواريخ بجانب قوات الجيش العاملة شمالي الحدود بين إسرائيل ولبنان. الجيش الإسرائيلي سيحاول تحقيق إنجازات أخرى في جنوب لبنان فيما هو يلاحق قدرات حزب الله لكن على ما يبدو الان فان الهجوم في الضاحية وجولة القتال مع ايران أيضا لم يخلقا تغييرا استراتيجيا بمعنى ان حكومة إسرائيل لا تعمل على خطة استراتيجية تغير الوضع الأمني في الساحتين من الأقصى الى الأقصى.

——————————————

هآرتس 9/6/2026 

نتنياهو أقر أنه محكوم علينا باستمرار جولات المواجهة مع ايران

بقلم: يوسي فارتر 

لا يوجد مقياس اكثر دقة لحالة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو النفسية، وبالتالي، الوضع في اسرائيل، من طول بيانه وتوقيت نشره. امس، في الساعة 6:15 مساء، لاول مرة منذ المواجهة الحالية مع ايران، تم نشر فيلم فيديو قصير لخطاب الزعيم مدته ثلاث دقائق تقريبا. القنوات التلفزيونية التي يسعى نتنياهو ووزير الاتصالات شلومو قرعي بجهد الى كسرها واخضاعها في هذا الوقت وفي هذه الايام، كررت نشر الفيديو بالكامل، بدون أي اسئلة، ينشرون ويتباكون.

تم استبدال في هذه المرة عبارات التفاخر والكلمات الرنانة المالوفة بنوع من التواضع. لم يعد الامر مجرد “نصر تاريخي”، أو “نصر سيبقى خالد لاجيال”، أو “تم القضاء على خطر الصواريخ البالستية”، أو “دمرنا الصواريخ الموجودة ومصانع انتاجها”، أو “تسببنا بضرر كبير للنظام الارهابي”. لقد حل مكان الغطرسة تواضع غريب على المتحدث. بعد التصعيد المستمر لانجازات الجيش الاسرائيلي في العمليات السابقة اعلن نتنياهو بالفعل بان سياسة الصمت ستقابل بالصمت، مثلما حدث في حصار غزة وعلى الحدود الشمالية عشية 7 اكتوبر. صحيح، بعد كل هذه التصريحات الرنانة حكم علينا بواقع من الجولات.

حبة الدواء المرة هذه تم تغليفها بعبارات تحرف الانتباه مثل “المعادلة التي حاولت ايران فرضها علينا لم تؤثر بي”، و”محادثاتي الجيدة مع صديقي العزيز الرئيس ترامب”. جيدة؟ في الـ 24 ساعة الاخيرة فقط، في سلسلة تغريدات، وصف الصديق المقرب اسرائيل وايران بأنهما طرفان متساويان بدون التمييز بين المعتدي والمعتدى عليه، بين الحليف والعدو. ودعاهما الى وقف اطلاق النار على الفور، رغم ان ايران هي التي بدأت الهجوم ردا على قصف الضاحية في بيروت. وفيما يتعلق بنتنياهو، صرح الرئيس دونالد ترامب لـ “فايننشال تايمز” بأنه “لن يكون امامه الا قبول الاتفاق مع ايران. القرار ليس بيده، بل بيدي”. وفي مكالمات هاتفية مع نتنياهو اجبره على الاحتفاظ بخطط مهاجمة ايران لبضعة ايام.

لا بد ان صدى ضحك القيادة في ايران قد وصل الى ملجأ الملياردير سيمون فالك النووي، حيث يختبيء الزوجين االامبراطوريين. منذ وقف اطلاق النار قبل شهرين استمتع الايرانيون كثيرا بترامب. مرارا وتكرارا قام بتوبيخ نتنياهو وقلل من شانه واهانة وشتمه – بعد ذلك قام بتسريب الخبر على الفور. العالم كله سيسمع. في برنامجه مساء امس اخبر ترامب براك ربيد كيف طالب نتنياهو بعدم الرد على اطلاق النار من قبل ايران على شمال اسرائيل. وهدده وقال: “احذر مما تفعل. لانك اذا استمريت على هذا المنوال ستجد نفسك وحيدا مع ايران في القريب”. اذا كان هذا “حوار جيد” فما هو الحوار السيء؟. على الاقل في هذه المرة لم يقم بشتمه ولم يصفه بالجنون.

كل ما يتفاخر به نتنياهو منذ بداية الحرب هو الانجازات التكتيكية والعسكرية. لا توجد استراتيجية، ونفس الامر ينطبق على حسن القيادة والسياسة. لا شيء الا الهجوم والقصف والقتل والابادة. الشخص الذي يوقفه مرارا وتكرارا هو ترامب، الذي يمنعه من مهاجمة ايران ولبنان واستئناف الحرب في قطاع غزة. لم يكن جو بايدن أو كمالا هاريس سيتصرفان بشكل مختلف، لكن ربما كانا سيتعاملان بمزيد من مراعاة الشريك الاسرائيلي ولن يشهرا به علنا.

ان تدهور العلاقات مع ترامب، الذي لا يخفيه الاخير بل يظهره ويتفاخر به، يعتبر تطور كارثي في حملة نتنياهو الانتخابيه وحزب الليكود. كانت الخطة الاصلية تقضي بقدوم الرئيس الامريكي الى اسرائيل في عيد الاستقلال وتسلم جائزة اسرائيل، وتتويج بيبي كرئيس للحكومة، وان يعمل معه ايضا في الاشهر قبل الانتخابات.

بدون تجنيد الرئيس بكامل قوته الى جانبه، وبدون حرب طويلة المدى – التي قد تستخدم لتاجيل الانتخابات أو على الاقل تحسن الوضع في الاستطلاعات – تتقلص اوراق نتنياهو. والى جانب الجبهة السياسية يقدم على خطوة انتحارية عندما يدفع قدما بقانون الاساس: تعلم التوراة، الذي يساوي بين وضع طلاب المعاهد الدينية والمتهربين من الخدمة وبين من يخدمون. كل ذلك من اجل البقاء في الحكم لثلاثة أو اربعة اسابيع اخرى. يصعب فهم ذلك، لكن ربما يعرف شيئا لا نعرفه نحن بني البشر. وفي موضوع يظهر بانه لا صلة له، لكنه في الواقع ذي صلة: أمر مكتب رئيس الحكومة، الذي يدير الكنيست من خلال رئيسه المتعثر امير اوحانا، امر بالغاء عدة نقاشات مثيرة للجدل امس قبل وقف اطلاق النار. وقد سمح ذلك بعقد المناظرة بناء على طلب من عضوة الكنيست تالي غوتلب المتهمة بانتهاك قانون الشباك بعد الكشف عن اسم زوج شيكما برسلر، رجل الشباك.

نتنياهو، الذي تم كل شيء بناء على توجيهاته، يعرف جيدا موضوع النقاش. كان يعرف ان غوتلب ستتهم الجيش وشعبة الاستخبارات العسكرية والشباك بالخيانة، وتتهم المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، بمساعدة الخونة، وايضا المحكمة العليا. كان يعرف انها ستنشر نظرية مؤامرة استقتها من موقع “ادنا كارنفال” الالكتروني، مرجعها الرئيسي. وايضا كان يعرف بانها ستدافع عنه وتعظم اسمه. وهذا ما فعلته خلال اربع ساعات من الصراخ المخيف.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article