المسار : تسابق الولايات المتحدة الزمن لإعادة بناء مخزونها من الصواريخ الاعتراضية، بعدما كشفت الحروب المتصاعدة، ولا سيما في إيران وأوكرانيا، عن استنزاف متزايد في ترسانتها الدفاعية، في تطور يسلّط الضوء على حدود القوة العسكرية الأميركية وقدرتها على إدارة صراعات متعددة في وقت واحد.
وتدفع واشنطن شركات الصناعات العسكرية إلى إنتاج صواريخ اعتراضية أقل كلفة وأكثر سرعة في التصنيع، في محاولة لمعالجة معضلة باتت واضحة في الحروب الحديثة: الذخائر المستخدمة في التصدي للهجمات قد تكون أغلى بكثير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدفها.
وتكشف هذه الأزمة أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بحجم الترسانة ونوعية الأسلحة، وإنما أيضاً بقدرة الدول على إنتاج الذخائر وتعويض ما يُستهلك منها. ومع ارتفاع وتيرة العمليات، تتحول المخزونات العسكرية إلى عامل ضغط استراتيجي على القرار السياسي الأميركي.
الأخطر بالنسبة لواشنطن أن أزمة الاعتراضات الصاروخية لا تتعلق بجبهة واحدة، بل بشبكة واسعة من الالتزامات العسكرية الأميركية الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وآسيا، ما يفرض على الإدارة الأميركية إعادة حساباتها بشأن توزيع مواردها وقدرتها على الوفاء بتعهداتها تجاه حلفائها.
ومن منظور سياسي أوسع، تعكس هذه التطورات مأزقاً متنامياً في بنية النظام العسكري الأميركي، الذي أنفق لعقود مليارات الدولارات على بناء ترسانة عالمية هائلة، لكنه يواجه اليوم اختباراً أمام حروب تعتمد بصورة متزايدة على أسلحة أقل كلفة وأكثر قدرة على الاستنزاف.
وتبرز هنا مفارقة صارخة: صناعة السلاح الأميركية تبحث عن صواريخ أرخص كي تتمكن من مواجهة أسلحة أقل كلفة، بينما تتواصل فاتورة الحروب التي تتحملها الشعوب، وتُستنزف الموارد في سباقات التسلح بدلاً من توجيهها نحو التنمية والاستقرار.
وبالنسبة للقوى المناهضة للحروب والاستعمار، فإن أزمة الذخائر الأميركية تقدم دليلاً إضافياً على أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها فرض الاستقرار أو ضمان السيطرة الدائمة على الشعوب والمناطق التي تتعرض للصراع والاحتلال.
كما تطرح الأزمة سؤالاً يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة: إلى أي مدى تستطيع واشنطن مواصلة لعب دور القوة العسكرية المركزية في النظام الدولي، بينما تتزايد كلفة تدخلاتها وتتسع ساحات الصراع وتتطلب حماية مصالحها وحلفائها كميات متزايدة من الأسلحة والذخائر؟
وفي السياق الفلسطيني، تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة، في ظل الارتباط الوثيق بين منظومة التسليح الأميركية وسياسات الاحتلال الإسرائيلي، إذ تكشف أزمات الإمداد العسكري أن استمرار الحروب لا يعتمد فقط على القرار السياسي، بل على قدرة المجمع الصناعي العسكري على إنتاج السلاح وتعويض ما يُستهلك منه.
وهكذا تتحول أزمة الصواريخ الاعتراضية إلى مؤشر على أزمة أوسع: أزمة نموذج يقوم على عسكرة العلاقات الدولية وتوسيع دوائر الحرب بدلاً من معالجة جذور الصراعات القائمة على الاحتلال والهيمنة وغياب العدالة.
وبينما تبحث واشنطن عن صواريخ أرخص وأسرع إنتاجاً، يبقى السؤال السياسي الأهم: هل تستطيع القوة العسكرية وحدها حماية النفوذ الأميركي، أم أن اتساع دائرة الحروب بدأ يكشف حدود هذا النفوذ وقدرة الشعوب على مقاومة مشاريع الهيمنة وفرض حقها في تقرير مصيرها؟
فالاستنزاف العسكري ليس مجرد مسألة أرقام في مستودعات الذخيرة؛ إنه جزء من معركة أوسع حول شكل النظام الدولي، ومستقبل العلاقات بين الشعوب والقوى الكبرى، وما إذا كان العالم سيبقى أسيراً لمنطق القوة والسلاح، أم يتجه نحو نظام يقوم على احترام السيادة وحق الشعوب في الحرية وتقرير المصير.

