إسرائيل تنتهك حقوق الفلسطينيين وقرية قصرة نموذج آخر

المسار : بعد أربعة أيام على اقتحام مستوطنين حرمة منزل في قرية قصرة، القريبة من مدينة نابلس في الضفة الغربية المحتلة، وإقامة بؤرة استيطانية في ساحته، يوم الأحد الماضي، وصل قادة الجيش الإسرائيلي في الضفة – وهم: قائد القيادة الوسطى، أفي بلوط؛ وقائد الفرقة العسكرية “يهودا والسامرة”، يعقوب هيلر؛ وقائد وحدة “يهودا والسامرة” في حرس الحدود، نيسو غوئيتا – إلى قصرة صباح الأربعاء.

وحسب بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فإن الضباط الثلاثة “تجولوا في قرية قصرة والبؤر الاستيطانية المجاورة، وتحدثوا مع العائلة الفلسطينية التي تسكن في المكان، التي أوضحت لهم أنه توجد في المنزل بنية تحتية للكهرباء والماء”.

يظهر من هذا المقطع في بيان المتحدث باسم الجيش أنه يستخف بالبشر، أو كما يقال، هو “إهانة للذكاء البشري”. هل كلّف هؤلاء الضباط الكبار الثلاثة أنفسهم عناء الوصول إلى القرية كي يستوضحوا إذا كان لدى عائلة فلسطينية كهرباء وماء؟ لا. السفير الأميركي في إسرائيل، الصهيوني المتطرف مايك هاكابي، كشف أمس أن الجيش الإسرائيلي توجه إلى قصرة بناءً على طلبه، لأن مالك المنزل يحمل الجنسية الأميركية، ووصف هاكابي المستوطنين بأنهم “إرهابيون إسرائيليون”.

لكن بعيدًا عن “عاطفة” هؤلاء الضباط الثلاثة، فإن ذكر أسمائهم أعلاه ليس عفويًا، إذ إن ثلاثتهم ينتمون إلى اليمين وترعرعوا في مستوطنات ومتماثلون بشكل مطلق، ليس مع المستوطنين والمشروع الاستيطاني عمومًا، وإنما هم متماثلون مع المستوطنين المتطرفين في تنظيم “شبيبة التلال” الإرهابي، وفقًا لتقارير نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية.

آفي بلوط ترعرع في مستوطنة “نافيه تسوف”، وتعلم في المدرسة الثانوية “هيمبلفرب” التابعة لتيار الصهيونية الدينية، وبعد ذلك تعلم في الكلية التحضيرية ما قبل العسكرية “بني دافيد” في مستوطنة “عيلي”، وهي إحدى المدارس العسكرية اليمينية المتطرفة.

يعقوب هيلر ترعرع في مستوطنة “كارني شومرون”، وتعلم في المدرسة الثانوية الدينية التابعة لحركة الشبيبة اليمينية “بني عكيفا” في المستوطنة نفسها، وفي معهد تدريس التوراة في مستوطنة “نافيه دكاليم” في قطاع غزة.

نيسو غوئيتا عُين في منصبه الحالي بسبب قربه من وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير. وفي العام 2020، تم توثيق اعتدائه على مصور صحافي مقابل المسكن الرسمي لرئيس الحكومة في القدس، وأدين وحكم عليه بالسجن، ولاحقًا ألغت المحكمة إدانته.

فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأنه بعد انتشار خبر حول محاولة الجيش إخلاء المستوطنين من المنزل، صباح الأربعاء، هرع إلى منطقة المنزل الفلسطيني في قصرة عدد كبير من المستوطنين الذين أغلقوا طرقًا بالحجارة وألقوا الحجارة على البيت الفلسطيني، بينما غادرت القوات الإسرائيلية المكان، وأعلنت المكان “منطقة عسكرية مغلقة”، ومنعت صحافيين من الوصول إليها.

وتبين أن القوات لم تقم بإزالة عريشة، وإنما قماشة تظلل فوق المستوطنين، كما لم يتم إخلاء معدات المستوطنين، وظهر في شريط فيديو مستوطن “يدق وتدًا في الأرض ويقف جنود من حوله”. وأفادت صحيفة “هآرتس” بأن المستوطنين الذين هرعوا إلى المنزل في قصرة تجمعوا بدايةً في ساحة عائلة فلسطينية تم طردها من منزلها في قرية جالود، ونُقلوا بمركبات إلى قصرة.

وعقد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، “تقييمًا للوضع” في قصرة بمشاركة بلوط ورئيس شعبة العمليات ورئيس لواء العمليات، وحسب بيان الجيش، أوعز زامير “بمواصلة العمليات من أجل تعزيز النظام والسيطرة العملياتية في المنطقة، ولمنع استمرار الأحداث الخطيرة”، علمًا أن هؤلاء المستوطنين يبادرون إلى إحداث الفوضى في كل أنحاء الضفة.

كذلك أوعز زامير بإدخال كتيبة مشاة نظامية إلى منطقة قصرة “بهدف تعزيز السيطرة العملياتية”، وأن تكون قوات أخرى في حالة جهوزية للدخول إلى المنطقة إذا تطلب الأمر، لكن حشد قوات الجيش هذا هدفه قمع فلسطينيين في حال نظموا احتجاجًا، أو في حال تطور الوضع إلى مواجهات، لكنه ليس لمواجهة المستوطنين، لأن هذه مهمة الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود حسب القانون.

ويعني ذلك أن الجيش الإسرائيلي لا يعتزم إخلاء المستوطنين والبؤرة الاستيطانية التي أقاموها في ساحة المنزل الفلسطيني في قصرة، ولذلك يُتوقع أن يتصاعد الوضع الأمني في قصرة ومنطقتها، رغم أنه بإمكان الجيش منع تطور كهذا بسهولة بإخلاء المستوطنين.

الذاكرة المزيفة

بدلًا من إخلاء هؤلاء المستوطنين، أخلى الجيش الإسرائيلي، صباح أمس، 20 عائلة من منازلها في قرية قصرة، وتلقت العائلات المحاصرة في المنزل الذي أقيمت البؤرة الاستيطانية في ساحته بلاغًا من الجيش بإخلاء المنزل، بادعاء تنفيذ عملية عسكرية ستستمر لسبعة أيام بهدف منع “احتكاك” بين سكان القرية والمستوطنين، وهذا يعني، بموجب مفاهيم الاحتلال، أن الجيش يستعد لمواجهات مع سكان القرية.

إسرائيل لا تخلي بؤرًا استيطانية، فقد بادرت في الفترة الأخيرة إلى إقامة العشرات منها في أراضٍ تم طرد أصحابها الفلسطينيين منها، وقد لا يتم إخلاء البؤرة الاستيطانية في قصرة، حتى لو جرت ممارسة ضغوط أميركية لأن مالك الأرض يحمل الجنسية الأميركية، لكن حيازة فلسطينيين للجنسية الأميركية لم تمنع الجيش الإسرائيلي من التنكيل بهم وحتى قتلهم أثناء زيارتهم للضفة، وكذلك مصادرة أراضيهم وأملاكهم.

بل إن احتلال إسرائيل للضفة ليس هدفه حماية حقوق الفلسطينيين، وإنما انتهاك هذه الحقوق مع سبق الإصرار، والمخططات الاستيطانية الواسعة، وليس خلال ولاية حكومة نتنياهو الحالية فقط، هي أكبر دليل على ذلك.

وتعلم إسرائيل أنها تنتهك الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وأولها حقهم في الأرض وحقهم في الحياة، لكنها تعتبر أن هذه الانتهاكات شرعية، ما يؤكد أن إسرائيل تسعى متعمدةً إلى تغذية تصعيد أمني في الضفة الغربية كلها، وليس في منطقة قصرة فقط.

ويصرح سموتريتش، بصفته وزيرًا في وزارة الأمن المسؤول عن الاستيطان، أن الخطط الاستيطانية ليست محصورة في المناطق “ج”، وإنما أصبحت تمتد إلى المنطقتين “أ”، التي تخضع لسيطرة أمنية وإدارية فلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو، و”ب”، التي تخضع لسيطرة إدارية فلسطينية، ويعلن سموتريتش رسميًا أن الهدف هو إلغاء اتفاقيات أوسلو وانهيار السلطة الفلسطينية ومنع إمكانية قيام دولة فلسطينية.

هذا يعني أن إسرائيل تخطط لتكثيف الاستيطان بشكل كبير حول المدن الفلسطينية في الضفة، ونسخ خطط قديمة مشابهة نفذتها إسرائيل بهدف محاصرة المدن والقرى العربية في مناطق الـ48، ومنع توسعها وتطورها.

إلى جانب ذلك، سيتعمق نظام الأبارتهايد الذي تطبقه إسرائيل في الضفة، وسيتفاقم سلب حقوق الفلسطينيين، المدنية وغير المدنية، وإذا انهارت السلطة الفلسطينية كليًا، فإن الخدمات ستتراجع إلى الحد الأدنى أيضًا، وبضمنها الخدمات الصحية، التي بدأت بالانهيار فعلًا بسبب سرقة إسرائيل أموال المقاصة، وفقًا لتقرير منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” الذي صدر مؤخرًا.

هذا الوضع الذي تريد الحكومة الإسرائيلية الحالية أن تصل إليه. وإذا اندلعت انتفاضة، أو سادت الضفة حالة غليان واسعة، فإن الإسرائيليين، وحتى حكومة أخرى جديدة قد تتشكل بدلًا من الحكومة الحالية، لن يتذكروا الأسباب والخطوات العدوانية التي أدت إلى ذلك، وإنما سيعتبرون أن التاريخ بدأ منذ اندلاع الانتفاضة أو الغليان. هكذا هي دائمًا الذاكرة الإسرائيلية المزيفة.

نقلا عن عرب 48

Share This Article