ثمة مفارقة سياسية صارخة تستحق أن نتوقف أمامها: في قلب الولايات المتحدة، الدولة التي تشكل أحد أهم أعمدة القوة الصهيونية في العالم، وفي بيئة سياسية وإعلامية ومالية شديدة العداء لفلسطين، يصعد جيل فلسطيني وعربي ومسلم جديد، أكثر صلابة وجرأة، ويعيد القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش السياسي؛ بينما، في قلب الصراع نفسه، وبين الفلسطينيين الذين يعيشون تحت سلطة الدولة الصهيونية ويواجهون بنيتها ومخططاتها العدوانية يوميًا، تظهر نماذج قيادية فاقدة لعمود فقري أخلاقي، تتجه إلى الاندماج في هذه المؤسسة والتكيف معها، بل وإلى تقديم تنازلات كان يُنظر إليها بالأمس باعتبارها خطوطًا حمراء لا يجوز المساس بها.
تحضرنا هذه المفارقة ونحن نحتفي بصعود تلك النخبة من القيادات الشابة، المثقفة والجريئة وذات الالتزام الأخلاقي الثابت، مثل عبدول السيد وزهران ممداني، وقبلهما كثيرون، مثل رشيدة طليب وإلهان عمر، والمئات، بل الآلاف، من النشطاء الذين يجوبون مدن الولايات المتحدة الأميركية دفاعًا عن حق المواطن في حياة حرة وكريمة، وعن عدالة القضية الفلسطينية. وهي مفارقة تغرينا بالمقارنة مع ما يجري عندنا.
إنها مفارقة سياسية وفكرية عميقة ومحزنة. ففي أميركا، حيث يواجه الجيل الجديد ماكينة إعلامية وسياسية هائلة، وحيث تتعرض الأصوات الفلسطينية والعربية والإسلامية لحملات تشويه وضغوط مالية وانتخابية، تخرج نخبة قيادية واسعة من الشباب لتقول بوضوح إن فلسطين ليست عبئًا ينبغي التخلص منه كي ينجح السياسي، وإن الهوية ليست عقبة أمام الصعود، وإن المساواة لا تعني الصمت عن الاستعمار والاحتلال والعنصرية والإبادة.
بل إن المفارقة الأكثر إثارة أن هؤلاء لا يكتفون بالدفاع عن فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني؛ إنهم يربطونها بقضايا العدالة الاجتماعية، ومناهضة العنصرية، وحقوق المهاجرين، ومقاومة الاستغلال الاقتصادي، ليكتمل الموقف ببعده المحلي والإنساني والكوني. وهكذا تتحول فلسطين، في خطاب جيل جديد، من قضية يُطلب من أصحابها الاعتذار عنها إلى قضية أخلاقية وسياسية واسعة تستقطب قطاعات جديدة من المجتمع الأميركي.
وما يلفت النظر أيضًا، وهو في غاية الأهمية، أن هذا الجيل نمّى وعيًا متقدمًا على الوعي الذي ساد بين النشطاء الفلسطينيين وأنصار فلسطين في عقود سابقة على الساحتين الأميركية والأوروبية؛ إذ يقوم هذا الوعي على ضرورة ربط حاجات وحقوق المواطن الأميركي والغربي بالنضال من أجل فلسطين، وفضح علاقة التمويل وتحويل الضرائب إلى تمويل الحروب التوسعية والإمبريالية، بدل إنفاقها على الصحة والتعليم وتطوير البنية التحتية. هذا هو الوعي العميق، والمستوى الفكري الراقي، والالتزام الأخلاقي العالي الذي يميز ذلك النمط القيادي الصاعد على الساحة الأميركية.
أما عندنا، في ميدان الصراع المباشر، فإننا نشهد صعود نموذج مختلف تمامًا: نموذج منصور عباس والمجموعة القيادية في “الموحدة”. وهو نموذج يطرح الاندماج في المؤسسة الإسرائيلية باعتباره واقعية سياسية، ويحوّل المشاركة الانتخابية من وسيلة لخدمة مجتمع فلسطيني ذي هوية وحقوق جماعية إلى مشروع للذوبان في المشروع الصهيوني والارتهان له.
هنا تكمن المفارقة التي لا يجوز الهروب منها: كيف يمكن أن يكون الفلسطيني والعربي والمسلم في أميركا أكثر استعدادًا لمواجهة النظام السياسي من الفلسطيني الموجود داخل إسرائيل، حيث يعيش التمييز والقهر والترهيب نفسه، ويرى آثاره، ويعرف تاريخ الأرض والنكبة، ويعيش نتائج المشروع الصهيوني بصورة مباشرة؟
السؤال ليس موجهًا إلى شخص منصور عباس “الإسلامي” وحده، بل إلى كل من ينظر إلى هذا التهافت ويدافع عنه ويمنحه الشرعية. وهو أيضًا سؤال إلى الحركة السياسية الفلسطينية في الداخل كلها، وإلى الأحزاب الوطنية التي سمحت، من خلال تراخيها وتلطيف خطابها وتراجعها التنظيمي، بأن يبدو الاندماج في المؤسسة الصهيونية وكأنه البديل الوحيد عن العجز السياسي. وحسنًا فعلت تلك الأحزاب أخيرًا بالإقدام على عملية فرز وطني ضرورية، ويُتوقع منها أن يتسع مجال تفاهماتها ليشمل مختلف الأطر السياسية الوطنية والمدنية الأخرى، وخاصة تلك التي تقاطع الانتخابات لأسباب مبدئية.
من يوم الأرض إلى جيل التسعينيات
الفلسطينيون داخل منطقة الـ48 لم يدخلوا مرحلة ما بعد الحكم العسكري من موقع الاستسلام. كان واضحًا منذ يوم الأرض عام 1976 أن المجتمع الفلسطيني في الداخل قادر على إنتاج مقاومة سياسية وطنية جماعية. لم يكن الصراع يومها على الخدمات والميزانيات فقط، بل على الأرض والهوية والوجود. وبرزت قيادة وطنية، وتبلورت طبقة وسطى وطنية، وإن كانت صغيرة، بعد هذا المنعطف التاريخي النضالي، وتجلت في تعددية حزبية وطنية لافتة، مما ولّد جيلًا فخورًا، منتصب القامة، لا منبطحًا عند أقدام الجلاد.
ثم جاء جيل سياسي جديد في التسعينيات، أكثر ثقافة وارتباطًا بالقضية الفلسطينية، وأكثر استعدادًا لمواجهة المؤسسة الإسرائيلية من داخلها. دخل جزء مهم من هذا الجيل الكنيست، وأحدث تجديدًا لافتًا في الأداء ومضمون الخطاب، لكنه لم يسمح للكنيست بأن يعيد تعريفه، ولم يسمح للتناقضات الكامنة في مشاركة الفلسطيني بأن تجرده من فلسطينيته. وفي حين حاولت القوى المقاطعة للكنيست بناء المجتمع العصامي، تلاقت مع القوى الوطنية الأخرى في المواقف الوطنية الأساسية وفي الميدان.
كان النائب الفلسطيني آنذاك يعرف أنه عضو في برلمان الدولة الصهيونية، لكنه كان يعرف أيضًا أنه فلسطيني؛ ولذلك لم يرَ في عضويته اعترافًا بشرعية تعريف إسرائيل لنفسها بوصفها دولة يهودية على حساب شعب آخر. كان يطرح المساواة، لكنه لم يفصلها عن الحقوق الجماعية؛ وكان يدافع عن المواطن الفلسطيني، لكنه لم يقطع صلته باللاجئ والقدس والضفة وغزة والقضية الفلسطينية.
من المشاركة إلى التكيف
ما يثير القلق في مسار منصور عباس وصحبه هو أن الأمر لم يعد يتعلق بتكتيك انتخابي واحد، بل بمسار متدرج: الانتقال من المعارضة إلى المشاركة في حكومة إسرائيلية زاودت على الحكومة المجرمة الحالية بعجزها عن هزيمة غزة، ثم إلى طمس حضور القضية الفلسطينية، ثم تقديم المشاركة في نظام الأبرتهايد والإبادة باعتبارها الطريق الأساسي للحصول على الحقوق، وصولًا إلى مواقف أكثر وضوحًا من تعريف إسرائيل وقبولها كدولة يهودية إقصائية.
وعندما يصبح الاعتراف بهذا التعريف جزءًا من الخطاب السياسي، بديلًا عن منظومة القيم الوطنية والدينية التي ترسخت في مجرى تشكل النهضة الوطنية، فإننا لا نتحدث فقط عن تصريح سياسي؛ بل عن إعادة تشكيل للوعي وتخريب وعي أجيال كاملة.
فالدولة، ببنيتها اليهودية العنصرية والكولونيالية، التي يُفترض أن يناضل الفلسطيني داخلها من أجل التحرر والعدالة والمساواة وتحدي بنيتها الكولونيالية والعنصرية، تصبح هي الإطار النهائي الذي ينبغي التكيف معه. أما السؤال عن طبيعة هذا الإطار، وعن حقوق الفلسطينيين الجماعية، وعن التناقض بين الديمقراطية وبين حصر تقرير المصير القومي باليهود، فيصبح سؤالًا ثانويًا.
وهنا يبدأ التنازل الأخطر: ليس التنازل عن موقف سياسي محدد، وإنما التنازل عن حق المجتمع في تعريف نفسه سياسيًا.
وإذا تحولت الأحاديث عن تحالفات انتخابية مع شخصيات صهيونية، بما في ذلك شخصيات ذات خلفية أمنية أو شرطية، إلى واقع سياسي قائم على شروط تتطلب مزيدًا من القبول بالرواية الصهيونية، فإن علينا أن نسأل: ما الحد الذي يتوقف عنده هذا التكيف، أو هذا الانحدار والتهافت؟
التنازل لا يحدث دفعة واحدة. الخطر الحقيقي في هذا المسار أن التنازل لا يأتي عادة في صورة تنازل كبير؛ بل يبدأ بتغيير اللغة: نترك كلمة “فلسطيني” لأنها قد تزعج الشريك الإسرائيلي، نقلل الحديث عن النكبة لأنها تعيق التعاون، نتجنب الحديث عن الاحتلال والإبادة لأنه يعقد الائتلاف، نقبل بالدولة اليهودية وبأيديولوجيتها الإقصائية باعتبارها واقعًا، ثم تصبح المشاركة في مؤسساتها التنفيذية الإجرامية بحد ذاتها “إنجازًا”. وهكذا يتغير الوعي قبل أن تتغير السياسة.
عندها، يبدأ الشاب الفلسطيني في التساؤل: لماذا أطالب بتغيير النظام إذا كان بإمكاني تحسين موقعي داخله؟
وهنا تحديدًا تكمن الخسارة التاريخية. فالمجتمع الذي يحول حقوقه الوطنية والجماعية إلى مطالب خدمية قد يحصل على بعض الميزانيات، لكنه يفقد تدريجيًا اللغة التي تمكنه من المطالبة بحقوقه الأكبر، ويُذوّت خطابًا هجينًا ومفسدًا للوعي والهوية.
لماذا تبدو أميركا أكثر صلابة؟
ليس لأن الجيل الأميركي يعيش ظروفًا أسهل؛ العكس هو الصحيح. إنه يخوض معركة داخل واحدة من أكثر البيئات السياسية ارتباطًا بإسرائيل وبمشروعها الاستيطاني الإحلالي، ومع ذلك يمتلك هذا الجيل وعيًا سياسيًا جديدًا: يعرف أن الهوية مصدر قوة، وأن الدفاع عن فلسطين يمكن أن يكون جزءًا من مشروع ديمقراطي أوسع، ويعرف أن الالتزام الأخلاقي بالقيم الكونية مصدر قوة عالمية.
ليس هذا فحسب، بل إن هذا الجيل، من خلال ثقافته العميقة التي حصّلها، وقراءاته المعمقة، واختلاطه المباشر بالمجتمع الأميركي والغربي، أدرك أن دوره ليس استغلال ضائقة الناس والتحولات الاجتماعية والاقتصادية لتمرير سياسات استسلامية، بل رفع الوعي والمعرفة.
المطلوب استعادة الروح نفسها، لا نسخ التجربة الأميركية؛ فالظروف مختلفة جذريًا. المطلوب هو الاعتزاز بالهوية، والاستقلال السياسي، ورفض الابتزاز، والربط بين المساواة الفردية والحقوق الجماعية والقيم الكونية.
وهذا يعيدنا إلى مسؤولية الأحزاب الوطنية. فقد أخفقت في تجديد خطابها، وفي بناء أطر شبابية، وفي استثمار التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي أنتجت طبقة وسطى فلسطينية جديدة. كما تراخت في مواجهة مشروع الحركة الإسلامية الجنوبية، وسمحت لها بأن تقدم نفسها باعتبارها “البديل الواقعي” عن السياسة الوطنية.
لكن المسؤولية لا تعني جلد الذات. المطلوب الآن هو إنتاج جيل جديد. والأحرى، إذ تعجز الأحزاب عن ذلك، أن يضطلع أصحاب المواهب المدفونة من هذا الجيل الجديد بمسؤولية التغيير وتوليد مشاريع سياسية كبرى. فكثير من أبناء هذا الجيل، لأسباب موضوعية وذاتية، إما استسلموا للواقع، أو اكتفوا بالرضى عن الذات من خلال نشاطاتهم المحبوسة في أطر مدنية أو أدبية أو إعلامية، دون أن يجري التفكير في مشاريع سياسية كبرى.
يطمح المجتمع، وتحديدًا فئاته الوطنية، إلى رؤية جيل يشبه في صلابته جيل السبعينيات والتسعينيات والألفية الثانية، ويستفيد من الجرأة التي نراها اليوم في أميركا؛ جيلًا يطالب بالتحرر والعدالة والمواطنة الكاملة، دون أن يتحول إلى “عربي إسرائيلي” منزوع الذاكرة؛ جيلًا يطالب بالميزانيات والخدمات، لكنه يعرف أنها حقوق وليست بديلًا عن الحقوق الوطنية؛ جيلًا يدخل الكنيست، إن اختار ذلك، لكنه لا يقبل الرواية الصهيونية. وإن لم يختر الدخول في هذه اللعبة، فليبنِ مشاريع سياسية استراتيجية، بديلة أو موازية.
وربما هذا هو التحدي الأكبر لهذا الجيل، وربما هذا ما ستبرز الحاجة إليه في المستقبل القريب أو المتوسط، حيث تتآكل قواعد اللعبة البرلمانية للكيان الإسرائيلي وتفقد شرعيتها كليًا في نظر الناس، نظرًا إلى التحولات الفاشية المتسارعة في المشروع الصهيوني.
الفلسطيني لا يحتاج إلى أن يصبح أقل فلسطينية حتى يحصل على حقوقه. وهذه هي الرسالة الأساسية التي ينبغي أن نستخلصها من المفارقة بين الجيلين. الطريق الصحيح ليس طريق منصور عباس وصحبه إلى القبول بشروط النظام، وليس هذا النموذج الفقير ثقافيًا والمهزوز أخلاقيًا، بل طريق المشاركة السياسية المستقلة التي مثلها الفلسطيني الفخور، والتي يجددها اليوم جيل فلسطيني وعربي ومسلم في أميركا.
المطلوب جيل سياسي يقنع الفلسطينيين أولًا بأن كرامتهم وهويتهم وحقوقهم ليست أوراقًا للمساومة، وأن المساواة الحقيقية لا تبدأ بالتنازل عن الذات، بل تبدأ باستعادتها.
المصدر …عرب 48″

