المسار :في الذكرى السنوية لتأسيس اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد» والذي يصادف26/6/2026م ، نقف أمام تجربة نضالية شبابية فريدة صاغت جزءاً هاماً من الهوية الوطنية والوعي النقابي للشباب الفلسطيني على مدار عقود من الزمن، حيث تأسس الاتحاد ليكون رافداً أساسياً للحركة الوطنية وجسراً يربط بين نضال الداخل والخارج.
في هذه المقالة المطولة نستعرض الظروف التأسيسية، الأثر النضالي والفكري، ودور الاتحاد في تطوير الوعي الشبابي بتسلسل زمني يربط الماضي بالحاضر.
سياق التأسيس: ظروف الداخل والخارج «المرحلة التاريخية»
تأسس اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني كإطار شبابي وجماهيري مرتبط بـ الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين وجاء وليداً لظروف استثنائية ومعقدة عاشتها القضية الفلسطينية في أواخر ستينيات ومطلع سبعينيات القرن الماضي:
في الخارج (الشتات والمنافي): جاء التأسيس في مرحلة ما بعد نكسة عام 1967، وصعود المقاومة الفلسطينية المسلحة وانتقال ثقلها إلى الأردن ثم لبنان، كان الشباب الفلسطيني في مخيمات اللجوء يعيش حالة من الغليان الثوري والرغبة في الانخراط المباشر في العمل الوطني وهنا برزت الحاجة الإستراتيجية لتنظيم طاقات طلاب المدارس والجامعات والعمال الشباب في إطار نقابي يعبر عن تطلعاتهم ويحميهم من الذوبان والتشرد.
في الداخل المحتل: واجه الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك الأراضي المحتلة عام 1948، سياسات الأسرلة والملاحقة والتجهيل عبر المناهج التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي فكان المطلوب إطاراً سرياً وعلناً (حسب الظروف) يقود الحركات الطلابية والشبابية لمواجهة الإدارة المدنية للاحتلال والمشاريع التصفوية.
الأثر النضالي والفكري: الجدلية بين الرصاصة والكتاب
هنا تميزت الرؤية الفكرية لـ “أشد” بتبني الفكر التقدمي الديمقراطي الذي يربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي. لم ينظر الاتحاد إلى الشباب كقوة عسكرية أو وقود للمظاهرات فحسب، بل كطليعة واعية تقود الشعب نحو تقرير المصير.
الأثر الفكري: ركز الاتحاد على نشر الوعي التقدمي ومحاربة الأفكار الرجعية السائدة، مركّزاً على حقوق الطبقات الفقيرة والكادحة داخل مجتمع اللاجئين وفي القرى والمدن، واعتبر «أشد» أن الثقافة الوطنية سلاح لا يقل أهمية عن البندقية، فأسس المجلات النشرية، والنوادي الثقافية، وحلقات النقاش السياسي والفكري.
الأثر النضالي: قدّم الاتحاد مئات الشهداء والأسرى والجرحى في صفوفه في الشتات وانخرط كوادره وأعضاءه في الدفاع عن الثورة الفلسطينية والمخيمات وفي الداخل كان أشد وذراعه الطلابي (كتلة الوحدة الطلابية) في مقدمة الانتفاضة الكبرى عام 1987 وانتفاضة الأقصى عام 2000، من خلال العمل الجماهيري والميداني.
تطوير الوعي الشبابي: نقابياً، وطنياً، واجتماعياً عمل الاتحاد على ثلاث مسارات متوازية لصناعة «الشاب الفلسطيني المتكامل»
أ. الوعي النقابي (الدفاع عن الحقوق الطلابية والعمالية)
نجح الاتحاد في تحويل المطالب اليومية للشباب إلى معارك نقابية منظمة: مثل مواجهة تقليصات وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين – الأنروا في مجالات التعليم والخدمات بالداخل والشتات.
المساهمة الفاعلة في تأسيس وقيادة مجالس الطلبة في الجامعات الفلسطينية مثل بيرزيت، والنجاح، والجامعة الإسلامية، والأزهر والقدس أبو ديس عبر “كتلة الوحدة الطلابية”، والاشتراك في صياغة قوانين الحركة الطلابية.
النزول إلى الورش والمعامل لتنظيم العمال الشباب والدفاع عن حقوقهم النقابية ومحاربة الاستغلال.
ب. الوعي الوطني
استطاع اتحاد الشباب الديمقراطي كسر الحواجز الجغرافية التي فرضتها النكبة والنكسة، فصاغ خطاباً وطنياً موحداً يجمع الشاب في مخيم “عين الحلوة” بلبنان مع الشاب في مخيم “جباليا” بغزة وشاب “جنين” بالضفة، متمسكاً بالحقوق التاريخية وعلى رأسها حق العودة كحق مقدس وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
ج. الوعي الاجتماعي
حارب الاتحاد الأفكار العشائرية والتمييز ضد المرأة داخل المجتمع الفلسطيني، ودفع بالمرأة الشابة إلى الصفوف القيادية الأولى في العمل النقابي والسياسي كما نشط في حملات العمل التطوعي (قطف الزيتون في الضفة، تنظيف المخيمات، ومساندة العائلات المستورة، ازالة الركام والدمار في غزة).
التسلسل الزمني وتطور أدوار الاتحاد
وهنا نستعرض المرحلة التاريخية والعناوين التي ميزت العمل فيها وأبرز ملامح وأدوار الاتحاد في تلك المرحلة
السبعينيات والثمانينيات: التأسيس وحرب الوجود، تنظيم الشباب بالمخيمات، الانخراط في العمل الفدائي، ومواجهة مشاريع التوطين والتهجير في الشتات. |د
| 1987 – 1993 | انتفاضة الحجارة الكبرى والانخراط الكامل لكتلة الوحدة الطلابية بالداخل في قيادة الشارع وتشكيل لجان المقاومة الشعبية والتعليم البديل.
| التسعينيات (بعد أوسلو) | معركة الهوية ورفض الحلول المتجزأة، والتركيز على قضايا الشباب المطلبية (الأقساط الجامعية، البطالة) في ظل نشوء السلطة الفلسطينية.
| 2000 – 2005 | انتفاضة الأقصى والمزاوجة بين العمل الجماهيري والمقاومة، وتقديم تضحيات هائلة من الكوادر الطلابية والشبابية.
| 2005 -2010 |: الانقسام الفلسطيني وقيادة للمبادرات الشبابية والضغط الجماهيري لإنهاء الانقسام من خلال قيادة الحملة الطلابية لإنهاء الانقسام وتجمع كفى الشبابي التي سيرت عشرات الالاف من الشباب والطلبة للمطالبة بالوحدة.
| السنوات الأخيرة والحاضر | تمثلت في صمود الداخل ومواجهة الإبادة والتصفية وإسناد الصمود الشعبي، قيادة حملات التكافل، والعمل في الساحة الدولية لفضح جرائم الاحتلال.
الربط بين الماضي والحاضر: التحديات المتجددة
إن ما أشعله الرواد الأوائل في ستينيات القرن الماضي من جذوة للوعي، يتصل مباشرة بالحاضر الذي يعيشه الشباب الفلسطيني اليوم.
اليوم، يواجه «أشد» تحديات معقدة فرضها الواقع السياسي الراهن، لكنه يستند إلى نفس الإرث الفكري:
1. في قطاع غزة والضفة الغربية: يقف شباب الاتحاد اليوم وسط أتون حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل الشرس، حيث تحول دورهم من النضال النقابي التقليدي إلى نضال الإغاثة والصمود والتكافل الشعبي، وإعادة بناء الأطر الشبابية من تحت الأنقاض، ومقاومة محاولات التهجير واقتلاع الهوية.
2. في مخيمات الشتات والمنافي: يواصل الاتحاد قيادة المعركة ضد محاولات تصفية وكالة “الأونروا”، باعتبارها الشاهد الدولي على قضية اللاجئين، متمسكاً بـ “حق العودة” كحق غير قابل للتصرف، رافضاً مشاريع التوطين أو التهجير القسري للاجئين.
3. النضال الرقمي والعالمي: نجح الاتحاد في ربط الماضي بالحاضر عبر أدوات العصر؛ فاستخدم وسائل التواصل الاجتماعي والتشبيك مع المنظمات الشبابية اليسارية والتقدمية حول العالم (مثل اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي – وفدي) لنقل السردية الفلسطينية، ومقاطعة الاحتلال أكاديمياً واقتصادياً (BDS).
إن تجربة اتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني «أشد» تثبت أن الوعي الشبابي الفلسطيني ليس ترفاً فكرياً، بل هو خط الدفاع الأول عن القضية. وفي ذكرى تأسيسه، يؤكد الاتحاد أن الوفاء للشهداء والجرحى والأسرى يكمن في استمرار صهر طاقات الشباب في بوتقة النضال الوطني والاجتماعي، حاملاً كتاباً بيد، ومتمسكاً بالحقوق الثابتة باليد الأخرى، حتى تحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

