المسار: تثبت وقائع متراكمة أنّ الحرب المستمرة منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 التي تشنها إسرائيل على جبهات متعددة بدأت بغزّة، كان لها تأثير ملموس في هجرة اليهود من إسرائيل، سواء من حيث اتجاهات تلك الهجرة، أو من حيث دوافع الأفراد.
وهناك إقرار بأن هجرة اليهود في هذه الفترة تشكّل أحد أبرز التحدّيات الوجودية التي تواجه الدولة، نظراً إلى طبيعتها بكونها دولةً قاعِدتها السكانية قائمة على التوازن الديمغرافي واستقطاب الخبرات العالية. وتتوزع مخاطر هذه الظاهرة على أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية وسياسية تؤثر مباشرةً في الحاضر، وفي صوغ معالم المستقبل.
وبموجب أحدث دراسة في هذا الشأن أجرتها جامعة تل أبيب، هاجر من إسرائيل خلال الأعوام الثلاثة الماضية دون أن يعودوا إليها أكثر من 268 ألف مواطن، بزيادة تصل نسبتها بالمعدل إلى نحو 40%. ولأول مرة سجّلت إسرائيل عدداً من المهاجرين إلى أمد طويل يفوق عدد العائدين، إذ شكّل عام 2023 أكبر فجوة بين المغادرين والعائدين في تاريخ الدولة، واستمر هذا النمط خلال عام 2025.
ففي تقريره السنوي، أفاد مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي بأنّ نحو 70 ألف إسرائيلي غادروا البلد على مدار العام، فيما عاد 19 ألفاً فقط. وأكد هذه الأرقام تقرير صادر عن “مركز طاوب لدراسة السياسات الاجتماعية”، خلص إلى أنه بعد أعوام من النمو المطّرد، تباطأ نمو السكان في إسرائيل في 2025.
وفي ما يتعلق بالهجرة إلى إسرائيل، تفيد معظم التقارير بأنّه بالرغم من أن هناك ارتفاعاً في طلبات مثل هذه الهجرة، وأساساً بسبب ما يوصف بأنه تفاقم ظواهر معاداة السامية في الخارج، فإن الوضع الأمني وعدم الاستقرار في إسرائيل نتيجة الحرب جعلا كثيرين من أصحاب هذه الطلبات يتردّدون أو يؤجلون قرار الهجرة إليها.
وكانت “مجلة 972+” قد نشرت قبل مدة تحقيقاً مفصلاً في هذا الشأن اشتمل على مقابلات مع يهود إسرائيليين هاجروا، ونوّهت بأنّ شهاداتهم تشير، في الجوهر، إلى فقدان عميق للثقة في المشروع الصهيوني ذاته، في ما قد يُنذر بتفكك بنيوي أوسع في المستقبل. كذلك فإنها تكشف عن تناقض مركزي؛ فإذا كان من المفترَض في إسرائيل أن تكون ملاذاً آمناً لليهود في العالم أجمع، فلماذا يختار هذا العدد الكبير منهم الفرار منها؟
وهو استخلاص توصل إليه المؤرخ أريئيل فيلدشتاين، الأستاذ في قسم “دراسات إسرائيل وعلم الآثار” في جامعة أريئيل في الأراضي المحتلة منذ 1967، في سياق مقال نشره في صحيفة “يسرائيل هيوم”، وأكد فيه أن الهجرة من إسرائيل بهذا الحجم، والتي تُنعت في السردية الإسرائيلية بأنّها هجرة سلبية، لا تنبع فقط من اعتبارات اقتصادية، بل من أزمة عميقة في الثقة بالإحساس بالأمان، وباستقرار النظام، وبمستقبل يبدو كأنّه ضبابي.
وبرأيه، عندما يختار عشرات آلاف من الإسرائيليين الرحيل، تحديداً بعد أحداث “انكسار وطني”، فإن هذا يدلّ على تصدّع في التصور الأساس لإسرائيل ملاذاً ووطناً. ويجزم بأن هذا الرحيل ليس آنياً، بل هو عملية تراكمية تُضعف النسيج الاجتماعي، وتضرّ بالمناعة الوطنية، وتعمّق الشعور بعدم اليقين حتى لدى مَن يبقون.
بكلمات أخرى، يمكن القول إن المشروعية الرئيسية للدولة بُنيت على أساس أنها “الملجأ الآمن” لليهود في العالم، وتحوّلها إلى حيّزٍ طاردٍ يفكّك هذه الرواية ويزيد من صعوبة تشجيع هجرة جديدة إليها.
لا بد أيضاً من التنويه بمسألتين: هناك تصاعد في ظاهرة هجرة الأدمغة من إسرائيل، ما يشير إلى صنف من إخفاق إستراتيجي، وما ينذر بمخاطر تتهدّد المستقبل. تعيد هذه الهجرة إلى الأجندة موضوع الهوس الديمغرافي الذي يمسك بتلابيب المجتمع الإسرائيلي والذي ارتفع أو يكاد أن يرتفع إلى مستوى الأدلجة، فيما باتت اللازمة التي تتكرّر كلما يدور الحديث عن الهجرة اليهودية وارتباطها المباشر بـ”الأمن القومي الإسرائيلي”، تتمثل بأنّه لولا الهجرة “لما كان ثمة أغلبية يهودية في دولة إسرائيل اليهودية”!
نقلا عن عرب 48

