المسار : بينما تقف المدارس مجرد أطلالٍ وشواهد على حربٍ طالت كل تفاصيل الحياة، يواجه قطاع غزة تحديًا إنسانيًا ومعرفيًا غير مسبوق، يتمثل في حرمان مئات الآلاف من الأطفال واليافعين من حقهم الأساسي في التعليم، بعد أن خرجت المنظومة التعليمية برمتها عن الخدمة جراء القصف والإبادة المستمرة.
وفي مواجهة هذا الواقع المأساوي، تبرز البيانات والأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية لتلخص حجم الفاجعة من جهة، والجهود المضنية التي تُبذل من جهة أخرى، لمحاولة إنقاذ جيلٍ كامل من خطر التجهيل والضياع.
بياناتٌ تُوثّق حجم الشلل التعليمي
وتُظهر التقديرات والإحصاءات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” أرقامًا غير مسبوقة، أبرزها وجود أكثر من 625 ألف طالب وطالبة محرومين بالكامل من الذهاب إلى مدارسهم منذ بدء حرب الإبادة في أكتوبر 2023.
كما تبيّن الأرقام تعرض أكثر من 80% من المباني المدرسية للتدمير الكلي أو الجزئي، أو تحوّلها إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين تجعل من المستحيل استخدامها للتدريس، عدا عن ارتقاء مئات المعلمين والكوادر التربوية وآلاف الطلبة خلال الغارات والقصف المتواصل، ما يؤكد أن القطاع لم يفقد أبنيته التعليمية فحسب، بل فقد أيضاً بنيته البشرية واللوجستية التي تشكل عماد العملية التعليمية.
وتتعدى عقبات إعادة فتح الصفوف الدراسية مجرد تدمير المباني، إذ تصطدم أي محاولة للتعليم اليوم بتحديات مريرة على الأرض، يتقدمها انعدام البيئة الآمنة جراء استمرار الاستهدافات الإسرائيلية اليومية التي تنزع أي شعور بالأمان لدى الأطفال والأهالي.
ويُضاف إلى ذلك تحوّل معظم المدارس المتبقية إلى ملاذات عائلية للنازحين مما يجعل استعادتها أمرًا بالغة التعقيد ما لم تتوفر بدائل إيواء، عدا عن غياب المستلزمات الأساسية لشح المناهج والكتب، والمقاعد، وشبكات الاتصال والكهرباء المعدومة كليًا، ما يعطل حتى حلول التعليم الإلكتروني و التعليم عن بُعد.
مسارات استعادة التعليم والتعافي النفسي
ورغم هذا المشهد الضبابي، لم تتوقف المحاولات الرسمية والأهلية لإيجاد ثغرة أمل يعبر منها الأطفال نحو الكتاب والقلم، حيث تتضافر الجهود التربوية والمؤسسية عبر عدة مسارات متكاملة.
وتبرز في مقدمة هذه المسارات مبادرات الخيام التعليمية التي تُقام كـمساحات بديلة ومؤقتة داخل مراكز الإيواء ومخيمات النازحين بإشراف معلمين ومتطوعين مبادرين، لتوفير الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة والأنشطة التفاعلية للطلاب.
وعلى الصعيد الحكومي، تعكف وزارة التربية والتعليم على إعداد رزم تعليمية مكثفة ومواد برمجية يمكن للطلبة الوصول إليها عبر الهواتف المحمولة حال توفر شبكات الاتصال، وذلك في محاولة لتعويض الفقد التعلمي المتراكم خلال السنوات الماضية.
بالتوازي مع ذلك، تُكثّف مؤسسات المجتمع المدني والأهلي جهودها في تنظيم أنشطة التفريغ النفسي للطلبة داخل الخيام، بهدف الحد من آثار الترويع والتسهيل العاطفي والنفسي لتقبل فكرة العودة للتعلم رغم قسوة الظروف المحيطة.
مخاطر الانقطاع عن التعليم
ويرى مختصون تربويون ونفسيون أن استمرار انقطاع الطلبة عن التعليم يحمل مخاطر كارثية لا تقل ضراوة عن الحرب، أبرزها اتساع فجوة الفقد التعلمي، وظهور خطر الأمية المرتدة، وتفاقم الصدمات النفسية والسلوكيات الانسحابية لدى الأطفال نتيجة الفراغ وغياب البيئة التفاعلية الجامعية.
ومن هذا المنطلق، توجه الكوادر التربوية رسالة توعوية مباشرة إلى الأسر وأولياء الأمور، مؤكدةً أن إلحاق الأطفال بالمبادرات التعليمية المتاحة (حتى وإن كانت داخل خيمة) ليس مجرد تحصيل معرفي، بل هو مساحة للتعافي النفسي وملاذ آمن يعيد للطفل شعوره بالاستقرار والأمل، ويحميه من التبعات النفسية للحرب، ويضمن ألا يُسلب هذا الجيل حقه في رسم مستقبله.
وتبقى كل هذه المحاولات مجرد “إسعافات أولية” لمنظومة احتضرت تحت القصف، ما يضع العالم والمؤسسات الدولية أمام مسؤوليتها القانونية والأخلاقية لوقف العدوان، وتحييد العملية التعليمية، وإدخال الفصول مسبقة الصنع (الكرفانات) والمستلزمات الدراسية فورًا.

