المسار : لم يعد الصراع في فلسطين يقتصر على السيطرة على الأرض أو إدارة الصدام العسكري، بل انتقل بصورة متسارعة إلى مستوى أكثر عمقاً يتمثل في الصراع على الوعي الفلسطيني وإعادة تشكيلة بناء على إفرازات الواقع والتسليم بها. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على اتفاق أوسلو، تشكلت منظومة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية أعادت صياغة أولويات المجتمع الفلسطيني وفق رؤية فئة عملت منذ زمن على ذلك، وربطت جزءاً كبيراً من حياته اليومية بإدارة الأزمة بدلاً من العمل على إنهائها. وفي المقابل، استغلت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما اليمينية المتطرفة الحالية، هذا التحول لتنتقل من إدارة الاحتلال العسكري إلى مشروع أكثر وضوحاً يقوم على فرض السيادة الإسرائيلية الفعلية على الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، وتهجير الفلسطينيين، وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وبين هذين المسارين، يبدو أن القوى الفلسطينية، سواء المؤيدة لمسار أوسلو أو المعارضة له، لم تتمكن من إنتاج رؤية وطنية جامعة وقادرة على مواجهة التحولات المتسارعة، الأمر الذي أدى إلى تراجع حضور المشروع الوطني الجامع، وصعود حالة من الإحباط والانقسام وفقدان الثقة وصلت في بعض المحطات الى الاستسلام للأمر الواقع وسيادة بعض القناعات أن أي عمل لن يجدي نفعا ولن يحقق مصلحة عامة بل يتم العمل لتصبح نتائجه في خدمة نخبة مسطرة تستطيع توجيه الدفة لصالحها وهذا العزوف عن العمل على أحداث تغير أو مقاومة السياسة الحالية ساهم بشكل كبير في إعادة هندسة الوعي الفلسطيني بل وفي أحيان كي الوعي عبر سياسات مخطط لها مسبقا .
لم يكن تأثير أوسلو سياسياً فقط، بل الأخطر من ذلك هو المشروع الثقافي، حيث امتد إلى إعادة تشكيل أنماط التفكير والسلوك داخل المجتمع الفلسطيني. فقد انتقل الاهتمام تدريجياً من فكرة التحرر الوطني إلى قضايا الإدارة اليومية، والوظيفة، والتمويل، والمشاريع التنموية، ورفاهية العيش، وأصبح النجاح الفردي في كثير من الأحيان بديلاً عن الإنجاز الوطني. كما تشكلت أجيال لم تعايش مرحلة الثورة الفلسطينية بكل تعقيداتها، وإنما نشأت في ظل سلطة محدودة الصلاحيات، واقتصاد مرتبط بإسرائيل، وواقع سياسي يقوم على انتظار عملية سلام لم تكتمل. هذا التحول لم يكن نتيجة الاتفاق وحده، بل أيضاً نتيجة منظومة كاملة من السياسات والمؤسسات والخطابات التي ركزت على إدارة الواقع القائم أكثر من تغييره، مما ساهم في إعادة تعريف مفهوم الوطنية لدى قطاعات واسعة من المجتمع. بل أن هذه المنظومة قد عملت بوعي على تشويه صورة النضال التحرري والذي تبناه المجتمع لعقود طويلة واليوم البعض يجرم هذا النضال من خلال التنكر لتضحيات من مارسوه بل تعدى ذلك الى عائلات الشهداء والأسرى والجرحى والعمل على تغير النظرة لهم من قيمة نضالية ووطنية لا يجوز المساس بها، ومكانة اجتماعية ووطنية متقدمة نتيجة تضحياتها، الى حالات اجتماعية تخضع لتقيم هذا الشخص او المؤسسة أو ذلك وفق المقاس الأمريكي الإسرائيلي، كل ذلك من اجل إبقاء فئة تحكم وفق مصالحها وليس مصلحة الوطن.
قد أسهمت السياسات الاقتصادية وأنماط الحياة الاستهلاكية في إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بصورة عميقة، حتى أصبح جزء كبير من المجتمع أسيرًا لمنظومة الديون والقروض والاستهلاك المفرط، التي نقلت اهتمام الفرد من الانشغال بالقضية الوطنية إلى الانشغال بتأمين أقساطه والحفاظ على مستوى معيشة صُنع في كثير من جوانبه بصورة مبرمجة. وقد أدى تسليم مساحات واسعة من الاقتصاد لرأس المال والبنوك إلى ترسيخ ثقافة الرفاهية الزائفة والارتباط بمنظومة السوق أكثر من الارتباط بمشروع التحرر الوطني، حتى بات من يراقب المشهد من الخارج يصعب عليه تصديق أنه أمام شعب يعيش تحت الاحتلال. ولم يكن هذا التحول عفويًا، بل ساهم في إعادة هندسة الوعي الفلسطيني ليصبح أقل حساسية تجاه أولويات الصراع الوطني، وأكثر قابلية للتكيف مع واقع الاحتلال باعتباره أمرًا يمكن التعايش معه، وهو ما يشكل أحد أخطر التحولات التي مست البنية الفكرية والاجتماعية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة. لم يكن ما أعقب اتفاق أوسلو مجرد تحول في شكل إدارة الصراع، بل مثل بداية عملية طويلة لإعادة تشكيل الوعي الفلسطيني بما ينسجم مع واقع سياسي جديد فرضته موازين القوى. فقد أُعيد تعريف الممكن الوطني ضمن سقف الاتفاق، وربطت معظم مفاصل الحياة الفلسطينية بمنظومة من القيود والتنسيق والاعتماد الاقتصادي والإداري، بينما انشغل الخطاب الرسمي بإدارة تفاصيل السلطة الناشئة وتسويق وعود الدولة القادمة، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تتعامل مع الاتفاق بوصفه إطارًا يمنحها الوقت والغطاء اللازمين لتغيير الوقائع على الأرض بصورة متسارعة. وهكذا نشأت فجوة متزايدة بين الخطاب الذي بشّر بالسلام والدولة، وبين الواقع الذي كان يشهد تعميق الاحتلال وتوسيع أدوات السيطرة.
وفي المقابل، واصلت إسرائيل تنفيذ مشروعها الاستراتيجي القائم على الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وتفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وإضعاف الاقتصاد، وإبقاء السلطة ضمن حدود الإدارة المدنية محدودة الصلاحيات. ولم تكن هذه السياسات مجرد إجراءات أمنية أو إدارية متفرقة، بل شكلت منظومة متكاملة لإعادة هندسة الوعي الفلسطيني؛ إذ جرى نقل اهتمام الفرد تدريجيًا من مشروع التحرر الوطني إلى هموم الحياة اليومية والوظيفة والقرض والاستهلاك، ومن التفكير في إنهاء الاحتلال إلى البحث عن سبل التكيف معه. وبهذا لم تعد السيطرة الإسرائيلية تستهدف الأرض وحدها، بل امتدت إلى تشكيل أنماط التفكير وتحديد سقف التطلعات السياسية، بما يكرس الاحتلال باعتباره واقعًا دائمًا يمكن التعايش معه، ويُضعف تدريجيًا مركزية المشروع الوطني في الوعي الجمعي الفلسطيني.تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن المأزق الفلسطيني لم يعد ناتجاً عن سياسات الاحتلال وحدها، بل أصبح أيضاً انعكاساً لأزمة بنيوية عميقة في النظام السياسي الفلسطيني وآليات إنتاج القرار الوطني. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، واصل التيار الذي تبنى مسار أوسلو الرهان على خيارات تفاوضية لم تفضِ إلى إنهاء الاحتلال أو تقليص كلفته السياسية والأمنية والاقتصادية، بل تزامنت مع أكبر موجة توسع استيطاني، وتعميق السيطرة الإسرائيلية على الأرض، وتراجع فرص قيام الدولة الفلسطينية التي كان يفترض، وفق الجدول الزمني للاتفاق، أن ترى النور عام 1999. وفي المقابل، لم تستطع القوى التي عارضت أوسلو أن تحول رفضها إلى مشروع وطني جامع يمتلك رؤية استراتيجية قابلة للتنفيذ، أو أن تبني إطاراً قيادياً موحداَ يجمع بين أدوات المقاومة والعمل السياسي والدبلوماسي ضمن استراتيجية وطنية متوافق عليها، رغم تعدد اتفاقات المصالحة والحوارات الوطنية التي بقيت رهينة الحسابات الفصائلية وتضارب المصالح الداخلية. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مسارين متوازيين؛ أحدهما استنفد قدرته على تحقيق أهدافه، والآخر لم ينجح في تقديم بديل عملي قادر على حشد الطاقات الوطنية. وفي ظل هذا الفراغ الاستراتيجي، تحول الانقسام من خلاف سياسي عابر إلى بنية مؤسسية وثقافية أعادت تشكيل النظام السياسي نفسه، وأضعفت المؤسسات الوطنية الجامعة، وأفقدت المشروع الوطني وحدته وفاعليته، الأمر الذي منح إسرائيل فرصة تاريخية لإدارة الصراع من موقع القوة، مستفيدة من غياب شريك فلسطيني موحد يمتلك رؤية وطنية شاملة، ومن تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني تستوجب حلًا سياسيًا عادلًا، لا مجرد أزمة إنسانية أو إدارية قابلة للاحتواء.
أخطر ما يواجه الفلسطينيين هو تآكل الوعي الوطني فعندما يفقد المجتمع ثقته بجدوى العمل الوطني، ويتحول الانقسام إلى واقع دائم، ويصبح الهم الاقتصادي الفردي هو الأولوية المطلقة، فإن الخطر لا يكون سياسياً فقط، بل حضارياً أيضاً. إن الاحتلال لا يحقق أهدافه بالاستيطان وحده، بل عندما ينجح في إقناع الشعب الواقع تحت الاحتلال بأن المقاومة بمختلف أشكالها، والعمل الوطني المنظم، والوحدة الوطنية، أصبحت جميعها خيارات غير ممكنة. وهنا تكمن خطورة هندسة الوعي؛ إذ تتحول الهزيمة النفسية إلى مقدمة للهزيمة السياسية. يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط خطر اتساع المشروع الاستيطاني، بل اتساع الفجوة بين سرعة التحولات التي يفرضها الاحتلال وبين بطء الاستجابة الوطنية. فبينما تعمل إسرائيل على إعادة تشكيل الجغرافيا والوقائع السياسية بصورة متسارعة، لا يزال الفلسطينيون يعانون أزمة رؤية، وأزمة قيادة، وأزمة وحدة .لهذا فان استعادة البعد الوطني والكفاحي لا تتحقق بالشعارات أو بتبادل الاتهامات بين القوى السياسية، وإنما تبدأ بإعادة بناء الإنسان الفلسطيني بوصفه صاحب القضية، وترسيخ وعي وطني نقدي يجمع بين الثبات على الحقوق والقدرة على تطوير أدوات النضال إن الخروج من المأزق الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق عبر إعادة إنتاج الأدوات ذاتها التي أسهمت في تعميقه، ولا من خلال استبدال مسار بآخر دون مراجعة نقدية شاملة. فالمرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء المشروع الوطني على أسس جديدة تستند إلى الشراكة، والشرعية، ووحدة الهدف، وتكامل أدوات الفعل الوطني. ويتطلب ذلك بلورة رؤية استراتيجية جامعة تعيد تعريف الأولويات الوطنية في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، وتعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الجامع بعد إصلاحها وتفعيل مؤسساتها على أسس ديمقراطية، بما يضمن مشاركة جميع القوى والفئات المجتمعية في صناعة القرار الوطني. كما يقتضي الأمر إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة المساءلة وسيادة القانون وتجديد الشرعيات، بالتوازي مع إطلاق مشروع وطني متكامل لإعادة تشكيل الوعي الجمعي من خلال التعليم والإعلام والثقافة، بما يعزز الهوية الوطنية ويكرس ثقافة النقد والمبادرة والمسؤولية، بعيدًا عن الاستقطاب والتخوين.
وفي الوقت ذاته، فإن استعادة البعد الكفاحي للمشروع الوطني لا تعني حصره في نمط واحد من أدوات المواجهة، وإنما إعادة بناء استراتيجية نضالية شاملة توظف جميع عناصر القوة الفلسطينية بصورة متكاملة؛ من المقاومة الشعبية الشاملة، والنضال القانوني والدبلوماسي، وتعزيز الصمود على الأرض، إلى بناء اقتصاد إنتاجي يقلل من التبعية للاحتلال، وحماية الرواية الفلسطينية في الفضاءين الإعلامي والرقمي، واستثمار طاقات الشباب باعتبارهم القوة الأكثر قدرة على التجديد والابتكار. فالمعركة مع الاحتلال لم تعد تدور حول السيطرة على الأرض وحدها، بل حول القدرة على إنتاج مجتمع متماسك، ومؤسسات فاعلة، ووعي وطني قادر على تحويل حالة الصمود إلى مشروع تحرري طويل النفس. ومن هنا، فإن أي نهضة وطنية حقيقية لن تبدأ بتغيير الشعارات، وإنما بإعادة بناء الإنسان الفلسطيني، واستعادة الثقة بالمؤسسات، وصياغة عقد وطني جديد يجعل المصلحة الوطنية العليا مرجعية تتقدم على المصالح الفصائلية والفئوية، ويؤسس لمرحلة يكون فيها القرار الوطني نتاج إرادة جماعية، لا انعكاسًا لموازين القوى الداخلية أو الضغوط الخارجية. بما يتناسب مع تحولات العصر. فالمعركة على الأرض لا تنفصل عن المعركة على الوعي، وأي مشروع وطني لا ينجح في حماية الوعي الجمعي سيجد نفسه عاجزاً عن حماية الأرض والهوية معاً.

