كتب اسماعيل الريماوي : غزة رهينة الحسابات الانتخابية الصهيونية ؟

المسار : تتزايد المؤشرات على أن استئناف الحرب في غزة لم يعد مجرد احتمال، بل خيارًا تتهيأ له حكومة الاحتلال كلما تعثرت مسارات التسوية أو اقتربت استحقاقاتها السياسية الداخلية، وفي المقابل، تبدو المقاومة متمسكة عمليًا بوقف إطلاق النار رغم الخروقات الإسرائيلية المتواصلة، في محاولة لتجنيب القطاع جولة جديدة من الحرب والدمار، الأمر الذي يضع حكومة بنيامين نتنياهو أمام اختبار حقيقي في تبرير أي عدوان جديد أمام العالم.

ولا يمكن فصل الحديث عن احتمال استئناف الحرب عن المشهد السياسي داخل إسرائيل، حيث يواجه نتنياهو ضغوطًا متزايدة داخل معسكر اليمين، في ظل تراجع مكانته في استطلاعات الرأي، وتصاعد المنافسة مع معارضة تبدو هذه المرة أكثر تنظيمًا وحزمًا، وتضم شخصيات سياسية وعسكرية وأمنية تمتلك القدرة على منافسته في أكثر الملفات حساسية لدى الناخب الإسرائيلي، وهو ملف الأمن، وفي مثل هذه الظروف، تتحول العمليات العسكرية إلى ورقة سياسية بامتياز، وتصبح “الإنجازات الأمنية” أسرع عملة انتخابية في السوق الإسرائيلي.
فعندما يضعف نتنياهو سياسيًا، يصبح التصعيد العسكري وسيلة لإعادة تشكيل المشهد الداخلي، وصرف الأنظار عن أزماته، واستعادة صورته باعتباره “رجل الأمن” القادر على قيادة إسرائيل في أوقات الحرب، وعندها لا تُقاس قيمة العملية العسكرية بمدى ضرورتها الأمنية، وإنما بقدرتها على تحسين موقعه الانتخابي، واستعادة الأصوات، وإرباك خصومه، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الدم الفلسطيني.
هذه ليست قراءة افتراضية أو نبوءة سياسية، بل نمط تكرر مرارًا في الحياة السياسية الإسرائيلية، حيث كانت الحروب والاغتيالات والتصعيد العسكري تتزامن في كثير من الأحيان مع الأزمات الحكومية أو المواسم الانتخابية، فيتحول الفلسطيني إلى الضحية الدائمة لصراعات السياسة الإسرائيلية الداخلية، بينما يدفع المدنيون في غزة ثمن معارك لا علاقة لهم بها.
لكن المفارقة أن إسرائيل، بعد أشهر طويلة من الحرب والإبادة والتجويع، لم تعد تواجه جيشًا نظاميًا أو مدنًا محصنة، بل شعبًا أنهكته الحرب والمجاعة، وخيامًا بالية تؤوي مئات آلاف النازحين، وواقعًا إنسانيًا بلغ حدود الكارثة، وعندما تتحول الحرب إلى استهداف لهذا الواقع المأساوي، فإنها تفقد أي ادعاء بالأهداف العسكرية، وتغدو تعبيرًا عن أزمة سياسية يعيشها قادة الاحتلال أكثر مما هي ضرورة أمنية.
ولذلك، فإن أي قرار باستئناف الحرب قد يمنح نتنياهو وقتًا إضافيًا للبقاء في السلطة، لكنه لن يمنح إسرائيل نصرًا سياسيًا أو عسكريًا أو أخلاقيًا، بل سيعمّق عزلتها الدولية، ويكرّس صورتها كدولة توظف القوة العسكرية لإدارة أزماتها الداخلية على حساب شعب أعزل، لتصبح كلفة استمرار الحرب أكبر بكثير من أي مكسب انتخابي أو سياسي مؤقت قد يطمح إليه قادة الاحتلال.
وإذا كانت إسرائيل تعتقد أن استئناف الحرب سيمنحها ما عجزت عن تحقيقه خلال أشهر طويلة من القتل والدمار، فإنها تتجاهل حقيقة أثبتتها الوقائع، وهي أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضًا بحجم الخسائر السياسية والأخلاقية التي تخلّفها، فغزة اليوم ليست ساحة معركة بقدر ما هي مأساة إنسانية مفتوحة؛ شعب منكوب ومحاصر، يعيش وسط الخيام المهترئة التي أصبحت أهدافًا لصواريخ أحد أقوى الجيوش وأكثرها سادية في العالم.
قد ينجح نتنياهو في تأجيل أزمته السياسية أو إطالة عمر حكومته لبعض الوقت، لكنه لن يستطيع تغيير حقيقة أن استمرار الحرب لن يصنع النصر الذي يبحث عنه، ولن يقضي على إرادة شعب يقاوم منذ عقود، وكل ما سيحققه هو إضافة فصل جديد إلى سجل طويل من الجرائم التي ستبقى تطارد إسرائيل سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا، بينما يثبت الفلسطيني، مرة أخرى، أنه يدفع بدمه ثمن صراعات السياسة الإسرائيلية، وثمن كل أزمة انتخابية يعيشها قادة الاحتلال.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظره المسار 

Share This Article