المسار: وصف الكاتب الإسرائيلي آري شفيط “السابع من أكتوبر” بأنه اليوم الذي غيّر كل شيء، وفي مقال نشره في “يديعوت أحرونوت” تحت هذا العنوان، يقول شفيط، الذي يُعتبر واحدًا من أعمدة الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي، إنه برغم إحياء ذكراه طوال الأسبوع، فإن هذا اليوم الفظيع لم ينتهِ، ولن ينتهي، مشيرًا إلى أنه لا يوجد إسرائيلي أو إسرائيلية عاد إلى ما كان عليه في السادس من أكتوبر 2023.
ويقول شفيط، الذي يُعتبر أحد العقول الاستراتيجية الإسرائيلية، إن إسرائيل التي أدارت ظهرها إلى الشرق الأوسط واندمجت بفوقية في العالم، وجدت في الساعة 6:29 من صباح ذاك اليوم، الشرق الأوسط يزحف في مسارب “كيبوتسات” النقب الغربي، و”الإسلام الجهادي”، كما يصفه، يحتل أجزاء من “كيبوتس” بئيري ومن مستوطنة “كفار عزة”…، وإنه لولا تردد حسن نصر الله لجرى احتلال الجليل، ووقع “الهيكل الثالث” – إسرائيل تحت تهديد خطر وجودي.
ورغم أن إسرائيل نجحت في قلب المعادلة وصدّت حماس وضربت حزب الله وزعزعت أركان إيران وقتلت نصر الله والسنوار وخامنئي، كما يقول، فإن هذا اليوم الفظيع لم ينتهِ، ولن ينتهي، “لأننا تعلمنا من 7 أكتوبر أن 7 أكتوبر القادم آتٍ حتمًا، وأن الهجوم القادم آتٍ، سواء من الشمال أو من الجنوب أو من الشرق، إن كان بعد سنة أو بعد عقد، لأن الشرق الأوسط لن يتركنا…”.
وإن كانت الخطة الأولية للسنوار قد فشلت، لأن حزب الله لم ينضم للحرب بكامل قوته، والفلسطينيين في الضفة الغربية لم ينتفضوا، و”عرب إسرائيل” لم “يخونوا”، والعالم العربي لم يشتعل، والجيش الإسرائيلي استعاد رباطة جأشه، والمجتمع الإسرائيلي أبلى بلاءً حسنًا، ونظرية خيوط العنكبوت سقطت، كما يعتقد، فإن شفيط يرى بالمقابل أن استراتيجية السنوار الكبرى، كما يصفها، ما زالت تشكّل تهديدًا لإسرائيل، لأنها هدفت إلى قطع إسرائيل عن الغرب والتسبب بهروب النخبة المنتجة والصهيونية من الدولة العبرية وتحويل الأخيرة إلى جزء لا يتجزأ من الشرق الأوسط.
هذه التهديدات ما زالت ماثلة، حسب رأيه، لأن إسرائيل التي انتصرت في خان يونس وبنت جبيل خسرت في واشنطن ونيويورك، وأصبحت معزولة ومكروهة في العالم أكثر من أي مرحلة مضت، وهي في طريقها إلى التحول إلى دولة منبوذة، يجلس كثرة من أبنائها وخيرتهم على حقائبهم الجاهزة، وإذا لم يحدث في 27 أكتوبر الجاري (الانتخابات الإسرائيلية) أي تغيير، فإن أعداد المهاجرين قد تصل إلى مئات الآلاف، فيما “يهدد التيار الديني العنيف بتحويلنا إلى جزء لا يتجزأ من هذا العالم المتطرف دينيًا (العالم العربي) الذي نخشى منه”.
باختصار، شفيط يحذّر من أن تفقد إسرائيل الميزة التي تتفرّد وتتفوق فيها على دول المنطقة وتجعلها جزءًا من العالم الغربي، وهي العلمانية والقيم الليبرالية الغربية، ومن هجرة النخب المتعلمة التي هي أشكنازية عمومًا، بعد أن يهيمن الشرقيون والحريديون والمتدينون الصهيونيون على السياسة وعلى الديمغرافيا، حتى إنه يصل إلى حد القول: “إننا بعد أن تعلمنا العربية خلال الحرب نسينا الإنجليزية، ولغتنا العبرية تشوّشت”.
هذا الاتجاه الذي يحذّر منه شفيط يحتل محور الصراع الداخلي الأساسي في الانتخابات الإسرائيلية القريبة، وإن حاولوا تستير البعد الطائفي – العرقي في الموضوع، وكما هو معروف، فإن جمهور معسكر نتنياهو معظمه من اليهود الشرقيين والحريديين والمتدينين الصهاينة، وهم من يقودون ما يسمى بالإصلاح القضائي أو “الانقلاب القضائي”، الذي يستهدف إحداث تغيير جوهري في مؤسسات الدولة العميقة وتشذيبها أو تخليصها من سيطرة النخب الأشكنازية الليبرالية، في وقت يسود إجماع بين المعسكرين حول القضايا السياسية التي تقف في مركزها القضية الفلسطينية.
في هذا السياق، يكتب المحلل للشؤون العربية في صحيفة “هآرتس”، تسفي برئيل، إنه رغم سجل المكاسب العسكرية الحافل بإنجازات استثنائية، وأسماء قادة وجنرالات وعلماء ومسؤولين كبار ونوابهم، الذين قُضي عليهم بقنبلة أو صاروخ في غزة ولبنان وإيران…
ورغم إقصاء علي خامنئي وحسن نصر الله وإسماعيل هنية مع سلالاتهم عن مسرح التاريخ، كما يقول، وتدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية بالتعاون مع الولايات المتحدة، وتدمير قطاع غزة بشكل شبه كامل، وقتل أكثر من 73 ألف شخص من سكانه، ومحاصرة مليوني شخص يقبعون في خيام وسط أنقاض بيوتهم، ويُحرمون من الخدمات الإنسانية الأساسية، ودون أي أمل بحياة طبيعية تليق بشعب “لا أبرياء فيه”، فإن هذا كله لا يحقق التغيير الجيوسياسي والتاريخي الذي كان من المفروض أن تُحدثه هذه الحرب، والذي يتجاوب مع تصريحات نتنياهو بتغيير وجه الشرق الأوسط، في حين بدأ الشرق الأوسط بتغيير وجهه فعلًا، ولكن من دون إسرائيل.

