المسار : كشفت صحيفة “ذا غارديان” في تقرير صادم عن شهادات لجنود إسرائيليين عرضت في فيلم وثائقي جديد بعنوان “كسر الصفوف: داخل حرب إسرائيل“، تبيّن تفككاً شاملاً للمعايير القانونية والأخلاقية داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على قطاع غزة، حيث تحوّل استهداف المدنيين الفلسطينيين إلى قرار يخضع لأهواء الضباط الأفراد دون أي التزام بالقواعد العسكرية أو القوانين الدولية. ويضم الفيلم، الذي يُعرض في المملكة المتحدة، شهادات غير مسبوقة لجنود خدموا في غزة، بعضهم تحدث علناً فيما فضّل آخرون إخفاء هوياتهم خشية الملاحقة.
قرارات شخصية بإعدام المدنيين
وقدم دانيال، قائد وحدة دبابات في جيش الاحتلال الإسرائيلي، شهادة صادمة حول الواقع على الأرض، قائلاً إنه إذا كان أي جندي يريد أن يطلق النار بلا قيود، فيمكنه ذلك دون أي مساءلة. هذه الشهادة تؤكد ما أشار إليه جميع الجنود الذين تحدثوا في البرنامج من تلاشي القواعد الرسمية المتعلقة بالتعامل مع المدنيين. النقيب يوتام فيلك، وهو ضابط في سلاح المدرعات، كشف عن مدى الانحراف عن التعليمات الرسمية للجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن التدريب الأساسي يؤكد ضرورة توفر ثلاثة شروط قبل إطلاق النار: الوسائل، والنية، والقدرة على إحداث ضرر. لكن ضابطاً آخر أكد أن هذه القواعد لم تعد موجودة في غزة، وأن الأمر أصبح ببساطة مجرد الاشتباه في السير في مكان غير مسموح، خاصة للرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و40 عاماً.
جندي آخر عُرِّف باسم “إيلي” وصف الوضع بطريقة أكثر وضوحاً، قائلاً إن “الحياة والموت لا تحددهما الإجراءات أو لوائح إطلاق النار، بل يحددهما ضمير القائد على الأرض”. وأضاف أن “تحديد من هو العدو أو الإرهابي أصبح أمراً تعسفياً تماماً، فإذا كان الأشخاص يمشون بسرعة كبيرة فهم مشبوهون، وإذا كانوا يمشون ببطء شديد فهم أيضاً مشبوهون، وحتى إذا كان ثلاثة رجال يمشون وتخلف أحدهم وراءهم، فإن ذلك يُعتبر تشكيلاً عسكرياً”.
في إحدى الحوادث المروعة التي رواها الجندي، أمر ضابط رفيع بتدمير مبنى في منطقة مصنفة على أنها آمنة للمدنيين، حيث كان رجل يقف على السطح يعلّق الغسيل، لكن الضابط قرر أنه يراقب قوات الجيش. وأوضح الجندي أن الرجل لم يكن يحمل مناظير أو أسلحة، وكانت أقرب قوة عسكرية على بعد 600–700 متر، متسائلاً: “كيف يمكن أن يكون مراقباً دون أن تكون لديه عيون كعيني النسر؟” رغم ذلك، أطلقت الدبابة قذيفة أدت إلى انهيار نصف المبنى، مما أسفر عن سقوط العديد من القتلى والجرحى.
وأشارت ذا غارديان إلى تحليل أجرته في أغسطس/آب لبيانات الاستخبارات الإسرائيلية، كشف أنه بحسب تقديرات مسؤولي الجيش الإسرائيلي أنفسهم، كان 83% من الشهداء في غزة من المدنيين، وهي نسبة غير مسبوقة في الحروب الحديثة، على الرغم من أن جيش الاحتلال الإسرائيلي رفض هذا التحليل. من جانبه، أصدر الجيش الإسرائيلي بياناً مكتوباً زعم فيه أنه يظل ملتزماً بسيادة القانون ويواصل العمل وفقاً لالتزاماته القانونية والأخلاقية، رغم “التعقيد العملياتي” الذي يدّعي أن حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” تفرضه من خلال تموضعها داخل البنية التحتية المدنية.
استخدام روتيني للدروع البشرية داخل الأنفاق
إلى ذلك، كشف الجنود أيضاً عن الاستخدام الروتيني للدروع البشرية، مما يناقض النفي الرسمي لجيش الاحتلال الإسرائيلي. دانيال، قائد وحدة الدبابات، وصف ما يُعرف بشكل غير رسمي باسم “بروتوكول البعوضة”، حيث يتم إرسال الدرع البشرية إلى الأنفاق تحت الأرض، وبينما يسير في النفق يقوم برسم خريطته، مع وضع آيفون في سترته لإرسال معلومات الموقع عبر نظام تحديد المواقع (GPS). وأضاف أن القادة رأوا كيف يعمل ذلك وانتشرت الممارسة كالنار في الهشيم، حتى أصبحت كل سرية تستخدم هذه الطريقة.
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في الشهادات كان دور الخطاب الديني والسياسي في تشجيع العنف ضد المدنيين الفلسطينيين. أشار بعض الجنود إلى تأثرهم باللغة التي استخدمها السياسيون والزعماء الدينيون الإسرائيليون بعد عملية “طوفان الأقصى”. وكانت لجنة تابعة للأمم المتحدة قد خلصت في سبتمبر/أيلول إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة إبادة جماعية في غزة، مشيرة إلى التحريض الصادر عن قادة إسرائيليين مثل الرئيس إسحق هرتسوغ الذي قال إن “الأمة بأكملها هناك مسؤولة” وأنه “ليس صحيحاً الحديث عن مدنيين غير واعين أو غير منخرطين”.
أكد دانيال أن هذا الخطاب الذي يعلن أنه لا يوجد أبرياء في غزة تسرب إلى صفوف الجيش، قائلاً: “تسمعه طوال الوقت فتبدأ بتصديقه”. المقدم نيتا كاسبين روى كيف جلس الحاخام التابع للواء بجانبه وقضى نصف ساعة يشرح له لماذا يجب أن يكونوا مثلما كانت “حماس” في السابع من أكتوبر، وأنه يجب أن ينتقموا من جميعهم بما في ذلك المدنيون، وأنه لا يجب أن يُميّزوا.
الحاخام أفراهام زاربيف، وهو رجل دين يهودي متطرّف خدم أكثر من 500 يوم في غزة، لم يكتف بمنح الشرعية الدينية لتدمير الأحياء الفلسطينية، بل قاد الجرافات العسكرية بنفسه وادّعى الفضل في ابتكار تكتيك تبناه الجيش الإسرائيلي بأكمله. وقال في البرنامج إن “الجيش الإسرائيلي يستثمر مئات الآلاف من الشواكل لتدمير قطاع غزة”، مفتخراً بأنهم غيّروا سلوك جيش بأكمله.
إعدامات ميدانية خلال توزيع المساعدات
وتحدث صانعو الفيلم أيضاً إلى مقاول يُعرف باسم “سام”، عمل في مواقع توزيع المساعدات التي تديرها مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. وصف “سام” كيف شهد قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بقتل مدنيين غير مسلّحين، بما في ذلك حادثة رأى فيها جنديين يركضان خلف شابين كانا يركضان وسط الازدحام للحصول على المساعدات، ثم ينخفضان على ركبتيهما ويطلقان رصاصتين، مما أدى إلى سقوط الشابين. كما ذكر حادثة أخرى دمرت فيها دبابة إسرائيلية سيارة عادية كان بداخلها أربعة أشخاص عاديين قرب أحد مواقع التوزيع.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة، استُشهد ما لا يقل عن 944 مدنياً فلسطينياً أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات بالقرب من مواقع مؤسسة غزة الإنسانية. رغم ذلك، نفت كل من المؤسسة والجيش الإسرائيلي استهداف المدنيين الساعين للحصول على الطعام. وأظهر الفيلم أيضاً الضغط النفسي الذي يعانيه بعض الجنود في غزة، حيث قال دانيال إنه يشعر بأنهم دمّروا كل فخره بكونه إسرائيلياً وضابطاً في الجيش الإسرائيلي، وأن كل ما تبقى هو الخزي.

