كتب هاني المصري : أي انتخابات نريد؟

المسار : إذا صحت التوقعات وفق ما أفادت مصادر مطلعة، فإن الرئيس سيصدر اليوم مرسومًا يدعو إلى إجراء انتخابات تشريعية يوم السبت الموافق 28 تشرين الثاني على أن يحدد لاحقا موعد الانتخابات الرئاسية، مع زيادة نسبة تمثيل المرأة وخفض سن الانتخاب، وهذه أمور حميدة، و تعديلين رئيسيين: رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، وخفض نسبة الحسم إلى 1%. وقد تبدو هذه التعديلات تقنية، لكنها في الواقع ذات دلالات سياسية عميقة، إذ تؤدي إلى تعويم نتائج الانتخابات، وتغليب الطابع المحلي والشخصي على التنافس السياسي والبرامجي، خصوصًا مع استمرار اشتراط الولاء السياسي للترشح، بما يحد من التعددية ويحول المنافسة إلى صراع على المواقع والنفوذ والمصالح أكثر من كونها تنافسًا بين رؤى وبرامج، كما تزيد من تكاليف الانتخابات خصوصا عن المقارنة بين التكاليف الناجمة عن انتخابات متزامنة أو منفصلة، ولانتخاب 132 وليس 200.

ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه الدعوات لتأجيل الانتخابات إلى شهر آذار المقبل، حتى تتضح نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، وتتبلور طبيعة الحكومة الإسرائيلية القادمة، وتتضح مآلات التفاهم الأمريكي–الإيراني وانعكاساته على المنطقة. كما تتسع المطالبات من المجتمع المدني خصوصا المنظمات الحقوقية ومعظم الفصائل السياسية بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة، بل إن شخصيات وازنة في حركة فتح دعت إلى البدء بالانتخابات الرئاسية(وهذا يقتضي الاتفاق على مرشح في ظل عدم ترشح الرئيس محمود عباس نظرا لسنه) بعد حوار وطني يفضي إلى التوافق على خارطة طريق وطنية.

غير أن السؤال الحقيقي ليس: متى نجري الانتخابات؟ ولا حتى: هل نجريها أم لا؟ بل: أي انتخابات نريد؟ ولأي مشروع وطني ستخدم؟ وهل ستكون خطوة على طريق إنقاذ القضية الفلسطينية، أم أداة لإعادة إنتاج الأزمة وتكريسها في ظروف أكثر خطورة؟

فالقضية الفلسطينية تمر اليوم بمنعطف وجودي غير مسبوق. ففي ظل استمرار حرب الإبادة والتهجير، وتسارع الضم وفرض السيادة، ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني بكل مكوناته والإقليمي، لم تعد المسألة تتعلق بمستقبل السلطة أو الرئاسة أو المجلس التشريعي أو حتى منظمة التحرير فحسب، وإنما بمستقبل فلسطين نفسها: هل ستبقى قضية تحرر وطني لشعب يناضل من أجل تقرير مصيره، أم يجري اختزالها إلى قضية سكان يحتاجون إلى إدارة أو إدارات محلية تحت الاحتلال؟

المخاطر المطروحة لا تستهدف القيادة أو الحكومة أو السلطة أو المنظمة أو الفصائل أو المقاومة فقط، بل الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، ووحدة الشعب والأرض والقضية، والمكانة التمثيلية لمنظمة التحرير، وصولًا إلى وضع السلطة أمام خيارين أحلاهما مر: إما تحويلها أكثر وأكثر إلى إدارة مدنية محدودة الصلاحيات وظيفتها إدارة السكان تحت الاحتلال، أو تجاوزها واستبدالها بسلطات وإدارات محلية متناثرة أو تعميم تجربة لجنة التكنوقراط الخاضعة لما يسمى مجلس السلام والتي تجاوزت القيادة والسلطة والفصائل إلى الضفة.

لذلك، لا يمكن النظر إلى الانتخابات بمعزل عن السياق السياسي الذي تجرى فيه. فهي تأتي في لحظة تتداخل فيها أهداف الحرب مع مشاريع إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني والإقليم بأسره. ومن هنا، فإن معيار الحكم على هذه الانتخابات ليس مجرد نزاهتها أو موعدها، وإنما ما إذا كانت ستسهم في خدمة هذا المسار، أم ستكون جزءًا من استراتيجية وطنية لإفشاله ومواجهته.

كما أن التطورات الإقليمية الأخيرة والمتغيرات الدولية الناجمة عن انهيار النظام الدولي القديم وتقدم نظام تعددي قطبي بدلا عنه، تستدعي قراءة جديدة. فالمواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران لم تحقق، أهدافها المعلنة، وفتحت الباب أمام توازنات جديدة ما زالت قيد التشكل. وهذا يفرض على الفلسطينيين أن يحسنوا قراءة المتغيرات، وأن يبنوا سياساتهم على أساسها، بدل الارتهان لمعادلات إقليمية ودولية قد تكون أو هي فعلا في طريقها إلى التغيير.

من هنا، فإن الانتخابات ليست الحل ولا المدخل إلى الحل، بل يمكن أن تصبح جزءًا منه إذا سبقتها عملية سياسية ووطنية أعمق، تبدأ بحوار وطني مختلف عن التجارب والحوارات السابقة، حوار يركز على الاتفاق على رؤية وطنية جامعة تحدد طبيعة المرحلة، والأهداف الوطنية، والمبادئ والقيم الحاكمة، وأشكال النضال المناسبة، وأسس الشراكة الوطنية بعيدا عن المحاصصة الفصائلية، والاتفاق على برنامج الحد الأدنى الوطني القابل للتحقيق والذي لا يمس الهدف النهائي والحقوق الأساسية.

وقبل أي انتخابات، لا بد من الاتفاق على الثوابت المؤسسة للحياة السياسية الفلسطينية، على صياغة جديدة للميثاق الوطني تستجيب للحقائق الجديدة والخبرات المستفادة تناسب الوضع الحالي لا تمس بالحقوق الأساسية : وحدة القضية، ووحدة الشعب، ووحدة الأرض، والسردية التاريخية، وحق الشعب الفلسطيني في العودة و تقرير مصيره والعيش بحرية وكرامة، إضافة إلى الاتفاق على قواعد الشراكة الوطنية والديمقراطية التي تمنع الاحتكار والإقصاء والمحاصصة.

أما الذهاب إلى الانتخابات في ظل إعادة تشكيل الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي بكل مكوناته و استمرار الانقسام، وغياب القيادة الوطنية الموحدة، واستمرار التحضير الانفرادي، وفرض قيود على الترشح، وصياغة قواعد انتخابية تضمن نتائج محددة سلفًا، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. وحتى لو جاءت النتائج مخالفة للتوقعات، فإن الاحتلال يمتلك من الأدوات ما يمكنه من منع أو تعطيل الانتخابات أو مصادرة نتائجها، كما حدث بعد انتخابات عام 2006.

إن المطلوب ليس تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، ولا رفضها من حيث المبدأ، وإنما وضعها في مكانها الصحيح: وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية وتجديد الشرعيات وبناء المؤسسات وخدمة المشروع الوطني، لا غاية بحد ذاتها، ولا مدخلًا لإعادة إنتاج الانقسام أو تكريس الأمر الواقع بصورة أسوأ.

ما يزال الوقت متاحًا لتغيير المسار. فالحوار الوطني الجاد، القائم على الشراكة لا المحاصصة، وعلى الميثاق الوطني وبرنامج القواسم المشتركة لا التسويات المؤقتة، يمكن أن يفتح الطريق أمام بناء استراتيجية فلسطينية جديدة، قادرة على مواجهة التحديات، واستثمار الفرص، وتوحيد الطاقات الوطنية.

فالوقت يداهمنا، والدم الفلسطيني ينزف كل يوم، والتاريخ سيلعن كل من يضيع الفرصة للإنقاذ الوطني و لا ينتظر المترددين. وما زال بالإمكان وقف مسار التدمير الذاتي، إذا امتلك الفلسطينيون الإرادة السياسية للشروع فورا في حوار وطني جديد، يفضي إلى خارطة طريق موحدة، ويجعل من الانتخابات جزءًا من معركة التحرر الوطني، لا مجرد محطة في تكريس و إدارة الأزمة إن لم نقل الوصول إلى وضع أسوأ بكثير.

Share This Article