| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي INSS 19/7/2026
صفقة محركات وطائرات إف-35 لتركيا: تداعياتها على موازين القوى الإقليمية والعالمية
بقلم: د. يعقوب بانجو
مقدمة
تروج الإدارة الأمريكية الحالية لصفقة ضخمة تتجاوز قيمتها 700 مليون دولار لبيع محركات إف-110 لتركيا لمشروع طائرات كان. ورغم محاولات الإدارة تجاوز العقبات التشريعية، فإن هذه الخطوة ليست حدثًا معزولًا، بل هي محفز استراتيجي يهدف إلى تمهيد الطريق لعودة أنقرة الكاملة إلى برنامج إف-35. وبينما تسعى واشنطن، من خلال منطقها، إلى الحفاظ على تركيا كركيزة أساسية في حلف الناتو، فإنها في الواقع تخلق معضلة حادة وتطرح مثلثًا من المخاطر الجسيمة:
تقويض حلف الناتو من الداخل: تمكين جهة فاعلة تتنافس بقوة مع الحلفاء الغربيين (مثل اليونان) وترسيخ وجود عسكري متشدد في قبرص.
تأجيج التوترات الإقليمية: إضفاء الشرعية على قوة منافسة تؤوي حماس وتدعم نظام الشريعة في سوريا.
خطرٌ مُمنهج على شبكة طائرات إف-35 العالمية: يُهدد وضع تقنيات الجيل الخامس بالقرب من منظومات إس-400 الروسية أمن المعلومات للمنصة بأكملها. ولا يقتصر هذا التهديد على تقويض الميزة النسبية لإسرائيل وتعريض صناعاتها للخطر، بل يُشكل تهديدًا مباشرًا لكل دولة في العالم اقتنت طائرات إف-35، فضلًا عن المخاوف بشأن انتشار طائرات كان إلى جيوش أخرى في المنطقة السنية.
التسلسل الزمني ذو الصلة: تطور الأزمة والثقة
يعكس سلوك أنقرة في العقود الأخيرة تآكلًا منهجيًا للثقة مع الغرب، إلى جانب مناورات سياسية معقدة لتحقيق التفوق التكنولوجي:
تموز 2002: انضمت تركيا رسميًا كشريك في برنامج المقاتلة المشتركة لتطوير طائرات إف-35.
أيلول 2017: أعلن الرئيس أردوغان رسميًا شراء منظومة إس-400 من روسيا مقابل 2.5 مليار دولار، على الرغم من التحذيرات المتكررة من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من عدم توافقها مع بنية الحلف التحتية. لم تكن هذه الخطوة خطأً عابراً، بل ركيزة أساسية في استراتيجية تركيا لتحقيق استقلالها الأمني.
تموز 2019: بدأت أولى مكونات منظومة إس-400 بالوصول إلى تركيا؛ وفي رد حاسم، استبعدت الولايات المتحدة تركيا رسمياً من برنامج إف-35 وأوقفت تسليم الطائرات المصنعة لها.
كانون الأول 2020: فعّلت الولايات المتحدة قانون العقوبات (CAATSA) وفرضت عقوبات رسمية على الصناعات الدفاعية التركية (SSB).
2025-2026 – نقطة التحول: أثمر الضغط المكثف والنشاط المكثف من جانب أنقرة. أشارت إدارة ترامب إلى استعدادها لإعادة النظر في التكامل التكنولوجي معها. وكانت الموافقة على صفقة محركات إف-110 لطائرة كان بمثابة اختبار وحافز لتغيير النهج.
الوضع الراهن والحلول البديلة (صيف 2026): بالتزامن مع مساعي أنقرة لإيجاد إطار سياسي يحل أو يؤجل قضية منظومة إس-400، واجهت هذه الخطوة معارضة شديدة من الحزبين في الكونغرس. وقد عارض رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، جيم ريش، الصفقة علنًا، وأوضح أنه لن تتم الموافقة على أي صفقة أسلحة متطورة طالما أن أنقرة تمتلك المنظومة الروسية. وردًا على ذلك، أشارت الإدارة الأمريكية إلى نيتها استكشاف حلول دستورية بديلة لتحييد المعارضة في الكونغرس ودفع الصفقة قدمًا.
قضية القوة الجوية، وشبكة طائرات إف-35 العالمية، والتعرض التكنولوجي:
تجاوز عقبة إف-35 وبناء قوة متنوعة: يُمثل بيع محركات إف-110 حلاً استراتيجياً مؤقتاً لأنقرة؛ إذ يُتيح لها تحقيق قدرات متقدمة دون التخلي الفوري عن منظومة إس-400 الروسية. مع ذلك، من الضروري التأكيد على أن توريد المحركات وحده لا يُنشئ منصة كاملة من الجيل الخامس، ولكنه يُعد أحد أهم العوامل المُمكّنة للتقدم نحو هذه المنصة. لذا، يبقى الهدف الاستراتيجي النهائي لتركيا هو العودة الكاملة إلى برنامج إف-35. في الوقت نفسه، تُعزز تركيا قوتها على المدى القريب من خلال شراء ضخم يصل إلى 56 طائرة يوروفايتر تايفون من المملكة المتحدة وقطر وعُمان، مع تدريب طياريها في قطر.
تأثير كان وكسر الاحتكار الإقليمي: سيُمكّن التطوير الناجح لطائرة كان كمنصة من الجيل الخامس بمساعدة المحركات الأمريكية تركيا من أن تُصبح مُصدِّرة أسلحة تُغطي تكاليفها. قد تحصل دول مثل إندونيسيا (التي وقّعت بالفعل اتفاقية)، إلى جانب مصر والسعودية اللتين تُبدِيان اهتمامًا كبيرًا، على هذه الطائرات. بالنسبة لدولة إسرائيل، يُشكّل نشر قدرات التخفي لدى جهات فاعلة إضافية في المنطقة السنية “مشكلة” استراتيجية غير مسبوقة.
تعقيدات مسألة قانون التفوق العسكري النوعي: يتضمن قانون التفوق العسكري النوعي الأمريكي، الذي يُلزم إسرائيل بالحفاظ على تفوقها، ثغرةً مُتأصلة: فهو لم يُطبّق رسميًا على تركيا قط نظرًا لعضويتها في حلف الناتو. من شأن دمج تركيا في شبكات الجيل الخامس أن يُعزز هذه الميزة عمليًا، مما يُتيح لأي جهة عدوانية الوصول إلى بنى تحتية مشتركة للبيانات التكتيكية (عقدة ساحة المعركة المتصلة) وعقائد قتالية سرية، دون وجود أداة قانونية أمريكية بسيطة لإيقافها.
تهديد منظومة إس-400 وأمن المعلومات: يُعرّض تشغيل منصات الجيل الخامس بالقرب من منظومة إس-400 الروسية في تركيا (المجهزة برادار 91N6E بمدى كشف يصل إلى 600 كيلومتر، والذي تم اختباره بنجاح ضد طائرات إف-16) أمن معلومات الطائرة للخطر الشديد. وهذا يسمح نظريًا بكشف نقاط ضعف الطائرة الشبحية وبصمة رادارها وتسريبها مباشرةً إلى المخابرات الروسية. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة تهديدات رئيسية:
محور التسريب إلى القوى الشرقية: إن كشف المعلومات الاستخباراتية للأنظمة الروسية يفتح بابًا مباشرًا لتسريبها؛ فالطريق من موسكو إلى بكين قصير للغاية، ومثل هذا التسريب سيمنح الصين القدرة على كشف أسرار تقنيات التخفي الغربية.
محور التسريب إلى القوى الشرقية: إن كشف المعلومات الاستخباراتية للأنظمة الروسية يفتح بابًا مباشرًا لتمريرها؛ فالطريق من موسكو إلى بكين قصير للغاية، ومثل هذا التسريب سيمنح الصين أيضًا القدرة على كشف أسرار تقنيات التخفي الغربية.
تعقيم الميزة النسبية العالمية: إن اختراق أمن المعلومات وكشف البصمة الرادارية للطائرة يخلق خطرًا نظاميًا يعقم تمامًا الميزة النسبية لمنصات الجيل الخامس، ليس فقط للولايات المتحدة أو إسرائيل، ولكن لجميع الدول حول العالم التي جهزت نفسها بهذه المنصة.
كشف شبكات البيانات السرية والعقائد القتالية: يمنح دمج تركيا في نظام الجيل الخامس (5G) جهةً ذات طموحات مستقلة وعدوانية وصولاً مباشراً إلى البنى التحتية للبيانات التكتيكية المشتركة (عُقدة ساحة المعركة المتصلة). هذا النهج يُعرّض أنقرة لأكثر العقائد الحربية سرية، سواءً ضد دول الناتو أو ضد دول الشرق الأوسط.
كشف التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة: تندمج الصناعات الدفاعية الإسرائيلية في صميم سلسلة توريد طائرات إف-35 (إنتاج الأجنحة من قِبل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، وخوذات الطيارين من قِبل شركة إلبيت سيستمز). يُعرّض إعادة دمج تركيا الملكية الفكرية والتقنيات الإسرائيلية، المعرضة بشكل خاص للتسريب إلى أيدي جهات معادية، في بيئة تُعمّق فيها أنقرة تعاونها المناهض للغرب.
السياق الجيوسياسي الأوسع: تركيا كقوة إقليمية منافسة
يجب دراسة تسلّح تركيا بسلاح حاسم من منظور الاستراتيجية التركية الأوسع: السعي المستقل للهيمنة الإقليمية، مع توسيع نطاق النفوذ في مواجهة النظام الغربي والتحالفات الإقليمية. من الضروري التوضيح: حتى لو تم التوصل إلى صيغة سياسية لحل أو احتواء قضية منظومة إس-400 بموافقة أمريكية، فهذا لا يُبرر تهدئة الوضع بالنسبة لإسرائيل أو اليونان. فالتهديد الأساسي لا يقتصر على الجانب التكنولوجي فحسب، بل يكمن في نوايا أنقرة وتطلعاتها لتغيير موازين القوى.
الخلاف بين السياسيين والمهنيين في واشنطن: يكشف مسعى تسليح تركيا عن تعقيد داخلي في النظام الحكومي الأمريكي. لا يتعلق الأمر بخلاف بين مجموعتين متكافئتين، بل بقيادة واضحة من الرئيس ترامب والسلطة التنفيذية، اللذين يتبنيان نهجًا براغماتيًا تجاه أردوغان، وينظران إليه كلاعب إيجابي ومؤثر حافظ على حياده في النزاعات الإقليمية. من جهة أخرى، يدرس المستوى المهني في وزارة الخارجية، بالتعاون مع شخصيات سياسية بارزة، مثل رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيم ريش، هذه الخطوة بقلق وريبة خشية تصعيد تنافسي وتشديد قوانين العقوبات (قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات).
غياب ضبط النفس الإقليمي والانتهازية الاستراتيجية: لا تتردد أنقرة في استخدام قوتها العسكرية وموقعها لتحدي شركائها الغربيين المجاورين. وأحدث مثال على ذلك كان في شمال قبرص: فبعد تعزيز القوات الغربية في الجزيرة (من اليونان وفرنسا وألمانيا ردًا على هجمات الطائرات الإيرانية المسيرة)، استغلت تركيا التصعيد لنشر طائرات إف-16 بشكل غير معتاد وإقامة موطئ قدم عملياتي هناك. وتُعدّ هذه الخطوة، التي تُعرف بـ”التعوّد” أو استغلال الفرصة، استعراضًا لقدرات أنقرة، يُضاف إلى تشغيل قاعدة طائرات مسيرة دائمة على الأراضي القبرصية. وتُشكّل هذه البنية التحتية، ذات القوة الجوية المتنوعة، موقعًا متقدمًا يسمح لأنقرة بانتهاك السيادة، وبسط نفوذها، وتقويض الوضع العملياتي الراهن في البحر الأبيض المتوسط والاتحاد الأوروبي برمته.
الدعم الفعال للمحور الإسلامي الراديكالي وبسط النفوذ تجاه إسرائيل: تُقدّم أنقرة دعمًا علنيًا وعمليًا وسياسيًا لحركة حماس، بل إنها مُدمجة في “مجلس السلام” لإدارة قطاع غزة. في الوقت نفسه، تحافظ تركيا على انخراط عسكري عميق في سوريا، وتسعى إلى ترسيخ وجود القوى الإسلامية في المنطقة، وتقدم دعمًا معلنًا لنظام الشريعة. هذا الخطاب العدائي يتغلغل في أعلى مستويات القيادة، لكن الخطر الرئيسي في أي صراع مع إسرائيل ليس عسكريًا مباشرًا؛ فتركيا تمتلك بالفعل جيشًا بريًا ضخمًا وبحرية قوية. يكمن القلق الحقيقي في أن سلاح الجو التركي المُطوّر إلى الجيل الخامس سيمنح جماعة أردوغان جرأة مفرطة، ما سيترجم إلى سلوك أكثر عدوانية وقوة في المجالين البحري والجوي بهدف موازنة إسرائيل واحتوائها والحد من حرية تحركها في المنطقة.
محور التقارب العربي كآلية توازن إقليمية: لم تعد أهمية تركيا كلاعب إقليمي مؤثر تقتصر على علاقاتها الودية التقليدية مع قطر، بل على تحول جيوسياسي أوسع نطاقًا: عمليات التطبيع والتقارب السياسي والاقتصادي المتسارع مع مصر والسعودية. يوضح هذا المحور الناشئ كيف تعيد أنقرة تموضعها كركيزة أساسية في قلب العالم العربي والإسلامي. على المدى البعيد، لا يُعدّ تعميق التعاون بين تركيا وهذه القوى السنية مجرد أداة لتوسيع النفوذ التركي، بل يُنشئ أيضاً آلية قوة مشتركة تهدف إلى موازنة، بل وكبح، حرية العمل الاستراتيجية وسيادة دولة إسرائيل في المنطقة.
التطلعات إلى ترسيخ مكانتها كقوة مستقلة على الساحة الدولية: لم تعد السياسة الخارجية لأردوغان تطمح إلى الاندماج الكامل في الغرب، بل إلى وضع تركيا كقوة مستقلة. وبذلك، لا ترى تركيا نفسها تابعة أو مقيدة بمصالح التحالف الغربي، بل تنتهج سياسة خارجية نفعية وعملية، مع توجيه أنظارها باستمرار نحو موسكو ومحاور بديلة.
الخلاصة
لا يرتكز الموقف الإسرائيلي على ضرورة الحفاظ على التفوق التكنولوجي ومنع تسريب الملكية الفكرية لصناعاته العسكرية فحسب، بل على اعتبار إسرائيل جزءًا لا يتجزأ من الأمن المعلوماتي القومي الأمريكي في مواجهة القوى الشرقية. ويُعدّ منع تعزيز مكانة أنقرة، التي تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة مستقلة وركيزة للمحور السني المتنامي، الشرط الأساسي لمنع سباق تسلح إقليمي والحفاظ على استقرار منظومة الأمن العالمي برمتها.
ويُفضي تحليل صفقة المحركات إلى استنتاج مفاده أن جذر التهديد الذي يُمثله تسليح تركيا ليس تكنولوجيًا فحسب، بل جيوسياسيًا أيضًا. ولذلك، حتى لو توصلت واشنطن وأنقرة إلى صيغة تُنهي أو تُعلّق مؤقتًا قضية منظومة إس-400، فلن تتمكن إسرائيل وحلفاؤها في الناتو من تهدئة مخاوفهم. إنّ تحديث القوات الجوية التركية إلى الجيل الخامس – سواءً من خلال مشروع “كان” أو العودة مستقبلاً إلى شبكة طائرات “إف-35” – سيمنح جماعة أردوغان جرأةً وعدوانيةً مفرطتين، موجهتين مباشرةً نحو تقليص حرية عمل الجيش الإسرائيلي وقدرته على الردع في المجالين البحري والجوي.
*د. يعقوب بانجو باحثٌ أول في معهد بحوث الأمن القومي، وعقيد متقاعد شغل آخر منصب له كرئيسٍ لمديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي.
——————————————
هآرتس 19/7/2026
الولايات المتحدة تستعد لتوسيع القتال في ايران وإسرائيل قد تنجر اليه
بقلم: عاموس هرئيلِ
بعد أسابيع من التصعيد التدريجي تزداد المؤشرات على ان الحرب بين الولايات المتحدة وايران على وشك التصاعد والتوسع. حتى الان يبدو ان الدولتين لا ترغبان في اقحام إسرائيل في المواجهة الجديدة في الخليج. مع ذلك قد يبدو هذا هو المآل الذي ستؤول اليه الأمور، اما عدم إمكانية احتواء الصراع العسكري في الخليج، أو لاعتبارات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو التي تنبع في معظمها من وضعه المتردي في الساحة السياسية.
الحقيقة هي انه باستثناء انتصار امريكي واضح على ايران، وهو الامر غير الوارد حاليا، لا تملك إسرائيل الكثير لتكسبه من حرب طويلة وواسعة النطاق. فالولايات المتحدة ليست بحاجة اليها في الوقت الحالي، ويبدو ان ايران مترددة في اقحام إسرائيل، لان النظام في طهران لا يبدو انه يهتم بمواجهة شاملة، تعتبر فيها إسرائيل طرف غير متوقع.
مع ذلك، باستثناء تكرار الشعارات الفارغة، لا تقدم الحكومة أي تفسير للجمهور الإسرائيلي رغم الدعوات الحربية التي تسمع في خضم الحملة الانتخابية. وقد فعلت ذلك في السابق عندما تقرر في شباط العودة الى حملة ثانية ضد ايران، عندما ظهر في الشهر الماضي بان الحرب قد انتهت بدون تحقيق أي هدف من الأهداف المعلنة – اسقاط النظام وتدمير المشروع النووي والصاروخي.
تشمل المؤشرات المتراكمة على نية الولايات المتحدة تصعيد الحرب التصريحات القوية، بل التحريضية، للرئيس دونالد ترامب، والهجمات على اهداف البنى التحتية والتهديد بالحاق الضرر بمواقع مرتبطة بقطاع الطاقة، واعادة عشرات طائرات التزود بالوقود الى إسرائيل، التي سيتم نشرها هذه المرة في قواعد جوية وليس في مطار بن غوريون، وتحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الامريكية في واشنطن للامريكيين بشان السفر الى إسرائيل ودول المنطقة.
امس اعلن الجيش الأمريكي عن قتل جنديين في هجوم لإيران على قاعدة في الأردن. أيضا تتخذ ايران خطوات تصعيد تشمل اطلاق النار على عدد من الدول في المنطقة (حتى السعودية تعرضت لهجوم بعد هدوء استمر أربعة اشهر)، والتنسيق مع الحوثيين في اليمن حول تعطيل الملاحة في باب المندب.
خطوة ايران الرئيسية الكامنة وراء التصعيد الحالي هي اطلاق النار على السفن التي عبرت مضيق هرمز في المسار الجنوبي الذي يمر قرب شواطيء عُمان. والدوافع وراء ذلك تبدو متناقضة بدرجة ما. فمن جهة، تشعر القيادة في طهران بثقة كبيرة بالنفس بعد ان خضع ترامب ووافق على جزء كبير من طلباتها في مذكرة التفاهم التي وقعت في الشهر الماضي. ومن جهة أخرى، تعاني ايران من ضغط اقتصادي شديد وتسعى بجهد لتعزيز موقفها في المفاوضات خشية انهيارها وعجزها عن توفير الاحتياجات اليومية لسكانها. وفي مواجهة استفزازات ايران انجرت الولايات المتحدة للرد رغم تردد ترامب الواضع في استئناف الحرب.
نشر ارون ديفي ميلر، الذي شغل في السابق مناصب رفيعة في وزارة الخارجية الامريكية وعمل لسنوات كثيرة في الشرق الأوسط، تغريدة في “تويتر” في نهاية الأسبوع، اقتبس فيها اقوال الرئيس السابق لندن جونسون من فترة حرب فيتنام. ففي العام 1968، قريبا من أواخر ولايته الرئاسية، وبالتزامن مع قراره عدم الترشح لولاية ثانية، شبه جونسون وضعه بشان استمرار حرب فيتنام بشخص يبحث عن وسيلة نقل وسط عاصفة في تكساس: “لا استطيع الهرب ولا استطيع الاختباء ولا استطيع وقفها”.
وضع ترامب لا يختلف كثيرا. يؤدي استئناف الضربات في الخليج الى زيادة خطر ارتفاع أسعار الوقود في فصل الصيف، وقد يؤثر على فرصة الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني القادم. وربما ليس صدفة ان الرئيس بدأ يحضر الاعذار في صورة اتهامات مبكرة بالتزوير والتدخل الأجنبي في الانتخابات.
ما الذي تسعى أمريكا الى تحقيقه؟ التفسير السائد هو ان ترامب ببساطة، لا يملك أي خيار آخر في مواجهة العدوان الإيراني المتجدد في مضيق هرمز، وانه يسعى الى توجيه ضربة قوية للنظام في ايران من اجل اجباره على العودة الى طاولة المفاوضات واحياء مذكرة التفاهم، التي تبدو حاليا حبر على ورق. في الفترة الأخيرة طرح خبراء في ايران فرضية مختلفة، حيث زعموا ان تركيز الهجمات الامريكية على جنوب ايران قد يكون جزء من اعداد المنطقة لعملية برية في منطقة هرمز.
قد تشمل هذه العملية الاستيلاء على أراضي على طول الساحل الجنوبي تمهيدا للسيطرة على المضيق والقضاء على تواجد ايران فيه. هذا قد يشكل خلفية لقصف الجسور والسكك الحديدية والمطارات في المنطقة بهدف تعطيل قدرة ايران على نقل القوات الى مضيق هرمز. وفي نفس الوقت تم قصف قواعد عسكرية وبنى تحتية صاروخية وطائرات مسيرة ورادارات في جنوب ايران. وحسب خبراء في ايران فان الهدف قد لا يكون فقط هجوم عام على القدرات العسكرية، بل إزالة العقبات من امام عملية طموحة اكثر، رغم ان هذا يتناقض مع كل ما بثه ترامب في الأشهر الأخيرة.
الجبهة الداخلية
تراقب إسرائيل هذه التطورات حاليا مع اظهار تدخل محدود لها. مع ذلك، واضح ان التصعيد في الخليج قد يؤثر سلبا على الخطوة المنوي تنفيذها في القريب، وهي انسحاب الجيش الإسرائيلي من قرى جنوب لبنان ودخول الجيش اللبناني لمواجهة بنى حزب الله التحتية هناك. في هذه الاثناء يتصاعد التوتر بين الحكومة ورئيس الأركان، ايال زمير، حول قضية أخرى وهي مشاريع قوانين التهرب من الخدمة، التي يمررها الائتلاف لصالح الأحزاب الحريدية وناخبيها.
يتعرض زمير حاليا لهجوم شديد ومستمر عبر القنوات الدعائية التابعة للائتلاف الحاكم، وذلك بسبب تصميمه على رفع راية الخطر في ظل النقص الشديد في الكوادر القتالية في الجيش الإسرائيلي. في الواقع، الشخص الوحيد الذي يتعرض للهجوم الأشد هو رئيس الأركان السابق غادي ايزنكوت، الذي بدأ يتقدم على نتنياهو في الاستطلاعات. ويتوقع ان تشتعد الهجمات على زمير مع اقتراب موعد الانتخابات وتزايد الإحباط في حزب الليكود وبين الحريديين.
يجب النظر الى الضغط الذي استخدمه نتنياهو على جهاز الشباك في السابق، عندما طلب منه التحقيق في الادعاء بان القناة 12 كانت تعرف مسبقا موعد الهجوم الثاني في ايران في نهاية شباط الماضي. وقبل يومين نشر غيدي فايس في “هآرتس” تقرير عن النية المشبوهة لرئيس الجهاد دافيد زيني، التحقيق أولا مع المراسلين في هذه القضية. هذا ليس بالصدفة. فنتنياهو وشركاءه يحاولون تحقيق هدفين في نفس الوقت، الضغط على وسيلة الاعلام الاكثر نفوذا في إسرائيل عشية الانتخابات، وفي نفس الوقت نشر ادعاءات تآمرية حول الجيش الإسرائيلي بتهمة تسريب امني حساس.
——————————————
إسرائيل اليوم 19/7/2026
إسرائيل وتركيا محور الصدام
بقلم: ايال زيسر
في أعقاب كارثة 7 أكتوبر انهارت منظومة العلاقات بين إسرائيل وبين تركيا لدرجة ان هناك من يعتقد انها غير قابلة للإصلاح. في الأشهر الأخيرة تزايد التخوف من أن يتدهور العداء والخصومة بيننا وبين الاتراك الى مواجهة عسكرية مفتوحة. هذا التخوف وجد تعبيره في اقوال قالها الرئيس ترامب، وبموجبها كانت تركيا توشك أن تفتح حربا ضد إسرائيل في اثناء المواجهة مع ايران، وفقط بفضل تدخله مُنع الامر.
صحيح أن تصريحات ترامب لا ينبغي أن تؤخذ بجدية – ففي الغالب لا تكون صلة بينها وبين الواقع – ومع ذلك، يبدو أن أحدا ما وجهه او حذره من التوتر المتصاعد في علاقات أنقرة والقدس. عمليا، حتى نتنياهو نفسه اشتكى لدى ترامب على اردوغان، وحاول أن يقنع الرئيس الأمريكي الا يبيع الاتراك الطائرة المتخفية الجديدة. غير أن السطر الأخير لترامب كان ان اردوغان هو صديق عزيز وحليف فيما انزل نتنياهو الى درجة فتى ارساليات كل مهمته هي أن ينفذ ما يأمره الزعيم ترامب ان يفعله.
لقد كانت تركيا هي الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بدولة إسرائيل منذ العام 1949، لكن منذئذ شهدت العلاقات بين الدولتين صعودا، لكنها شهدت هبوطا أيضا. لسنوات عديدة كانت العلاقات في جمود عميق بسبب تخوف أنقرة من الدول العربية. لكن في أواخر الخمسينيات ارتبطت بإسرائيل، ايران واثيوبيا واقامت معهم حلفا محيطا في مواجهة مصر ناصر. مسيرة السلام التي بدأت في منطقتنا في بداية التسعينيات أدت الى انفتاح وازدهار غير مسبوقين في علاقات الدولتين، والى تعاون اقتصادي، سياسي وامني أساسا أيضا. ومثلما في حالة ايران في حينه – إسرائيل، في قصر نظر خطير، ساعدت على تطوير أجهزة الامن والصناعة العسكرية التركية. ليس فقط في كل ما يتعلق بالطابع العلماني للدولة بل وأيضا واساسا في مجال العلاقات الخارجية، والنظرة الى أوروبا تحل محلها النظرة الى العالم العربي والإسلامي. وهكذا ترتبط تركيا بقطر، بالاخوان المسلمين وبحماس، ويستخدم العداء لإسرائيل كمعول يعمل على الدفع قدما بمكانتها في العالم العربي والإسلامي.
ومع ذلك، حتى بعد أن استولى اردوغان على الحكم في تركيا تواصلت العلاقات بين الدولتين واساسا في المجال الاقتصادي. هذا – حتى 7 أكتوبر، الذي في اعقابه وقفت تركيا بالاقوال وبالافعال الى جانب حماس وادت الى قطيعة مطلقة بين الدولتين بما انه تواصل السفارة التركية عملها في تل ابيب. في اعقاب سيطرة احمد الشرع على سوريا، ربيب تركيا، تلقت أنقرة موطىء قدم في هذه الدولة، وعمليا حلت محل ايران كسيدة فيها. عمق الامر التخوف في القدس من أن تتحول سوريا الى ساحة مواجهة، بل وعلم باحداث تكاد تكون قتالية بين طائرات تركية وإسرائيلية. ومع ذلك، بوساطة أذربيجان أقيم خط ساخن بين سلاحي جو إسرائيل وتركيا الذي يعمل على منع احداث في سماء سوريا.
وفي السطر الأخير، تسعى أنقرة لان تقود المنطقة وتزعجها في ذلك ايران الشيعية – التي وصفها اردوغان كالتهديد الأساس الذي تقف امامه تركيا – لكن إسرائيل أيضا.
اردوغان هو ثرثار لا يكل ولا يمل. لكن عندما يدور الحديث عن استخدام القوة – فلا يوجد من هو اكثر حذرا منه. وعليه فان المواجهة بين إسرائيل وتركيا ليست حتمية. فالدولتان هما حليفتان قريبتان للولايات المتحدة وتجلسان على طاولتها، وعليه فان التوتر مع تركيا يمكن احتواؤه. يجب الاحتفاظ على الكرامة الوطنية وعلى المصالح الإسرائيلية أيضا، لكن هذا كجزء من خطوة سياسية، إقليمية ودولة مع دول عربية، مثلا، تخشى من تركيا.
غير انه لهذا الغرض هناك حاجة لرؤيا ولاستراتيجية كبرى لإسرائيل، الامر الذي لا يقف على ما يبدو في سلم الأولويات لمن ينشغل حتى الرأس في البقاء السياسي. ان اصلاح العلاقات مع تركيا ممكن لكنه سيستغرق وقتا وعلى ما يبدو سينتظر أياما افضل في انقرة وفي القدس.
——————————————
هآرتس 19/7/2026
التهديد الإيراني بـ “حرب البحار” كفيل بان يدفع قدما بجهود الوساطة
بقلم: تسفي برئيل
بعد ثمانية أيام من القصف الكثيف وتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وايران، وبين ايران وجيرانها، يبقى السؤال الأهم وهو أين يوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه الحملة؟ حسب ترامب والمتحدثون باسمه فان الهجوم يهدف الى اجبار ايران على العودة الى طاولة المفاوضات، وبالتالي، تقليص قدرتها على منع حرية الملاحة في مضيق هرمز.
أما تفسير ايران فهو أوسع. فحسب محللين وأعضاء في البرلمان ومتحدثين باسم النظام، تهدف الولايات المتحدة الى السيطرة على جزر في الخليج الفارسي، وربما حتى على جزء من الشاطيء الجنوبي المطل على المضيق، في حين تهدف الهجمات على اهداف مدنية مثل الجسور ومحطات توليد الطاقة الى اثارة اضطرابات مدنية تؤدي الى انهيار النظام. وتسعى باكستان وقطر ومصر والعراق الى تضييق الفجوة بين وجهات النظر من خلال تبادل اقتراحات بشان ترتيبات الملاحة “بروحية مذكرة التفاهم”، مع ادخال تعديلات تسمح بالعودة الى طاولة المفاوضات، وآثار الهجمات الامريكية أصبحت ملموسة، خاصة في محافظات الجنوب. ففي كل ارجاء ايران يطلب من السكان ترشيد استهلاك الكهرباء التي انقطعت عن آلاف البيوت، وفي عدد من المدن تضررت شبكة المياه ومحطات توليد الطاقة وخط الضغط العالي، وتوقفت حركة النقل في الكثير من مفترقات الطرق التي استهدفت في القصف، ويقدر خبراء الهندسة التابعين للنظام والذين قيموا حجم الاضرار، ان إعادة الاعمار قد تستغرق 3 اشهر الى 3 سنوات. في غضون ذلك تبذل جهود لبناء جسور مؤقتة وإصلاح محطات توليد الطاقة التي تضررت.
نطاق الهجمات توسع أيضا وشمل محافظة بلوشستان، ولأول مرة محافظة يزد، التي تبعد حوالي 650 كيلومتر عن مدينة بندر عباس الساحلية المهمة. مع ذلك، لم تصل هذه الهجمات حتى الان الى “أبواب الجحيم” التي وعد ترامب بفتحها في هذا الأسبوع. لم تتضرر مواقع الحفر ومصافي النفط ومحطات انابيب النفط الرئيسية حتى الان، ومحطات توليد الطاقة الرئيسية، ومحطات تحلية المياه وخزانات المياه.
أيضا وسعت ايران نطاق هجماتها. فقد استهدفت محطات تحلية المياه وقاعدة أمريكية في الكويت، للمرة الثانية خلال يومين، وقواعد أمريكية في الأردن والبحرين، واطلقت صواريخ على قاعدة تابعة لحركة كومالا الكردية السرية، قرب السليمانية في إقليم كردستان العراق. وأعلنت لأول مرة عن مهاجمة قاعدة التنف في سوريا، حيث كانت تتركز القوات الامريكية حتى شهر شباط الماضي، الامر الذي نفته سوريا.
لا يقتصر الامر على تصعيد نسبي للرد على الهجمات الامريكية، بل يتعداه لتوسيع نطاق دائرة الرسائل لتشمل المزيد من الجهات التهديدية. ان مهاجمة محطات تحلية المياه التي تؤمن 70 – 90 في المئة من استهلاك المياه في دول الخليج، ترفع مستوى التهديد الى مستوى جديد واكثر خطرا بكثير من اطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية أو المطارات والفنادق. هو يضعضع أسس الحياة. صحيح ان هذه الدول انشات خزانات مياه ضخمة تحتوي على ملايين الأمتار المكعبة من المياه الصالحة للشرب، وبعضها يشغل تقنية انتاج الغيوم المطرية الاصطناعية ويستخدم مرافق إعادة تدوير المياه للزراعة. ولكن حتى لو امكن حل مشكلة امدادات مياه الشرب باستخدام صهاريج المياه (مثلما حدث بالفعل) فان هذا هجوم استراتيجي سيقوض نسيج الحياة بشكل خطير.
في سيناريو متطرف، لكن ليس بعيد عن الواقع، قد يؤدي تدمير البنى التحتية للمياه الى خلق ضغط مدني كبير على الأنظمة – على شاكلة الضغط الذي تسعى أمريكا الى فرضه على ايران اذا قررت تدمير البنى التحتية للمياه والطاقة. مع ذلك، مقارنة مع دول الخليج، تمتلك ايران خبرة في إدارة ازمة المياه بعد سنوات الجفاف الأخيرة التي أدت الى جفاف جزء كبير من خزانات المياه والسدود. وقد تعلمت بالفعل تشغيل نظام بديل لتزويد المياه بكفاءة عالية. أيضا قامت ايران بتوزيع شبكات امداد المياه لديها، ولديها مصادر مياه طبيعية تغذي خزانات المياه في المناطق النائية. وتوفر انابيب المياه المحلاة من بحر قزوين جزء من استهلاك المياه في شمال ووسط البلاد. وتوقع لنصر سريع لإيران في “حرب المياه”، من الأفضل عدم الرهان على قدرتها على الصمود امام دول الخليج.
لا تكتفي ايران بتوجيه “رسائل استراتيجية” فقط، مثل الحاق الضرر بمحطات تحلية المياه في الكويت. وكان الإعلان عن الهجوم في سوريا، حتى لو لم يكن فعلي، يهدف الى تحذير الرئيس السوري احمد الشرع من التدخل في الحرب ضد حزب الله. وفي يوم الخميس أعلنت السلطات في سوريا عن ضبط شحنة سلاح ووسائل قتالية، بينها صواريخ كانت قد مرت عبر العراق متجهة الى حزب الله.
لم تكشف تفاصيل العملية أو مصدر المعلومات التي وصلت الى سوريا. ولكن الهدف من هذا المنشور البارز هو توضيح موقف دمشق. فمع ان سوريا لا تنوي المشاركة الفعالة في الحرب ضد حزب الله في لبنان – كما اكد الشرع بشدة بعد ان أوصى ترامب سوريا بذلك – الا انها شريكة فاعلة في هذه الجبهة، وهذا ليس الاستعراض الوحيد للقوة الذي يظهره الشرع ضد حزب الله. فقد انتشرت القوات السورية على طول الحدود مع لبنان منذ اشهر، وتم التوصل الى تفاهمات متينة بين النظام وحكومة لبنان حول التعاون على اغلاق الحدود امام مرور المهربين، لا سيما مهربي السلاح والذخيرة الموجهة لحزب الله. من ناحية ايران يعتبر الشرع بالفعل شريك للولايات المتحدة وإسرائيل، وبالتالي، هو عدو يجب ردعه.
كان الهجوم على القاعدة الكردية اقل رمزية من الهجوم في سوريا الذي تسبب بقتل ثمانية اكراد على الأقل. هذه هي المرة الثالثة في غضون الأسبوعين الأخيرين التي تهاجم فيها ايران قواعد الناشطين الاكراد بالصواريخ والمسيرات، وسط تقارير غير مؤكدة تفيد بتجديد خطة نشر القوات الكردية على الأراضي الإيرانية. وهكذا، في حين تدير طهران في حملتها الرئيسية في الخليج الفارسي “معادلة تصعيد”، حيث يستخدم الهجوم على بعض دول الخليج كاداة ضغط على الولايات المتحدة، فانها تسعى في الساحة الداخلية الإيرانية الى حرب حاسمة لافشال أي أطماع إقليمية قد تمتد الى مناطق أخرى.
يكشف التوازن بين نشاطات الجيش الأمريكي وردود ايران الاختلاف الجوهري في فهم التهديد في كل طرف، الذي يستمد منه كل طرف هامش المناورة والمرونة المتاحة له. فبالنسبة لترامب والولايات المتحدة لا تعتبر هذه حرب لفتح مضيق هرمز، بل السيطرة عليه. انها حملة مبررة وضرورية يتوقف عليها مستقبل حرية الملاحة في الخليج. مع ذلك، وافق ترامب في مذكرة التفاهم التي وقع عليها قبل شهر، على ان تناقش ايران وسلطنة عمان ودول الخليج ترتيبات الملاحظة في المضيق. وهذا يعتبر اعتراف فعلي بالوضع الخاص لإيران فيما يتعلق بالمضيق.
اما بالنسبة لإيران فان مضيق هرمز ليس قضية فقط تتعلق بالاعتراف بسيادتها، أو رمز لـ “انتصارها” في الحرب، بل هو الركيزة الوحيدة التي تملكها للتفاوض على رفع العقوبات والسعي الى إعادة تاهيل اقتصادها. ان السيطرة على مضيق هرمز هي الضمانة الوحيدة الملموسة التي تضمن وفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها على المدى البعيد. بالنسبة لإيران التخلي عن مضيق هرمز لن يكون مجرد “جريمة وطنية” و”استسلام للامبريالية”، بل هو أيضا بمثابة ترخيص لاسقاط النظام والدولة. وحسب هذا التعريف فان الصراع على مضيق هرمز هو حرب بقاء. وربما تكون الطريقة الوحيدة لوقف مراحل التصعيد القادمة هي العودة الى مذكرة التفاهم وتنفيذها وفقا لتفسير ايران.
——————————————
يديعوت احرونوت 19/7/2026
على طريق قيام دولة يهودا والسامرة
بقلم: د. ميخائيل ميلشتاين
“موسم المشمش” مصطلح شائع في العالم العربي لوصف حالة الهياج التي تجتاح الفاعلين السياسيين عندما يدركون أن الحكومة التي ينتمون إليها على وشك الانتهاء. حينها يبدأ استيلاء محموم على الأصول، يُذكّر بالحصاد السريع خلال موسم المشمش القصير. وقد شهدت الأسابيع القليلة الماضية “موسم مشمش” إسرائيلي، تجلى في حملة تشريعية مكثفة وموافقات سريعة على الميزانيات والتعيينات والمشاريع المصممة لضمان تغيير الواقع، حتى لو حدث تقيير سياسي عقب الانتخابات.
من أبرز الادعاءات التي يروج لها سموتريتش هي “الثورة” التي تهدف إلى تعزيز وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. ويزعم سموتريتش أن ذلك يعود إلى إمكانية حدوث تغيير سياسي، الأمر الذي يتطلب سرعة ترسيخ الواقع على الأرض. والسبب المعلن هو منع قيام دولة فلسطينية، لكن الدافع الحقيقي هو رؤية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقطاع الذي يمثله سموتريتش، وتجسد أهدافًا دينية لا يتبناها عامة الناس، وتتمثل أساسًا في شعور جماعي بالاقتراب من الخلاص والعيش في عصر المعجزات.
لا شك أن الخطاب الحاد الذي يتبناه “خاطفو المستوطنات” يثير قلقًا بالغًا في إسرائيل. وقد بدأ سموتريتش بالفعل في توجيه “تحذير استراتيجي” يسوده جو من التوتر، مفاده أن “الحكومة اليسارية التي ستُشكل بدعم من العرب” قد تعمل على تقليص نقاط الاستيطان التي أنشأتها “الحكومة الوطنية” و”إقامة دولة إرهابية في قلب إسرائيل”. قد يتحول كل هذا إلى إعلان عدم شرعية للحكومة المقبلة، لا سيما إذا قررت تقليص المزارع في الضفة الغربية، أو استئناف المفاوضات بشأن القضية الفلسطينية.
في هذا السياق، يُنصح كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية بتجنب الإدلاء بتصريحات حول الاختطافات الاستيطانية، وخاصة المزارع التي لا تستند إلى أي أساس قانوني، والحرص على عدم وصف أي تحرك قطاعي أو سياسي بأنه “إنجاز استراتيجي”. فقد يُشكل ذلك أساسًا لتحدٍّ حاد في سياق الامتثال للأوامر، إذا قررت الحكومة المقبلة “التراجع” عن هذا المشروع أو الحد منه. وانطلاقًا من دروس السابع من أكتوبر، ينبغي على من يُشيدون بمساهمة المزارع أن يُثيروا تساؤلات أو يُبدوا انصاتًا للمواقف التي تُعارض هذا القول القاطع.
يبدو أن إدراك صعوبة ترسيخ المشروع القطاعي في أذهان جميع الإسرائيليين يُقلق مُروّجيه. ولهذا الغرض، يسعون إلى تبرير تحركاتهم الحالية بمنطق يسهل على عامة الناس استيعابه: إذ يُزعم أنها تجسد درسًا بليغًا مستفادًا من أحداث 7 أكتوبر، وأنه “حيثما يوُجد الاستيطان، لا وجود للإرهاب”.
علاوة على ذلك، يعمل سموتريتش على محو الخط الأخضر وتنفيذ الضم حتى دون إعلان رسمي (خشية إغضاب ترامب، المعارض للفكرة)، وبالتالي ترسيخ صورة “طبيعية” للاستيطان في منطقة متنازع عليها بشدة محليًا ودوليًا. مع ذلك، يبدو أن الخرسانة والإسفلت والأموال عاجزة عن تغيير قناعات معظم الإسرائيليين، الذين يجدون صعوبة في اعتبار مشروع الاستيطان خارج الخط الأخضر مشروعًا مماثلًا لما كان عليه داخل حدود عام 1967، ولا سيما أنهم لا يزورون منطقة أصبحت في معظمها “أرضًا خارجة عن سيطرتهم”.
بالإضافة إلى ذلك، يسعى دعاة “ثورة يهودا والسامرة” إلى إبعاد “مشاكل ثانوية” عن النقاش العام، متمثلة في وجود ثلاثة ملايين فلسطيني وسلطة فلسطينية قائمة في المنطقة، واعدين بحلّ المسألة “بمعجزة” بعون الله، كتشجيع “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين. وفي خضم ذلك، يُظهرون تسامحًا مقلقًا تجاه تصاعد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية، الذي يُمثل عالمًا من القيم والثقافة يُقوّض سيادة القانون ويُسيء إلى صورة إسرائيل الدولية، وهو أمر لا يُثير اهتمام سموتريتش، الذي يسخر من الحظر البريطاني على دخول أراضيها ويرسل السعوديين “راكبين الجمال في الصحراء”.
ويكمن الاختبار الحقيقي لمصير الاستيطان في يهودا والسامرة، والذي سيُمثل أيضًا اختبارًا حاسمًا لمدى صحة قواعد اللعبة الديمقراطية في إسرائيل، في سيناريو تغيير الحكومة في الانتخابات، ما يسمح بإلغاء مشاريع الإدارة السابقة. إن التصريحات الصريحة الصادرة عن شخصيات سياسية بارزة، والتي تُلمّح إلى انعدام شرعية الحكومة المقبلة، وبالتالي نفي صحة قراراتها، لا سيما فيما يتعلق بالمستوطنات في الضفة الغربية، قد تُؤدي إلى انقسامٍ يُطغى على الانقسام الذي كان قائماً في إسرائيل عشية السابع من أكتوبر، والذي ازداد عمقاً – بدلاً من أن يلتئم – طوال سنوات الحرب.
يجب على الرأي العام أن يُبدي اهتماماً وقلقاً أكبر حيال إحدى القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل إسرائيل، والتي من المفترض أن تُبنى قراراتها على حوارٍ بنّاء، ومنهجٍ رصين، وحرية، إذ تُحسم الآن عبر مناورات سياسية وفرض رؤية أيديولوجية فئوية على البلاد بأكملها. بعبارة أخرى، تُسيطر الضفة الغربية على إسرائيل، في ظل تُغييّر تدريجي ودراماتيكي لصورتها الداخلية ومكانتها الخارجيةً. لذلك، من المستحسن أيضاً أن تكون قضية يهودا والسامرة ومستقبل العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين في صميم الخطاب الانتخابي، وأن يكون لدى الأحزاب المختلفة، وخاصة تلك المعارضة، أجندة واضحة ومقترحات للتعديل بدلاً من تجنب البيانات الواضحة بشكل منهجي (خوفاً من عزوف الناخبين)، أو تقديم نفس مواقف الحكومة الحالية عملياً.
——————————————
هآرتس 19/7/2026
ارض التماسيح التي يديرها بن غفير، الذي يتوق لرؤية دماء الفلسطينيين تتدفق
بقلم: جدعون ليفي
يقود ايتمار بن غفير إسرائيل الى مرحلة جديدة في تطورها: البربرية كسياسة معلنة وقانونية للدولة. وفي نفس الوقت يخرج وزير الامن الوطني السادية الى العلن. من الان فصاعدا لم تعد السادية حكرا على الشاذين، بل أصبحت جزء من التوجهات السياسية السائدة. بعد سنوات من إخفاء البربرية والسادية تجاه الفلسطينيين، والاشمئزاز منها ونفيها، بل واعتبارها استثناء، الان يبرزها بن غفير، وسط تصفيق البعض وصمت آخرين.
بصفته وزير يحرص على تخفيف حدة الأمور، في حكومة تعتبر القانون هو الهادي لها، مرر بن غفير فكرته المخيفة الأخيرة، وهي وضع تماسيح ضمن قوة مصلحة السجون، من خلال تمريره في كل المراحل القانونية المطلوبة. في الأنظمة التي يشغل فيها اشخاص مثل بن غفير مناصب وزارية، يمكن التستر على كل شيء بغطاء قانوني بحت. اعترضت المستشارة القانونية في وزارة البيئة على ذلك، لكن وزيرة البيئة عيديت سالمان، تمكنت من تغيير تصنيف التمساح الى “حيوان بري تتم تربيته لأغراض امنية”. هذا يعتبر اختراق مهم في سبيل تحقيق حلم صديقها في الحكومة، افتتاح أول سجن للتماسيح في إسرائيل. لقد أسس هرتسل الدولة اليهودية في بازل، وبن غفير اكمل بناءها في كتسيعوت.
لا فائدة من التحدث مع هؤلاء الأشخاص عن الإساءة الفظيعة للحيوانات التي ينطوي عليها هذا الامر، أو عن غباء تحويل التماسيح التي تنام ستة اشهر في السنة، الى حراس. لا توجد أي صلة بين سجن التماسيح الذي انشأه بن غفير وبين الامن، ولا احد يدعي وجود هذه الصلة. هذا استعراض آخر للشر لمجرد الشر، استعراض لاشباع احلك غرائز الجمهور من اخراج بن غفير. بعد عقوبة الإعدام للفلسطينيين، التي ستؤدي الى شنقهم في ساحات المدن وتنفيذ عمليات اعدام علنية، وربما ترك جثامينهم معلقة لمدة أسبوع من الاحتفال حتى تتعفن، ننتقل الى سجن التماسيح، حيث سيكون الإعدام اكثر اثارة وطولا.
الفكرة هي كالتالي، تخيلوا، اذا حاول سجين أو رهينة فلسطينية الهرب من معسكر التعذيب الذي رمي فيه، والذي قتل فيه اكثر من 100 من أصدقائه، فسيكون التمساح بانتظاره عند خروجه، وسيعرف كيف يتعامل معه. من يعرف، ربما تسجل الكاميرات الحدث ويتم بثه مباشرة في القناة 14. يأمل بن غفير وقيادة مصلحة السجون استمرار البحث عن الهارب لاطول فترة ممكنة، وان يشارك اكبر عدد ممكن من التماسيح في هذه المطاردة. بسبب ذلك قاموا بجولة استطلاع تمهيدية على طول السياج من اجل التعرف على عدد التماسيح.
سيجلب هذا نسبة مشاهدة عالية، جماعة تلو أخرى، قضمة تلو أخرى، سيبتلع الرهينة المسكين بين فكي التمساح الجبارين والمدربين على ذلك، وسيقطع الى أشلاء بأقوى فكين في العالم. ستشاهد إسرائيل هذا وستفرح، على الأقل جزء منها. وآخر سيقول، الذي لديه ضمير: “كان القتيل إرهابي”. هكذا سيقول آخر من لديهم ضمير لتعزية انفسهم وحتى لا تزعجهم ضمائرهم.
لا يوجد أي تبرير لهذه الفكرة المجنونة الا التعطش للدماء. ولو انه كان لها أي صلة بالمنطق أو الكفاءة أو الامن لكان سيتم تطبيقها في كل السجون، وليس في السجون المكتظة بالفلسطينيين فقط. ولكن بن غفير يريد رؤية دماء الفلسطينيين، حرفيا، بأم عينيه، ويريد ان نراها جميعنا، دماء طازجة، رخيصة، تتدفق مثل المياه وتمتص في جوف التمساح.
بن غفير ليس وحده. فوزيرة حماية البيئة، صاحبة الاسم الغريب لهذه العملية، تسانده. ووراء بن غفير تقف مصلحة السجون، حيث لم يغرد أي وينتقد الفكرة المريضة للوزير. في الغد سيأمر قوة متسادا بتنفيذ عملية الإعدام في السجون، وسينفذونها بالجملة. وبعد غد سيأمرهم ببتر الأطراف وهم سيفعلون ذلك. هم على وشك فعل ذلك بالفعل.
بالطبع، يمكن للمرء ان يعتبر كل ذلك نوع من الغموض المقلق، ولكنه ليس هكذا. فالى جانب عقوبة الإعدام ستحدد هذه التماسيح هويتنا كمجتمع وكدولة، أهلا بكم في ارض التماسيح التي يحكمها بن غفير.
——————————————
معاريف 19/7/2026
إسرائيل في حالة تأهب عالية بسبب احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وايران
بقلم: افي اشكنازي
توجد إسرائيل في حالة تأهب عالية بسبب احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وايران. من المهم أن نفهم ما الذي يحصل في الخليج العربي: ايران لا تعتزم، لا تريد ولا تستطيع أيضا التنازل عن مشروع تخصيب اليورانيوم، عن ترميم منظومة الصواريخ الباليستية وعن وكلائها – من لبنان وحتى اليمن. كما ان ايران فهمت بان لديها سلاحا ناجعا جدا – السيطرة على مضيق هرمز. وعليه فستكون الولايات المتحدة مطالبة بان تستخدم الكثير جدا من النار كي تغير السلوك الإيراني.
بالمقابل، صحيح حتى الان تعمل الولايات المتحدة بشكل محدود جدا. فهي تقدم علاجا لاعراض المرض – تهاجم في مجال هرمز وتضرب هوامش الصناعات القومية الإيرانية. فهي لا تهاجم في هذه المرحلة العاصمة طهران ولا تضرب مؤسسات الحكم والقيادة السياسية والعسكرية لإيران.
تحاول إسرائيل منذ بضعة أيام أن تضع نفسها كمراقب من الجانب. الحقيقة هي ان الأمريكيين أيضا يفضلون الان ان تقف إسرائيل الان جانبا لانهم يوجدون في هذه اللحظة في خطوة محددة ومقننة. وعليه فاذا لم يكن الإيرانيون أغبياء ولا يرتكبون خطأ اطلاق النار نحو أراضي إسرائيل، معقول الافتراض بان سلسلة الضربات بين الولايات المتحدة وايران ستتواصل لفترة زمنية أخرى.
يحتمل أن يرتفع مدى وشدة الهجمات قليلا. يحتمل أن يضرب الامريكيون الميناء في بندر عباس، الذي هو فقط الميناء المركزي والاكبر في ايران، بل ومركز القيادة البحرية للحرس الثوري أيضا. من هناك يدار الحصار الإيراني على مضيق هرمز. يحتمل أنه الى جانب ذلك سيهاجم الامريكيون محطات توليد طاقة وكهرباء، بضع منشآت نفط وغاز. كل هذا انطلاقا من الفهم بان تجلب الخطوة الإيرانيين الى طاولة المفاوضات التي في نهايتها يتنازلون عن النووي، عن السيطرة في مضيق هرمز وربما أيضا عن الوكلاء والصواريخ. وكما اسلفنا، يبدو أن هذا لن يحصل حقا. لكن لا يمكن ان نعرف.
تفتح إسرائيل عينها وتستعد للتدهور ليس فقط الى مواجهة مباشرة مع ايران بل وأيضا في ساحات مركزية أخرى بما فيها لبنان، سوريا وقطاع غزة. في القدس يلاحظون منذ فترة ان ايران تبذل جهدا لتعزيز وكلائها بهدف استئناف الطوق الخانق على إسرائيل. في هذه اللحظة يمنع الإيرانيون حزب الله من خرق وقف اطلاق النار في لبنان.
بالمقابل، يفترض بإسرائيل في الزمن القريب القادم أن تتخذ قرارات عملياتية بشأن الانفاق في سلسلة البوفور وسلسلة علي طاهر. حكومة لبنان هي الأخرى معنية بان تدمر “مدن اللجوء” هذه – وكذا كل البنى التحتية فوق الأرض لحزب الله.
وحسب التقديرات، حتى نهاية الشهر سيدمر الجيش الإسرائيلي مئات المباني ليصل بمدى التدمير الى نحو 100 في المئة من اجمالي المباني التي استخدمت كبنى تحتية إرهابية لحزب الله في جنوب لبنان في المجال الذي بين الحدود والخط الأصفر. يدور الحديث عن مدى نحو 70 في المئة من اجمالي المباني في مجال موضع الحديث.
صحيح حتى نهاية هذا الأسبوع ملأ الامريكيون المطارات العسكرية في الجنوب بطائرات شحن الوقود. هم ايضا يفهمون بان إسرائيل تراقب من الجانب في هذه اللحظة – وانها مكان آمن بما يكفي لحماية أصولها في المنطقة.
——————————————
يديعوت احرونوت 19/7/2026
ما تبقى من حملة الليكود الانتخابية هو الكراهية فقط
بقلم: افي يسخاروف
في كل دورة انتخابية سابقة ترشح فيها نتنياهو لرئاسة الوزراء، كان هو وأنصاره يجيدون الترويج لاثنين من أبرز القضايا: أولهما – نتنياهو “سيد الأمن”. فهو يعرف كيف يحارب الإرهاب، ويعرف كيف يتعامل مع إيران. بيبي “مستوى فوق الجميع”. أما القضية الثانية لنتنياهو فكانت، بطبيعة الحال، العلاقات مع الولايات المتحدة، وخاصة مع الرئيس دونالد ترامب في السنوات الأخيرة. وها هي قضايا نتنياهو الرئيسية تنهار قبل أشهر قليلة من الانتخابات.
سيظل “سيد الأمن” يحمل وصمة قابيل، باعتباره الشخص الذي قاد دولة إسرائيل إلى أكبر هزيمة عسكرية في تاريخها، كارثة 7 أكتوبر. هو من موّل حماس بنفسه وبقراراته السياسية، وهو من قاد سياسةً اعتبرت حماس ذخرا، بل هو من سمح لأحد مستشاريه بتقديم المشورة لقطر، الدولة الداعمة الرئيسية لجماعة الإخوان المسلمين وحماس، وهو من تجاهل التحذيرات المتكررة من قادة المؤسسة الأمنية بأن الانقلاب والانقسام الذي أحدثه في الرأي العام الإسرائيلي سيؤديان في نهاية المطاف إلى دفع أعداء إسرائيل إلى شن حرب ضدها.
لم يتوقف الفشل عند هذا الحد، فبالرغم من أن الحرب في غزة استمرت لأكثر من شهرين وتسعة أشهر، لم تتمكن إسرائيل من هزيمة حماس. بل على العكس، لم تنجُ الحركة من الحرب فحسب، بل لا تزال تسيطر على القطاع بقوة، وهذا أيضًا فشل سياسي ذريع، يفوق فشلها العسكري. لم يدرك نتنياهو وحكومته، بل ورفضوا، تحويل الإنجازات العسكرية في أطول حرب في تاريخ إسرائيل إلى إنجازات سياسية. سكان غزة تحت رحمة التنظيم، الذي يعزز قوته العسكرية تدريجياً ويستعد للجولة القادمة من الحرب. لا يزال بإمكان أنصار نتنياهو التباهي بين الحين والآخر بالقضاء على هذا أو ذاك من رجال النخبة، لكن الواقع الذي يواجه غزة هو نتاج سياسات محلية رخيصة. لطالما فضّل نتنياهو إبقاء حماس في السلطة على إمكانية إدخال قوى عربية وفلسطينية معتدلة (كما كشف نداف إيال في نهاية هذا الأسبوع في سياق مبادرة سعودية للتطبيع مع إسرائيل)، وذلك لمجرد مخاوفه على سلامة الائتلاف.
الوضع لا يختلف كثيراً على الجبهات الأخرى. حزب الله يعيد بناء نفسه في لبنان، دون عوائق تُذكر، رغم المبادرة السياسية مع لبنان والتي يُفترض أن تُحدث تغييراً، لكنه هذا هو تغيير نظري فق وليس أكثر. وماذا عن إيران؟ في هذه المرحلة، يمكننا الاعتراف بأننا خاضعون لأهواء الرئيس ترامب، الذي إن شاء، سيوقف الحرب في أي لحظة تناسبه، وإن لم يشأ، فستستمر الحرب، ولكن دون الإطاحة بالنظام ودون خروج اليورانيوم المخصب من إيران. ربما سيتم تخفيف تركيزه، وحتى هذا هو أمر مشكوك فيه.
وهنا نصل فعلياً إلى الفشل الثاني الكبير – تجاه الولايات المتحدة والرأي العام الأمريكي. الرئيس السابق رؤوفين ريفلين، المنتمي لحزب الليكود، كما هو معلوم، صرّح سابقاً بأن هناك ثلاثة أركان أساسية لمستقبل دولة إسرائيل: 1. العلاقات مع الولايات المتحدة. 2. العلاقات مع الولايات المتحدة. 3. العلاقات مع الولايات المتحدة. وهنا أيضاً يكمن الركن الأهم لدولة إسرائيل في المجالين السياسي والأمني، والذي نجح نتنياهو في تدميره وإضعافه. يكره مستشارو ترامب نتنياهو ويدعمون تحركات بالغة الأهمية في المنطقة دون استشارة إسرائيل. والأسوأ من ذلك، أن ما يحدث في الرأي العام الأمريكي هذه الأيام، وبالأخص في الحزب الديمقراطي، وللأسف أيضاً في الحزب الجمهوري، هو فشلٌ سيستغرق سنواتٍ طويلة، إن لم يكن أجيالاً، لتصحيحه.
لقد أصبح الرأي العام الأمريكي، الذي كان حتى سنواتٍ قليلةٍ فقط مؤيداً لإسرائيل في غالبيته، معادياً لها، وبالأخص لحكومة نتنياهو. ارتكبت إسرائيل كل خطأٍ ممكن في علاقاتها مع الإدارة الأمريكية، ولكن بشكلٍ رئيسي مع الرأي العام. لم يعد مرشحو الكونغرس من كلا الحزبين مجرد أصواتٍ ناقدة لإسرائيل، بل أصبحوا معادين لها بمستوياتٍ لم نشهدها من قبل. عمدة نيويورك ممداني ليس إلا مثالاً واحداً على ما يحدث هذه الأيام في الولايات المتحدة. أي شخص له أي صلة، مهما كانت، بالولايات المتحدة، بالاقتصاد، بالسياسة، بالإعلام، يعلم أن هذا ضرر غير مسبوق، ولا يزال من غير الواضح كيف سنخرج منه في السنوات القادمة، حتى بعد انتخابات 27 أكتوبر.
يكفي الاستماع إلى نائب الرئيس الأمريكي، والمتحدثين في أشهر البودكاستات الأمريكية، والشباب في الجامعات، لفهم اتجاه الرياح، والمأزق العميق الذي وضعنا فيه نتنياهو، وبن غفير، وسموتريتش، وأمثالهم. تُتهم إسرائيل في كل مكان بارتكاب إبادة جماعية، ولا يمكن لأي دعاية إسرائيلية، هي الأخرى غير موجودة أصلاً، أن تُخفي هذه الرواية.
فكيف يُمكن لأنصار نتنياهو الآن إخفاء حجم الإخفاقات؟ ببساطة – بـ”استراتيجية نتان إيشيل”. أي التحريض على الكراهية. أولاً، ضد العرب. مقاطع فيديو دعائية رديئة للغاية، تُنتجها شركة يوناتان أوريخ، مستشار قطر، مقابل شيكل وتسعين، تُهددنا مرارًا وتكرارًا بمنصور عباس، أحد أشجع الشخصيات في السياسة العربية المحلية، يتحدث عن إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية، ويدّعي أن على العرب أداء الخدمة الوطنية. هذا في حين يُقدم نتنياهو منحًا وإعفاءات للأحزاب الحريدية التي تسعى فقط للتهرب من الخدمة الوطنية أو العسكرية. ثانيًا، هناك كراهية تجاه وسائل الإعلام، والمحكمة العليا، والنائب العام، ورئيس الأركان، والأشكناز، والكيبوتسات، و”الهيمنة القديمة”، وغيرهم.
في ظل غياب الإنجازات، ونظرًا لأن نتنياهو لا يملك سوى الإخفاقات، فإن ما تبقى من حملة الليكود الانتخابية هذه الأيام هو الكراهية فقط.
——————————————
هآرتس 19/7/2026
هل تحتد الأزمة بين المستشارة القضائية و”الشاباك”؟
بقلم: أسرة التحرير
طلب رئيس الشاباك دافيد زيني من المستشارة القانونية للحكومة غالي بهاراف ميارا السماح له باستدعاء صحافيين في إطار التحقيق في زعم تسريب لأخبار 12 عن موعد الهجوم على إيران في نهاية شباط، يؤكد المخاوف التي كانت من تعيين زيني رئيساً لـ “الشاباك”.
التعيين، الذين نسج في لقاء في المقعد الخلفي لسيارة نتنياهو، بدأ يعطي ثماره المرغوب فيها. فماذا يساوي “الشاباك” إذا لم نسيطر على وسائل الإعلام من خلاله؟ ليس لزيني يد حرة ليقود “الشاباك” وفقاً لفكرة مهنية تأسيسية للجهاز. والدليل: بداية رفض زيني فتح تحقيق، لكن عندها غير موقفه وتوجه إلى بهراف ميارا بطلب الإذن بالتحقيق ضد شركة الأخبار.
بالنسبة لنتنياهو، الذي قاده هوسه بوسائل الإعلام إلى قفص الاتهام في محاكمة جنائية، بات يرى الصحافيين الحقيقيين والصحافة الحرة بمثابة عدو داخلي. مع السنين، كانت جهوده لتشويه عالم الإعلام مجدية، بداية مع “إسرائيل اليوم” (صوت بيبي) وبعدها القناة 14 التي ليس فيها حتى ولا مظهر الصحافة.
سمحت القناة 14 لنتنياهو بأن يحقق خياله عن صحافة كاملة الأوصاف وفق رؤيته. صحافة هو موضع تغطيتها الرئيس وهو محررها الرئيس عملياً
لقد سمحت القناة 14 لنتنياهو بأن يحقق خياله عن صحافة كاملة الأوصاف وفق رؤيته. صحافة هو موضع تغطيتها الرئيس وهو محررها الرئيس عملياً. أما باقي القنوات فيجب خصيها وعقرها، ومن أجل هذا يسره أن يعين رئيساً لـ “الشاباك” شخصاً قال إنه وافق على التعيين كرئيس لـ “الشاباك” لأنه أفضل من الآخرين في قدرته على أن يكون موالياً للمستوى المنتخب. هو حقاً أفضل من الآخرين في هذا.
كيفما دارت الأمور، لا يمكن أن نسقط من الوصف تسلسل الأحداث التي أدت بزيني بأن يطلب من بهراف ميارا استدعاء صحافيي أخبار 12، ودور “رجل الإعلام” يعقوب بردوغو. لقد طلب رئيس “الشاباك” التحقيق مع صحافيي أخبار 12 لأن بردوغو طلب. هذه هي الشهادة المخزية للغاية على العفن الذي تفشى في جهاز الأمن العام هذا، وللرائحة الكريهة التي تنم عن علاقة بين رئيسه والمتفرغين السياسيين التابعين لنتنياهو.
على بهراف ميارا أن ترفض رفضاً باتاً طلب زيني الخطير. بداية، عليها أن توضح له أنها لن تسمح بتسلل غير مسبوق لـ “الشاباك” إلى أحد المجالات الأكثر حساسية في الديمقراطية: حصانة مصادر الصحافيين. إذا أتيح لـ “الشاباك” بأن يحقق مع صحافيين بسبب نزوة لنتنياهو وأبواقه، فستتضرر بشكل جذري حرية الصحافة والقدرة على كشف ما يجري في الزوايا المظلمة في أروقة القوة للحكم؛ لأن الطريق إلى الدكتاتورية تصبح قصيرة جدا.
لكن هذا لا يكفي: على المستشارة القانونية أن تطالب زيني بأجوبة عن لقائه مع بردوغو (بسبب مصالح تجارية، مقرب الحكم الذي رغم أنه -على حد تعريفه- ليس صحافياً) كي تتأكد من أنه لم يكن له ضلعاً في تفعيل الصلاحيات الأمنية لـ “الشاباك”.
—————-انتهت النشرة————–

